المنهل والمباحث الدينية

Share

من الناس من يطيب لهم العمل واداء الواجب في صمت وسكون دون جلبة او دعاية فضفاضة وطلب للشهرة وذيوع الصيت ، وهذا الصنف من الناس هم جنود مجهولون يجدر بالامة أن ترعى لهم الحقوق وان تقدر لهم وفيهم روح التضحية وان تعترف لهم

بالجميل ، ومن هذا الصنف صاحب المنهل ورئيس تحريره الاستاذ عبد القدوس الانصارى ، ولا أقول ذلك مجاملة له او تزلفا فليس لمثلى ان يجامل وليس لمثلي ان يتزلف ، ولكنى أقولها كلمة صريحة يقررها الواقع ،

ويشهد لها هذا الاثر البارز وهذه الثروة العلمية الادبية الضخمة التى كونها الاستاذ وعمل جاهدا على تنميها بكل ماديه من امكانيات ووسائل هي جهد المقل وجالد فى سبيلها وصبر وصابر حتى طاب الثمر وبدا الصلاح ودانت القطوف وامتد

الظل وارفا فتفيأ ظلاله الكثرة الكاثرة من ابناء الجيل ينهلون ويقطفون . ويتفيئون الظلال ويكرعون من ينابيع المنهل الثروة ( والمنهل العذب كثير الورود )

أجل عشرون عاما بتمامها والمنهل يغذي شباب البلد بضروب من الوان التثقيف العلمي والأدب الرفيع فأنشأ

مدرسة واخرج جيلا . . مدرسة تدين للمنهل بحصافة التوجيه وجودة التنقيف والتدريب وجيلا نشأ على اقتناص الفائدة وتلمس الحق . والصواب أنى وجد ومن أى قلم انبثق شعاره ( الحكمة ضالة المؤمن ) واشهد لقد كان المنهل هو المجلة الاولى التى كونت في شخصيا الشجاعة الادبية وحفزتني إلى خوض مجالات الكتابة والنزول إلى ميادينها فطفقت أنشر فيها سلسلة من البحوث الدينية . .

بعناوين مختلفة تنوعت فيها الاغراض كنت ارسم بها صورة من الآداب الاسلامية مناهضا بها فكرة تقديس الغضرب ومدنية الغربيين وآدابهم المنتزعة من اصل ديننا الحنيف مستمدا ذلك من أى الكتاب العزيز واحاديث السنة المطهرة فكنت القى من المنهل وصاحب المنهل ترحيبا ايما ترحيب وتشجيعا للمضى فى هذا المضمار . .

دفعني لمضاعفة الجهود وتكرار المحاولة ومتابعة النشر فتعددت الابحاث . . وتنوعت المطالب الا انها كانت تتجه فى مسلك معين هو المسلك الديني في ضروب مناحية ، من أجل ذلك كان للمنهل دين فى عنقى يجب الوفاء به وكان للمنهل حق ثابت على يتقاضانى الاشادة به والتنويه بفضله ومن أجل

ذلك ايضا وقياما برد بعض الجميل اكتب مقالي هذا استجابة لرغبة صاحب المنهل حيث حدد لى هذا الموضوع بالذات : ( المنهل والمباحث الدينية ) ودعانى للكتابة فيه لمناسبة مرور عشرين عاما على كفاح المنهل واضطلاعه بمهمة التوجيه ولا أقول باداء الرسالة فالرسالات قد ختمت

بخاتم النبوات والرسالات محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسام وكان من حق المنهل على ان البي الدعوة مغتبطا لما فيها من رد الجميل كما اسلفت ولما فيها من المساهمة الواجبة نحو مجلة اسلامية تصدر فى أقدس بقعة من بقاع الاسلام ، والحق ان المنهل قد افسح المجال كثيرا للبحوث الدينية ،

وكان سخيا وكريما لابعد الحدود حيث أشغل بها حيزا كبيرا من صفحاته ، واضحي منبرا تتجاوب عليه وفيه اقلام العلماء في شتى نواحي العلم والمعرفة وتتلاقي الكفاءات العلمية فينشأ عن هذا التلاقي وفرة الانتاج وكثرة البحوث النافعة المفيدة وعلى الأخص البحوث الدينية التى تهذب الاخلاق وتطهر العقائد وتهدى الى سواء

السبيل . . وان العشرين عاما التى قضاها المنهل من عمره لتشهد له بالرصيد الذي يحتفظ به من هذه الابحاث وتلك المعلومات الدينية على أصح الوجوه وأسلم النظريات

هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان للمنهل فى مضمار النقد العلمي أثرا واضحا ملحوظا فكم قرأنا فيه من

تعقيبات نزيهة للعلماء الافاضل ونقد برئ من تهمة الغرض والتجنى . هو نقد لابد منه لتمحيص الحق واظهار الدغل والزيف . . بين يدى منه وانا اكتب هذه السطور حلقة لاحد العلماء الافاضل يعقب على عالم فاضل آخر في موضوع تفسير القرآن بالرأى .

