الموت وقود الحياة

Share

نعم ان الموت وقود الحياة . وما الحياة بلاموت الا كالاتون بلا وقود سرعان ما تنطفئ جذوته ، وتخمد حرارته ، فالموت هو الذي ينميها ويذكيها فى الاحياء وما اشبه الحياة بالحديقة الفناء وما اشبه الموت بفلاحها النشيط الماهر الذي لا يفتا يطوف بها متفقدا اشجارها معتنيا باحوالها يشذب هذه الشجرة من بعض اعضائها الذاوية ويجتث تلك الشجرة من عروقها الخائسة لئلا تمتد العدوى الى اخواتها من الشجر . وما هو فيما يشذب ويجتث بالمبغض ولا الكاره . ولكنه العامل المجد فى اصلاحها ليضمن بها النماء والأزدهار فلا تلبث بعد تلك العملية - عملية الأجتثاث والتشذيب - ان تزخر الحديقة - بالحياة وتفيض بالنضرة وتأتي اكلها اضعافا مضاعفة اكلا طيبا شهيا

ولولا ذلك ما كان للحياة ان يأمن طعمها سائغا هنيا . ولا كان لعيشتها ان يكون محببا مرضيا .

وكما ان الحقل بلا مدبر يصبح ركاما من الشجر الشائك والأوراق الشاحبه والجذوع النخرة والأغصان العجاف ، كذلك تصبح الحياة بلا موت ركاما من الاجساد المتلاصقة والانفاس المنتنة والطفيليات الوبيئة والإنسانية الملتائة وذلك بما يحف بها من اقذار ، وما يحيط بها من وضر لا تطيق الصبر عليه ، ويصبح الوجود على رحبه كالسجن الضيق حشر فيه الناس حشرا مريعا ليذوقوا قياس الخوف والجوع ويتغلبوا على بساط الهون والعذاب وما كان ربك ليبتلي عباده بحياة مثل هذه فهو ارأف بهم وارحم

اننا اقمنا للموت فى مخيلاتنا شبحا مخيفا نجفل منه اذا تصورناه وتمتلئ قلوبنا هولا ورعبا إذا ذكرناه . ونموت - قبل ان يصل الينا فيما إذا رايناه

وكان الاجدر بنا ان لا نتصوره بهذه الصورة البغيضة . اذ الموت فى حقيقة امريمان بمثل رجلا ما تمثل الا فى صورة الاب الرحيم المشفق على ابنائه الساهر على ظوه مصالحهم التى فيها رفاههم وسعادتهم . فلماذا يروعنا منه ان تمتد يده الينا ؟

ان تلك اليد - يد الموت - التى نصمها بالقسوة ما هى الايد رحيمة لا تتجنى فى امتدادها الى الناس تجني الظلمة والأثمين . ولكنها تعمل بحكمة عمل الرجل الحازم كل شئ عنده بقدر معلوم .

فهو اذ يمد يده الى شخص او الى جيل باسره فما ذلك الا ليفسح مكانا تحت الشمس لغيرهم من الوافدين

وتالله لوقبض الموت يده عن الاحياء لضاقوا بالحياة ولضاقت بهم الحياة اننا لانستطيع ان نتصور الحياة بغير موت الا اذا تصورنا العيش فى اكناف محبس لا نحتمله افلا يخلق بنا - والحالة هذه - ان نذهب ما يساور قلوبنا من الجزع والفزع . وما يستولى على نفوسنا من الحزن والهلع لذكر الموت ونعتمده نعمة عظمى ان لم تقابل - منا - بالفرح والبهجة فلا اقل من ان تقابل بالرضا والطمأنينة ؟

وما دمنا لانستطيع للموت ردا سواء تقبلناه فرحين او جزعين ومادام الموت لا يتجنى على الاحياء مجني الظلمة والأثمين - كما قلنا - وان كل شئ بقدر معلوم . فلماذا لا نتسلط على الوهم الذي علق باذهاننا ونطرده عن مخيلاتيا ذلك الوهم البغيض المضلل الذي يصور لنا الموت وصورته الشنيعة صورة الشيخ الشاحب ذي الانياب المصفرة الكاشرة عن كلوح تتقزز منه النفوس . ونقيم له فى مخيلاتنا صورة طيف اهيف جميل ذى اسنان لؤلؤية وثغر ورد بسام ونقبل عليه اقبال الصادي على شربة الماء العذب البارد ؟

أوليس عجيبا ومعيبا فى آن واحد ان لا نجد من انفسنا الا ضعفا ووهنا يعماننا بجبن لا يليق بمن يحترم نفسه ورجولته ان يوصم به ؟ وليت في ذلك الجبن

ذريعة ترد عنا عادية الموت . اذا لكان لنا فى ذلك مندوحة تتيح لنا الاعتذار فيما إذا تخلقنا بتلك الخلة المشينة التى هى الجبن .

اما وان الموت لا يفيد معه الجبن فاحر بنا ان ننبذ تلك الخلة . ورعى الله الشاعر العربى حيث يقول :

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره   تنوعت الاسباب والموت واحد

ولكن للموت بالسيف مزية لم تكن للموت بغيره مزية مثلها تلك المزية هي الذكر المدوى على الاجيال المتعاقبة حتى لكأن الميت به لم يمت .

