قال صاحب الأساس : وزير الملك من يؤازره اعباء الملك أى يحامله وليس من المؤازرة التى بمعني المعاونة لأن واوها عن همزة . وقال صاحب المصباح المنير : ويسمى السلاح وزرا لثقله على لابسه واشتقاق الوزير من ذلك لأنه يحمل ثقل التدبير .
وقد أوضح القرآن الكريم معنى الوزير ومهمته فقال تعالى : ( واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون ، أخي ، اشدد به أزري ، وأشركه فى أمري ) .
لقد عرفت رتبة الوزير قبل الإسلام عند الفرس والهند فقد ذكر أن الملك سابور بن أزدشير اوصى ابنه بما معناه : ( وزيرك ) يكون مقبول القول عندك . . وجاء فى كتاب من كتب الهند ما معناه : الوزير لا يساوى الملك فى المال والهبة والطاعة من الناس.
اما اذا نظرنا الى كلمة ( الوزير ) فى التاريخ الإسلامي فنجد الصفحات الأولى التى تشمل عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين والأمويين خالية من هذه الكلمة وأن ظهورها لأول مرة كان فى مبدأ العصر العباسي.
هذا من ناحية كلمة ( الوزير ) نفسها ، اما من حيث مبدأ فكرة الوزارة والوزير فنستطيع ان نجد لها اصلا فى العصر الأموى ولكن بلفظ آخر هو ( الكتابة والكاتب ) كما قال صاحب الآداب السلطانية : ( فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة وسمى الوزير وزيرا وكان قبل ذلك يسمى الوزير كاتبا أو مشيرا ).
وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكننا ان نقول : إن وظيفة الكتابة لم يخل منها عصر الخلفاء الراشدين ولا عصر النبوة بيد أن مهمتها فى عصر النبوة كانت محدودة على كتابة الوحي والرسائل والمغانم . وفى عصر الخلفاء الراشدين ظلت الكتابة خاصة بالرسائل والأموال. اما فى العصر الأموى فقد ترقت درجة الكتابة وتساوت مع رتبة الوزارة فى العهد العباسي .
وقد اهتم التاريخ بوظيفة الكتابة اهتمامه بجلائل الأعمال التاريخية . فمن كتاب عصر النبوة : على بن أبى طالب ، وعثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت وأبى بن كعب ، ومعاوية ، رضي الله عنهم.
وفي عصر الخلفاء الراشدين تولى عثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت وعبد الله ابن الأرقم أمر الكتابة زمن أبى بكر رضى الله عنه . وبقى زيد بن ثابت وعبدالله ابن الأرقم على الكتابة ايام عمر بن الخطاب رضى الله عنه .
وفي عصر عثمان رضي الله عنه انتقلت الكتابة الى مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان مع بقاء عبد الله بن الأرقم فى محله .
وفى عهد على بن أبى طالب قام بالكتابة سعيد بن حمران الهمذانى وعبد الله ابن أبى رافع .
وإلى هنا انتهى دور الخلفاء الراشدين وابتدأ حكم الأمويين بمعاوية رضي الله عنه ، ودفعته الحاجة الى تنظيم الكتاب والدواوين اكثر مما كان عليه الحال فى عصر الخلفاء الراشدين ، واتخذ عبد الله بن أوس النعسانى وعبد الرحمن بن دراج وسرجون بن منصور الرومي كتابا له ولدواوينه . وظل هؤلاء الكتاب يقومون بمهمة الكتابة فى عصر ابنه يزيد .
وفى عصر معاوية بن يزيد - القصير الأجل - أسندت الكتابة الى الريان بن سلم وبقى سرجون فى عمله .
وفى خلافة مروان الحكم تولى سفيان الأحول أمر الكتابة.
وتولى قبيصة بن ذويب بن حلحلة الخزاعى الكتابة فى خلافة عبد الملك بن مروان . وقد بلغ قبيصة من الثقة لدى عبد الملك ان سمح له بقراءة الكتب الواردة الى الخليفة قبل عرضها عليه . . ومن كتابه ايضا ابو الزعيزعة وروح بن زنباع.
وفى عصر الوليد بن عبد الملك عهدت وظيفة الكتابة الى القعقاع بن خليد العبسى . وتولاها فى زمن سليمان ، سليم بن نعيم الحميري .
وأسند عمر بن عبد العزيز امر الكتابة الى الليث بن أبى رقية ، ورجاء بن حيوة وإسماعيل بن أبى الحكم .
وكتب ليزيد بن عبد الملك اسامة بن زيد السليحى وسليمان بن سعيد . وكان كاتب هشام بن عبد الملك ابا مجاشع سعيد بن الوليد بن عمرو الأبرش الكلبي وتاذرى بن اسطين النصرانى.
