.. وهل كان انسان الأمس غير هذا المشاهد اليوم ؟ انه هو . . هو . . بلحمه ودمه وتركيبه المعروف ، وما أحسبنا نختلف عن آبائنا السابقين فى آدميتنا المقررة ولذلك فما ينتظر أن يختلف عنا إنسان الغد . . إن لم يشأ ربك .. ولو شاء ربك لذهب بنا ، وجاء بخلق جديد . . غير أن هذا لا يلغى مفارقات أخرى بين الانسان والانسان فى عهدين متوالين ، فلقد كان بالأمس - مثلا - يعيش فى دنيا تلوح راكدة اذا قيست بدنيانا التى نعيش فيها ، فكان احساسه يساير الدنيا باسلوبها حتى اذا انفجرت الحياة فى هذا العصر ، لاح بينها الانسان . . وكأن تيارا يجرى فى عصبه ، فلا يكاد يهدأ له بال . ان هدأت له حركة أثناء الليل والنهار ... وصحيح ان الحياة فى عصرنا قد اختصرت المسافات وطوتها ، ونقحت اساليب المعيشة وجعلتها اكثر اختصارا ، وسرعة ، وقابلية للتطور . كما انها انعشت لذائذ الحياة ومفاتنها ، وجعلتها اكثر عددا ، وبهجة ، واختصارا ايضا . . . غير ان هذه المزايا - ومزايا أخرى - هى التى ألهبت مزاج الانسان ، وارهفت احساسه وجعلته اكثر انفعالا ، وتأثرا بما يجرى حوله . وكل شئ فى الدنيا يلوح أنه يجرى حوله .!
وما لنا نحن ولاؤلئك الذين يحيون فى بلاد الحياة المشرقة ، أو الصاخبة . . فى غير اشراق . ! فلنقل كيف يحيا الانسان هنا . ؟
لقد اصبحنا - ولا شك - نشعر بكروب كثيرة ، وما أحسبنا ننام إلا وملء رأس كل منا خيال حائر .. وذلك طبيعى مذا اتسعت مطالب الحياة .. حتى المطالب البعيدة التى تلوح فى العالم الخارجى سهلة المنال . رقصت فى أحلامنا ، واحسسنا بها إحساس الراغب المستزيد .
والزمن لم يعد يكفينا ... نريد أن نلعب ، وان نقرأ الصحف ، والكتب ونريد ان نعمل كثيرا لنكسب كثيرا ، وأن لا يفوتنا ما تقوله الاذاعات وتقدمه للسلوى أو التثقيف ، على ندرة الذى تقدمه من النوع الأخير ... كل هذا نريده قبل أن نأوى الى مضاجعنا . . فى نهار واحد . !
ونريد أن يكون لنا اصدقاء ، وان نمثل الترف الحضارى ، والأسلوب اللماع فى داخل بيوتنا وفى خارجها لو تيسر لنا ذلك ؛ وأن نجمع المال ، وأن يكون لنا جاه وفعالية فى مراكز النفوذ .. كما نريد أن ننشئ ابناءنا تنشئة عصرية فى ثقافتها واسلوبها العام .
وهذه العواصف السياسية تهز كلامنا ، وتملأ شعوره كربا ، ويقظة واهتماما بالمستقبل .. سواء منها ما يتصل بالفرد ، أو بالكيان العائلى ، أو بالكيان العام . ومنذ ازدادت مطالب الحياة ولذائذها ، ورغباتنا فيها .. أو إزاءها ..
تطورت اخلاقنا ، واصبحت مرنة كالمطاط .. تحتمل الصدق والكذب ، والغش والنفاق ، والمداجاة ، والاحتيال ، والضرر ، والخيانة .. كما تحتمل اضدادها وكان هذا ضروريا للتسلح بما يساعد على اجتياز قنطرة الحياة .. واخذ الشعور بذلك يثير تفكير الانسان فى نفسه واخلاقه ؛ واخلاق من يعاشرهم ، فيتألم اذا كان ضميره ما يزال يقظان .. ثم يستمرئ الواقع ، وينسج على منوله ، ويسلك مع السالكين ، حتى يعيش بينهم .. موفور الرجولة !
