توجد فى بلاد العرب مواقع ممتازة ، بهوائها الرقراق ، ونسيمها البليل ، وجوها المستطاب ، وهي منبئة فى الأقطار العربية كلها ، ولكن لخلوها من العمران الفني والعناية الطيبة كانت منسية عن الأذهان والقلوب فلا رائد يتجه اليها دواما ، وانما يتردد إليها بعض من يحتاج اليها فى شؤونه الخاصة ، ومصيف الحجاز (الطائف) الذي يعد مصيفا (رسميا) له قيمته فى هذا العهد المشرق قد ظهر لكل من وطئت قدماه أرضه انه من خير مصايف الدنيا جمالا وانسا ولذة وانشراحا لا سيما بعد امتداد العمران فيه يمينا وشمالا وشرقا وجنوبا ، وتلك ميزة فنية لهذا البلد يتطاول بها فخرا على امثاله اذا أضيف إليه ما ينتج من أحسن الفواكه والثمار وأشهاها، ولسنا بسبيل البحث فى هذا المصيف والتحدث عنه، لأن الأستاذ الانصاري لا يريد ذلك مني . وانما يرغب - ورغبته عندي آثر وأمضى من مطلبي- أن أترك هذا المصيف القريب وان أقطع البيد واركب القفر حتى أصل الى عسير فاكتب عن مصايفه كلمة تكون تعريفا لها ودلالة عليها ، يتمكن من تلاوتها المطلع أن يعلم عن شئ كان مستورا من بلاده .
مقاطعة عسير تقع في جنوب المملكة العربية السعودية المتحدة بين الدرجة ٢٧ والدقيقة ٧٠ والدرجة ٢١ شمالا ومن الدرجة ٤٠ والدقيقة ٣٠ والدرجة ٤٥ شرقا فحدودها على هذا الأساس الحجاز شمالا ونجد شرقا واليمن جنوبا والبحر الاحمر غربا (١).
وموقع هذه البلاد الجغرافي يعطيها ميزات لا تظفر بها الا بلدان قليلة ، فهى ملتقى صبا نجد بنسيم صنعاء ، وهواء الحجاز برياح الخضم ، ثم يتكون من كل هؤلاء مناخ بديع تظفر به عسير حتى ان المياه تتجمد فى بعض المواضع لا سيما أبها ، فى فصل الشتاء وكلها عذب نمير.
وبلاد هذا شأنها لا تعدم مواضع لها خطورتها الفنية تصلح لان تكون مراد المرء فى فصل تذيب الجسم حمارة القيظ ، حيث يستمتع بالهواء الطلق يهب على الابدان فينعشها وتؤدى الأعضاء والاجسام وظيفتها فى غير ما عناء ولا عنت .
من هذه المواقع الغنية التى جعلت مصايف - وهي مصايف بحق ما يأتي : ١ - الشعبية (بكسر الشين) فى رجال المع ٢ - خميس مشيط فى شهران ٣ - النماص فى بني شهر ٤ - السودة من ضواحي أبها وهي مرتفعة جدا وكان فيها مصح للاتراك لجودة هوائها . ٥ - أبها .
هذه أشهر المصايف وأرقاها وأحسنها فى عسير وكنا قد اعطينا فكرة عامة عنها فى محاضرتنا (مشاهداتى فى جنوب المملكة) التى القيناها فى ندوة الاسعاف ولا نريد ترديد معانيها هنا ولهذا نكتفى باحدها لنبسط القول فيه وليكن (الشعبية).
الشعبية بلدة صغيرة تعد من أجمل مدن رجال المع، وفيها مركز الامارة وتقع فى سفح عقبة (رز) التى تعد الفاصل الأصلي بينها وبين بلدة رجال ، تميزها عن زميلاتها جودة هوائها ورقته، وعذوبة مائها وبرودته، وجوها صحي
مفيد للجسم ، والأكل فيها شهى مقبول ومهما اكثر المرء فيها من الأكل فلا يشعر بسوء فى الهضم أو ثقل فى المعدة.
وبيوتها ذات طابق أو طابقين تبنى بالحجر وتحيط بها الجبال شرقا وغربا ويمر من وسطها واد يصب فى وادي حلى ولا يتجاوز سكانها الخمسمائة .
ولقد انتهزت فرصة وجودي في عسير فأمضيت في الشعبية بضعة أسابيع كانت أيامها زاهرة مشرقة ، فيتلاقي في سوقها التى تقام يوم الاحد ما يباع ويشري بمتاحف من الحسن والجمال والاناقة.
فالشعبية كما قدمت مصيف جميل وفيه متاحف من الحسن ومطارف من الجمال ومواكب الفتنة فأى نفس لا تخلد للاستجمام والطمأنينة والركون الى الجو الفاتن ولكن شيئا واحدا لم يكن في مستوى هذا المصيف يلائم شهرته وجماله وعبقريته ذلك هو قصور يد العمران، فلا أبنية ذات ذوق فني ولا حدائق متسعة .
لو اتيح لهذا المصيف عمران فني لكان ذا شأن بين المصايف الاخرى حيث الرخاء التام والهدوء الشامل والطمأنينة حيث الفضيلة تنشر راياتها فوق المدنية فلا بغي ولا تطرف ولا خروج بالنفس عن موطن الخير .
ولعل أمل اصلاحها قريب يبتدئ بانتهاء هذه الحرب القاسية الضروس ولعل هذا الاصلاح يتناول كل هذه المصايف التى تعد من أجود مصايف الدنيا هواء ورقة ونظافة وبراءة وطهرا ، فتكون لهذه المملكة مورد ثروة لا يغيض.
مكة
