المصيف, بين الطائف والاسكندرية

Share

الحديث فى هذا الجزء من المنهل - بمناسبة الصيف- حديث المصائف: وما يتصل بها من قريب أو بعيد، والأستاذ الصديق الانصاري. يريدني ان اتحدث عن الإسكندرية، مصيف القطر المصري، وعروس البحر الأبيض المتوسط - كما يقولون - وعن الطائف مصيف الوطن الحبيب وخميلة المصايف الحجازية.

واحسب ان حديثا يلقاك موضوعه - أول ما يلقاك - بامتحان العاطفة والكشف عن مساتير النفس، ومخبوء الذكريات ، فى نطاق محدود من الصحيفة وقيود ملتزمة من العقل والفكر، حديث غائم، تعوزه الابانة، وينقصه الافصاح المبين، وهو ما قدرته لحديثي أول ما فكرت في الكتابة فيه.

فليس من ذني - اذن - أن يجيء هذا الحديث أبعد ما يكون عن ظن القارئ المتتبع لما أكتب أو أنشر.

لقد زرت الاسكندرية أربع مرات، كان بعضها فى الصيف، وبعضها في الشتاء، وكان بعضها فى رحلة علمية مشتركة، تعودت كلية دار العلوم العليا بمصر ان تقوم بها فى كل عام لطلبتها، وبعضها فى نزهة شخصية مع من تصطفيهم النفس، لأمثال هذه الرحلات من الاصدقاء، وكان بعضها طويلا ممتعا، وبعضها لا يتجاوز الاسبوع .

وما بي أن أعدد زياراتي للطائف ، وارتياد ضواحيه ، وأطرافه ، فماذا عساي أن أقول؟

وليس سبيل المقارنة ، بين الاسكندرية والطائف - فى سوى الاصطياف - سبيل الحديث المقبول ، الا فى رأي يقوله علماء النفس ، من ان علاقات التباين أقوى وضاحة، من علاقات التشابه .

ذلك أن الإسكندرية -عدا وضعها الألاهي البديع - مدينة صقلتها يد الانسان، فى شتى عصورها التاريخية ، وتواردت عليها حضارات الامم ومدنياتها ، وافتن في تجميلها ملوك ودول ، وأفراد ، وجماعات ، حتى غدت كما يقول فيها شوقي بك :

اسكندرية يا عروس الماء           وخميلة الحكماء والشعراء

قد جملوك فصرت زنبقة الثرى     للوافدين ودرة الدأماء

غرسوا رياك على خمائل بابل      وبنوا قصورك في سنا الحمراء

أما الطائف فما تزال على ختم الله، الا فلتات من يد الزمن ، جعلت من الطائف جنة موقوتة، وحياة نابضة، ورياضا مؤنسة، يحسب عتبها المتزيب حرارا متكئة على سدر الأرض ، ثم عاد بها الزمن ، كما كانت الا من جنان متباعدة ، وبساتين متناثرة هنا وهناك ، وقفت أشجارها ، وكأنها مؤذن وقف فى مأذنة الحياة ينادي صباح مساء ، حي على الاصلاح.

ولكن - ولأول مرة تكون لكن هذه خفيفة على قلمي، جميلة الى نفسي- الطائف، والاسكندرية شئ اخر - غير ما تقدم- فى حساب الشعور والاحساس بالأثر المتروك في النفس ، ثم فى حساب العاطفة والذكريات وأخيرا فى حساب الحق والعدالة.

الطائف والاسكندرية فى حساب الشعور والأحساس بالأثر المتروك ، فكرة جماعها قول المتنبى :

حسن الحضارة مجلوب بتطرية       وفي البداوة حسن غير مجاوب

والطائف - وحدها - فى حساب العاطفة والذكريات ، رأي حاداه قول ابن الرومي : -

وحبب أوطان الرجال اليهمو     مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو     عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

وأخيرا فهي في حساب الحق والعدالة، بجوها الجميل، وصحو سمائها الدائم وفاكهتها المشتهاة، والتي لم تعبث بها يد الصناعة الزراعية بعد - ووديانها الواسعة، وزروعها المتشابكة، اجمل وقعا فى النفس، وأقمم لها حسا بالجمال الفطرى، من مناظر الاسكندرية المماثلة.

وبعد. فهذا حديثي - صديقي القارئ - عن الإسكندرية والطائف ، فهل تحسبني قلت شيئا ؟ أن كنت قلته فقد علمته ، ولكن ما تزال فى النفس أحاديث وأحاديث، يقعد بها النطاق المحدود من الصحيفة ، والقيود الملتزمة من العقل والفكر . فهل يبسم الزمان، فنجوس خلال الديار، لنحيي مواتا فى النفس وركودا فى الروح. ليت وهل تنفع شيئا ليت ؟

عبد الله عريف

اشترك في نشرتنا البريدية