كل هذا أو بعضه .. نعيش منه فى حركة عصبية ، واجهاد فكري ، واحتدام نفسي طويل ، وقد جنى ذلك علينا فى اجسامنا ، وفى عقولنا .. وان كان يبدو علينا أننا مصقولون فى ظاهرنا ، وأننا اصبحنا اكثر دراية وفهما للحياة فى تاريخها الماضى والحاضر .. ولكننا ندفن شقاءنا فى أنفسنا .. كالنار فى جوف الرماد .! ولعلنا نشعر بما بيننا وبين من لا يزالون أحياء ممن ندعوهم ابناء الجيل القديم - من مفارقات واضحة فى التفكير ، والقلق ؛ والسكينة ، وفى أغلب ظواهر النفس وبواطنها .. حتى لقد يحس الشيخ ممن ادركوا هذا الجيل : انه غريب فيه ما يكاد ينقطع تساؤله عن الحياة التى ندب فيها .. فى دهشة واستغراب ، واشفاق علينا .. أحيانا .. أو فى اكثر الاحيان .. ونبادله هذا الاحساس من جانبنا أيضا ! ٤٧١
ذلك شئ من واقعنا الانسانى فى بلاد تعتبر متخلفة عن موكب الحضارة كما قد تلوح مشرقة إشراقها المادى فى البلاد الأخرى .. فكيف يحيا الانسان فى تلك البلاد .؟
لقد يخيل الي أنه لم يعد غير آلة تعمل الى جانب الآلة الميكانيكية التى تطبع الدنيا الحديثة بطابعها فى كل شئ .
وتتحدث الينا الصحف والكتب ، كما يتحدث الينا الذين زاروا أمريكا أو الدنيا الجديدة .. فماذا هناك ؟
نظام عائلى متفكك ونظام مادي يدور معه الرجل والمرأة .. فى تيار دائم لا يرحم .. وقد تشرق عليهما مخايل السعادة ، ويبدو الترف فى حياتهما مظهرا ناعما مصقولا كالمرآة . غير ان القلق فى احساسهما عامل شقاء مكتوم .. وبعد ذلك
فهل كل الناس اغنياء فى امريكا ؟
لقد اتسعت المسافات بين الاحياء فى هذا العصر اكثر من اتساعها فى أي عصر مضى .. بعامل تطور الحياة وتقدمها .. بعد أن كان المفروض : ان الناس سيتمتعون فى عهدها الجديد .. أي متاع لم يكن يحلم به رجل الأمس !
ولعل الاسرة الواحدة اصبحت تضم فى البيت الواحد رجالا ونساء متفاوتين أو مختلفين كل الاختلاف ؛ فى الفقر والغنى ، والبؤس والسعادة .. فما لذى تضمه المدينة الواحدة من نقائض كثيرة يعيش بينها الاحياء .. وكأن بعضهم يدمر البعض الآخر .؟
ومن هنا لم يجد نظام الشيوعية زمانا صالحا لانتشار عدواه مثل هذا الزمان فلعله لو وجد فى أجيال سابقة ، لكان ملهاة الاحياء فيها ، وموضع تندرهم حتى يموت !!
ونستطيع أن نقول : ان الحياة لم تكن قاسية كما هى اليوم ، ومن هنا يلوح أن معيار السعادة كما اتخيلها عند كثير من سكان الارض ، واكثر من ذلك هو الحصول على ما يسد الرمق .. وترتب على ذلك بالتدريج : أن الانسان اخذ يهضم اعتبارات كثيرة ما كان يهضمها من قبل ، واخذ يغمض جفونه على القذى ويطأ بقدميه كل شئ يعوقه عن السير لادراك القوت ..
وهذه الفضائل ، وتلك الاواصر العائلية أو الاجتماعية ، وذلك الناموس الذى ندعوه بالشرف والعار .. واشياء كثيرة اصبح يبيعها بثمن مادى تافه .!