ولعمري ما الذى يقعد بالناس ويصدهم عن طلب الموت من الاسباب التى تؤدى بهم الى خلود الذكر . ونحن نعلم ان الموت ليس في مقدوره ان يصرم اجلا لم يتصرم . افلا يهيب بنا علمنا بذلك ان نقف مواقف البطولة ونستقبل الموت فى ساحات الشرف . فان تصرمت اجالنا فنعما فزنا به وان لم تتصرم سعدنا بحياة سامية وانتظمنا سلك ذوى الاعمال الجليلة فى تاريخ البشر

ولقد اذكر فى القول المأثور عن على ابن ابي طالب رضي الله عنه ) بقية السيف اكثر ولدا وانمى عددا ( بمزيه اخرى لم تصرم اجله على حد السيف وسالت نفسه على متنه غير مزية خلود الذكر على الافواه . وهذه المزية الثانية هي خلود الانسان فى نسله وعقبه الذين كان الموت بالسيف سببا فى نمائهم وكثرتهم وهذا القول بين الصدق فى الواقع المشاهد فما من اسرة مات افرادها تحت ظلال السيوف الا وهي اكثر عددا من الاسر التى يموت افرادها حتف انوفهم واول اسرة تطالعنا بصحة الكلمة المأثورة ومطابقتها للواقع هي اسرة القائل العظيم . فلقد قتل هو غيلة ومات ابنه الحسن مسموما بيد اثيمة - وقتل الحسين واربعون من ذويه فى وقعة كربلاء المشؤومة . ولازال افراد هذه الاسرة يعرضون للموت من اسبابه الشريفة حتى ذهب اكثرهم صرعي نبلهم وبسالتهم واقدامهم على الموت ولو اردنا ان تخص من قتل منها فى عهد الامويين وعصر العباسيين لارتعنا من كثرة القتلى

ومع ذلك فان هذه الشجرة المباركة نامية الفروع بكثرة مدهشة فى كافة انحاء المعمورة .

وانظر الى هذه لزيادة الفاحشة فى عدد العالم بعد الحرب العظمى تلك الحرب التى فتكت بالناس فتكا ذريعا فانك لا تجد العالم اليوم على كثرته ونمائة الا بقية سيف الحرب العظمي الذي كان مصلتا على رؤوس الإمم والشعوب وهذه الظاهرة اروع برهان على ان قائل ) بقية السيف اكثر ولدا وانمى عددا ( لم يكن في قوله متشكما الا بلسان الحقيقة الواقعة

وتعليل هذه الظاهرة - فيما ارى - ان الاسرة التى يعمل فيها السيف كالشجرة التى تعمل فيها مدية الفلاح لتشذيبها لا تلبث بعد التشذيب ان تقوى على الحياة فتنمو اغصانها وتمتد فروعها وتكثر ثمرتها بخلاف الشجرة التى لا تعمل فيها يد المشذب فانها تضعف ويدب اليها الوهن ولا تكون ثمرتها الا قليلة محدودة وما ينطبق على الشجر ينطبق على الانسان اذ الكل خاضع للسنن الالهى المتقن

واذا لاحظنا بعد الحرب العظمى - ان الامة التى كان قتلاها اكثر كانت بعد الحرب انمي عددا واكثر ولدا من الامة التى لم يشذ بها السيف تشذيبا تاما بجعلها تقوى على الحياة كغيرها كان تعليلنا الذي ذهبنا اليه تعليلا صحيحا .

اليس فى كل هذا ما يغرينا على ان ننظر للموت غير النظرة السائدة علينا الآن ان لم يغرنا كل ذلك فليغرنا على ذلك مانها هذه فى حياة البشر . فما من امة اجعلت من الموت الا وضربت عليها الذلة والمسكنة . وما نظرت أمة الى الموت نظرها الى الحياة الا فازت بحياة اسمي وعيش ارقى وهل ظفر الغزاة والفاتحون بما ظفروا به من سلطان ونفوذ الا بعد ان قدموا على الموت ولقد يخيل الينا ان الموت يعجب بمن يتعشقه ويكبر من يقدم عليه فيقف مساندا له ويمد يده الى كل من يناوئه . وما اظنه كان يعمل ذلك لولا ان المناوئين لمن يقدم على الموت غير هياب ولا رجل يشيحون بوجوههم عنه فلم يتلقوه الا مدبرين جزئيا على انفسهم من ان يتخطفهم الموت . ولذلك كان

- الموت - ظهيرا للذين يسمعون له ويتلقونه بوجوه مستبشره واسارير متهالة وكانه اذ يناصرهم يرد عليهم التحية باحسن منها . وهو اذ يتجافى عن هؤلاء المقبلين عليه ويغرز انيابه فى المدبرين عنه لم يكن جبارا ولا منتقما ولكنه يتمشى مع سنة الله فى الكون فى ) بقاء الاصلح ( فهو اذ يزيل الله به الهالعين منه حينا وضعفا يفمح الله به مكانا لمن هو اقوى منهم وانفع حتى إذا ماجبنو او طاف بهم طائف الضعف ازالهم ليحل محلهم غيرهم ممن كانوا امثالهم فى الاقدام والقوة وهكذا

فلنقبل على الموت ليدبر عنا فقد قيل قديما ) إطلب الموت توهب لك الحياة ( وإذا لم توهب لنا الحياة فما فضل موت يعقبه عفاء ونسيان على موت يتعقبه تمجيد على كل لسان

اشترك في نشرتنا البريدية