المنهل، بمناسبة مرور عشرين عاما على ميلادها

Share

بصدور هذا العدد من مجلة المنهل الشهرية التى يديرها رأس تحريرها صديقنا الاستاذ عبد القدوس الانصارى ، تدخل فى عامها العشرين من عمرها الطويل المديد ان شاء الله .

ومن النادر ان تجد مجلة علمية او ادبية مباركة الاجل فى مجتمعنا العربى . . والذي يستعرض المجلات التى قدر لها البروز فى جميع الاقطار العربية ليحز فى نفسه الاسى حين يراها قد تجدلت الواحدة تلو الاخرى اما في المهد او في الطفولة أو غيدان الصبا على الأكثر ، ولنضرب لذلك مثلا مجلات " الاصلاح " و " النداء الاسلامي " و " الغرفة التجارية " فى الحجاز ، و " الرسالة " و " الثقافة " و الفتح " و الزهراء " و المختار " فى مصر ، وكثيرا غيرها من مجلات الاقطار العربية الشقيقة مما لا تعي الذاكرة اسماءها .

فهذه كلها اشبهت الحسناء تطل برأسها لتختفي وراء ستار . . حتى " المقتطف " التى كانت تعتبر شيخة المجلات العلمية اصبحت في خبر كان ولولا ان مجلة " الهلال " الشهرية مستندة إلى مجلات دار الهلال المصورة التى تغطى بأرباحها خسائرها

لاحتجبت هى الاخرى عن الظهور ، ولدفنت في ظلمات القبور :

ولعل السبب الرئيسى لهذه الهزائم المتتالية التى تمنى بها مجلاتنا العلمية والثقافية هو كساد المعروضات الادبية فى اسواقنا العربية ، واعراض القراء عن ارتشاف رحيق الادب ، واقبالهم على الجرائد والاخبار والمجلات المصورة واشاحتهم بوجوههم عن الأدب وفنونه والمجتمع شؤونه ، وانصرافهم بكليتهم الى المادة .

الروحانية . . والمادية . .

والغريب اننا قوم نزعم اننا روحانيون أو اقرب الى الروحانية باعتبار كوننا شرقيين ، والشرق مهبط الاديان ومستودع النبوات وان غيرنا

ماديون أو اقرب الى المادة باعتبار كونهم غربيين ، والغرب مركز الماديات ومستودع الصناعات ، والواقع يفند زعمنا وينبئنا ان العكس هو الصواب وليس هذا المقال مجالا للمقارنة بين الفريقين فى جميع فروع الروحانيات ولكنا نقص المقارنة بينهما على فرع واحد منها هو الأدب . . فأي الفريقين اكثر تهافتا عليه واشد استمساكا به الشرقيون الروحانيون بزعمهم ؟ أم الغربيون الماديون بزعمنا ؟ . . وان الواقع يصرخ في آذاننا : أنتم أيها الشرقيون ماديون لانكم تكتسبون المادة من طرق غير سليمة وتسخرونها لاغراض مادية بحت دون ان يكون

للروح قسط منها ، أن الادب - وهو جزء من الروح - ليس له نصيب من اهتمامكم ، ولا من زكواتكم ، ولا حتى من صدقاتكم . . ولسان الواقع يقول لنا : اما اولئك الماديون بزعمكم فانهم اقرب منكم الى الروح لانهم اكتسبوا المادة بأساليب مشروعة ومن طرق غير ممنوعة ، ثم سخروها لخدمة الروح في مختلف نواحيها ومطالبها واغراضها ،

واهدافها ومنها الادب الذي رفعوا شأنه ، وأعلوا مكانة المستغلين به . . وشجعوهم على النهوض بمهمتهم الروحية ، وبذلك اصبح الادب وسيلة للجاه والثراء عندهم ، واضحي علامة على البؤس والفاقة والتسول والتدهور عندنا . .

كيف عاش المنهل

وبعد فان مجلة " المنهل " الغراء التى نبتهج اليوم ببلوغها العشرين من سنى حياتها الحافلة ، والتي نرجو ان نحتفل قريبا بعيدها الفضى ، وان يحتفل مستقبلا . " بيوبيلها " الذهبى ثم الماسى بعد ذلك ، قد اعتمدت فى بلوغها هذه السن التى تحسب طويلة في محيطنا العربي وبيئتنا الاجتماعية على ركنين أساسيين .

أولهما : التضحية الفكرية والجسمانية والنضال الشخصى لصاحبها ورئيس تحريرها فى سبيل بقائها .

وثانيهما : العون المادى والادبي من حكومتنا الكريمة الناهضة ثم بعض الاشتراكات من جهات تعد على اصابع اليد الواحدة وعلى رأسها وزارة المعارف

ولا يسعني في ختام هذه الكلمة ، الا ان اوجه كلمة تقدير لصاحب هذه المجلة ورئيس تحريرها على ما يبذله من جهد مضن فى سبيل المحافظة على كيانها ومن أجل مسايرته للزمن وتطوره ، أملا له التقدم والنجاح وان يزداد اقبال القراء وتشجيعهم وورودهم " منهل " العلم والادب ، كي يتمكن من الخروج بادارة مجلته من ذلك المبنى الذي اكل عليه الدهر وشرب فى " السوق الصغير " الى مبنى آخر . مستساغ ورود " المنهل " فيه ومن سار على الدرب وصل . .

اشترك في نشرتنا البريدية