أما هذه للذائذ التى نتخيلها ونقرأ عنها .. فانها لعشرات محدودين من ذوى الكفاية المادية .. وحظ من عداهم منها حظ المحروم ، فأية سعادة بعد ذلك جناها انسان اليوم ؟
ولقد روت لنا مخلفات الاجيال السابقة . شعرا وقصصا .. وأدبا كثيرا لمسنا فيه نقمة الاحياء أو بعضهم على الحياة فى تلك الايام .. فماذا يقول هؤلاء لو قدر لهم أن يعيشوا فى أيامنا هذه ؟ وقد كانت الحياة إذ ذاك تجرى رخاء ، اما اليوم فكانها اعصار لا تكاد تهدأ له ثائرة !.
ويلذ لى أن اتخيل المتنبى مثلا أو ابن الرومى .. فأي مجد كان يسعى له الاول وينقم على الدنيا انها لم تنله ما يريد ؟ وأية حياة كان يحياها الثانى ، وكل شئ يلوح مصدر طيرة ، وتشاؤم ؛ وانقباض نفسى طويل .؟
والمفروض علميا أن الحياة تتقدم ، وان الغد ولا شك خير من اليوم فكيف نتمثل انسان الغد .. إذا جاء والدنيا فى وضع آخر يلوح وضعها اليوم الى جانبه .. أقصوصة تاريخية مضحكة ؟
لقد تخيل الكاتب الانجليزى ه . ج . ويلز . انسان الغد .. فى قصة كنت قرأتها منذ زمن طويل بعنوان (( آلة الزمان )) إن لم اكن قد نسيت ، ولكن الزمن الذى تخيله ويلز ، وتخيل الانسان فيه . بعيد عن الغد باجيال كما اذكر .. ومع ذلك فما أحسبنى قرأت قصة أغرب ، وابعث على الضحك من قصة ويلز ، ذلك لأن الخيال فيها مبنى على حقائق علمية .. منتزعة من الطور ومن نظامه الحيوانى مثلما يتخيله الماديون . ولا اذكر الآن شيئا كثيرا عن معالم الحياة المستقبلة التى رسمها ويلز ، بيد اننى اتخيل الانسان الذى رسمه فى خضم هذه الحياة . شبحا أقرب الى الملائكة ؛ أو الى عالم آخر تقلصت عنه الحيوانية كما نعرف مظاهرها فينا . ويستمر هذا الانسان يحيا فى خيال ويلز .. حتى تنتهى القصة .. فذاك بعض ما يتخيله علماء اليوم وأدباؤه عن الحياة والانسان فى العهود القادمة وكانها سرمدية . !
ولهم ما يتخيلون .. غير انى أميل الى الشك فى استمرار الحياة بعد أن اخذت الأرض زخرفها .. وهى إن لم تأخذه كاملا حتى الآن ، فهى فى سبيلها الى استكماله . وليس ببعيد ذلك اليوم الذى ستفنى فيه .
أما الانسان .. فسيسلمه الجيل الحاضر الى ما بعده .. اكثر شقاء بواقعه حتى لقد يكون فيه آلة صماء ، لا تحس إلا بما تحس به الآلة .. إذا أديرت وملئت اوعيتها ، واحترقت فى النهاية .. ولا يعنى ذلك انعدام الهناء المادى والسعادة الروحية ، فما دامت الدنيا .. دنيا موجودة ، فان نفرا من الأحياء لا يعدمون قسطا طيبا من الخير فيها .. ولكن هذا شئ ، ونسبة الشقاء للسعادة شئ آخر
واذا كنا نشعر بقسوة الحياة وبضنكها اليوم ، ونشعر بانها مدينة فى ذلك لطفرتها الحضارية .. فكيف تغدو الحياة فى يوم قريب .. يخيل الينا الآن : أن تقدمها فيه سوف يبلغ حدوده النهائية ، أو القريبة عنها .؟ وأي استقرار سيبدو فيه الانسان بعد ذلك ؟ وأي شعاع روحي يضئ نفسه ؛ وتستمد منه القدرة على الاستمرار ؟ وأى خيال سيبقى عند ذاك فى رأس شاعر أو اديب ؟
أن انسان الغد جدير بان يرثى له انسان اليوم . والسعيد منا من لم يدركه ذلك الغد الرهيب ! ومن يدرى أن يطول هذا الغد ، أو لا يطول ؟ وأن يكون بعده غد سواه ، أو لا يكون ؟ فعلم ذلك لدى علام الغيوب .