استطرد فيها لذكر اقوال التسعفية وشطحاتهم والمناحي التي آخذهم عليها المحققون حيث جعلوا الشريعة اسما وقالوا المراد منها الحقيقة ، وحيث جعلوا للقرآن الكريم ظهرا وبطنا . .

وحيث غيروا وبدلوا في تفسير القرآن حسب ما تمليه عليهم نزعاتهم

واشاراتهم الخاصة بهم فمثلا قالوا في تفسير قوله تعالى ( مجمع البحرين ) في سورة الكهف هما الخضر وموسى وفي تفسير قوله تعالى ( اياك نعبد ) قالوا بالعلم ( واياك نستعين ) قالوا بالمعرفة ، ونقل بعضا من نقولاتهم كقول بعضهم - نحن نحب الله لذاته كما نحب اللذة لذاتها لانه موصوف بالكمال والكمال محبوب لذاته ، ثم

نقل ردود أهل الحق عليهم ودحض اقوالهم وان بحوثا كهذه وغيرها مما ينحو هذا المنحي قل ان يجدها الباحث المتلمس مجتمعة ، وقل ان يعثر عليها في اسلوب نقاش يقرع الحجة بالحجة ويورد الادلة ويستصفى اللباب ، وناحية اخرى فى المنهل جديرة بالذكر وحرية بأن نعرض لها مع التقدير والثناء العاطر تلك هى حرية الرأى واطلاق العنان للعالم او الكاتب

يجول جولته ويعبر عن آرائه دون مصادرة لحريته في الكتابة ودون ان يضع المنهل امام نشر بحثه العراقيل المالوفة من رجال الصحافة كقول بعضهم ان هذا الرأى أو هذه الفكرة او هذا الاتجاه ليس من أهداف المجلة ولا يتفق مع مشربها . . بل المنهل كما اسلفت القول يفسح المجال للنشر ويفسح المجال للتعقيب وبذلك حفظ

التوازن بين قرائه وكتابه فرضى وأرضى رضى عن خطته اذ سلم بها من التلون ومجاملة البعض واغضاب الآخرين وارضى قراءه بلزوم خطة الحياد وكتابه بعدم التحييز . . اذكر اني قرأت جملة من البحوث الدينية لبعض الكتاب جانبوا فيها القول الراجح وتشبثوا

بالمرجوح فقلت فى نفسي : ألم يكن للمنهل مندوحة عن نشر هذه البحوث أثم لم يكن من عباد الله من ناصح يهدى الى السبيل ويرشد الى الجادة ؟ ولم يمض على حديث النفس هذا غير يسير حتى رأيت التعقيب يتلوه التعقيب والمنهل ينشر للكاتب الثاني كما نشر للأول ثم لا يرى عليه في ذلك

قدحا ولا عتابا ، وهكذا يثبت المنهل للملأ انه ثابت على مبدئه وفي لقرائه وكتابه ، ولا يغربن عن الاذهان ان للمنهل هدفا فى النشر لا يعدوه . . فليس كل بحث يتحتم عليه نشره اذ كان يصطبغ بطابع الدين فقد يكون البحث من حثالة آراء المخرفين او من اختراعات المبتدعين وشبه المضللين ، وسخافات المشعوذين فكل اولئك

يزعمون انهم على الهدى والدين . . فيدبجون البحوث الضافية بدعوى الاصلاح والدلالة على هدى الراشدين ولكن المنهل لا يروج عليه البهرج والزيف فلقد جعل شعاره الاخلاص والامانة ، والاخلاص للدين ثم المبدأ والامانة في النقل والنشر فلا يرفع

رأسا ببحث يخالف الدين مهما كان مصدره ومهما ارتفعت حيثيات كاتبه ولا ينقل لقرائه وينشر الا ما كان نافعا مفيدا وتلك هي الامانة التى التزمها وخطى بها خطواته المتزنة طوال العشرين عاما المنصرمة .

هذا والامل في الله سبحانه ان يكون المنهل فى مستقبل ايامه اكثر فعالية في التوجيه والدلالة على الخير واكثر امكانيات ليأخذ مركز الصدارة فى دنيا الصحافة ومجالات الطباعة والأخراج ، فيغدو مجلة اسبوعية او نصف شهرية على الاقل وتتضاعف عدد صفحاته وينضم الى اسرة تحريره جمهرة من ارباب القلم السيال . . .

والكفاءات المكتنزة فنرى فى مهبط الوحى خير مجلة تدعو الى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعطى فكرة صالحة عن واقع الدعوة الاسلامية واقامة شعائر الله وتآلف المسلمين وتعاطفهم الى غير ذلك مما يجب ان تقوم عليه مجلة اسلامية علمية تشرق شمسها فى رحاب البيت الحرام .

وبعد فتقديرى للمنهل وصاحب المنهل . .

اشترك في نشرتنا البريدية