وفى خلافة الوليد بن يزيد كان الكاتب بكر الشماخ ومسلم مولى سعيد بن عبد الملك وابنه.
وفى عصر يزيد بن الوليد الناقص قام بأعباء الكتابة عبد الله بن نعيم وعمرو بن الحارث .
وقام بها ابراهيم بن أبي جمعة فى وقت ابراهيم بن الوليد . وفى زمن آخر خليفة من الخلفاء الأمويين مروان بن محمد الجعدى تولى شؤون الكتابة الكاتب الشهير عبد الحميد بن يحيى . وكان من كتابه ايضا مصعب بن ربيع الخثعمى .
ومن ثم بدأ العصر العباسي وظهرت كلمة ( الوزير ) لأول مرة فى التاريخ الإسلامى بظهور حفص بن سليمان ابى سلمة الخلال وكان شيخا للدعوة العباسية فى الكوفة وفى سنة ١٣٢ ه سلمت اليه الرئاسة وسمى بوزير آل محمد قال الشاعر : ان الوزير وزير آل محمد اودى فمن يشناك كان وزيرا
وبقى مركز الوزارة من اعلى مراكز الدولة التى لها السلطة التامة بعد الخليفة وقد ذكر ابن طباطبا المعروف بابن الطقطقى عن مرسوم الخليفة الناصر بتعيين وزيره محمد بن برز القمي ، الذي كتب فى وريقة قدر الخنصر ، كتبه الخليفة بيده تم قرئ على الجميع وقد جاء فى هذا المرسوم : ( محمد بن برز القمة نائبنا فى البلاد والعباد فمن اطاعه فقد اطاعنا ومن اطاعنا فقد اطاع الله ومن اطاع الله أدخله الجنة ، ومن عصاه فقد عصانا ومن عصانا فقد عصى الله ومن عصى الله أدخله النار).
هذا ويذكر ابن خلدون فى تطور كلمة الوزارة ان لفظ الوزير لم يكن يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك وحلول الخلافة محلها ، فلما انقلبت الخلافة الى الملك مرة اخرى وجاءت رسوم السلطان وألقابه كان اول شىء بدئ به شأن الباب وسده دون الجمهور مما كانوا يخشون على انفسهم من الاغتيالات كما وقع بعمر وعلي وعمرو بن العاص رضي الله عنهم فاتخذوا الحاجب ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين فى امور القبائل وأطلق عليه اسم الوزير . وكانت الوزارة ارفع رتبة .
وقد جاء فى كلامه عن الوزارة انها كانت من ارفع الرتب فى سائر دولة بني امية " ولعله يريد ببنى امية ، الدولة الأموية التى تكونت فى الأندلس . كما جاء فى كلامه بموضع آخر " .
اما تعيين عدد من الوزراء فى دولة واحدة وتخصيص كل وزير لعمل خاص واجتماعهم فى محل واحد فى شكل مجلس الوزراء فأول ما عرف فى الدول الإسلامية فى دولة بني امية بالأندلس ، كما قال ابن خلدون :
( اما دولة بني امية بالأندلس ، فاستعملوا اسم الوزير فى مدلوله اول الدولة ثم قسموا خطته اصنافا وأفردوا لكل صنف وزيرا ، فجعلوا لحسبان المال وزيرا أى وزير المالية ) وللترسيل وزيرا ( وهو ما يقوم مقام وزير الخارجية ) وللنظر
حوائج المتظلمين وزيرا ( كوزير الداخلية ) وللنظر فى اهل الثغور وزيرا ( كوزير البحرية مثلا ).
وجعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم ينفذون امر السلطان كل فيما جعل له ، وأفرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ، ارتفع عنهم بمباشرة السلطان فى كل وقت ( كرئيس الوزراء ) فارتفع عن مجالسهم وخصوه باسم الحاجب.
هذا فى الدول الإسلامية اما فى الغرب والافرنج فأول امة عرفت النظام الوزاري بالشكل الحاضر هي بريطانيا فقد شكلت وزارتها فى القرن الثامن الميلادي بعد عصر وليم الثالث وكان أول رئيس لوزرائها هو ( والبول ) سنة ١٧٢١ م ثم تبعتها الدول الأخرى فى اقتفاء أثرها بتشكيل الوزارات . واول وزارة شكلت فى الولايات المتحدة هى الوزارة التى امر بتأليفها جورج واشنطون سنة ١٧٨٩ م وكانت مكونة من وزير المال والحرب .
وبعد فهذه كلمة عابرة ولمحة خاطفة من تاريخ الوزارة...

