شاء الأستاذ صاحب " المنهل " أن يختار هذا الموضوع ، وهو بهذا الاختبار الصحفى البارع قد ارادني على الكتابة - ولكن بصورة لبقة - لأنه قد توخي ان يغريني بالأشراف من قمة الهرم التى كدت أبلغها الى عهد الشباب النضير المفعم حيوية ونشاطا ، ذلك العهد الذى كنت ودعته وبكيت عليه قبل بضع سنوات في قصيدة طويلة اذكر منها الآن هذين البيتين :
واها على زمن مضى وعلى أمانيه العذاب
كانت تفيض لذلذة أحلى من الشهد المذاب
والوقع أن الاستاذ الأنصاري قد أصاب الهدف وبلغ الغاية .
كان أول اهتمامى بالأدب ، يتمثل في مطالعة الكتب الادبية والدواوين الشعرية ، وذلك فى سنة ١٣٣٥ ه وكانت لغة الكتابة المتداولة يومئذ مهلهلة سقيمة اقرب الى العامية منها الى الفصحى ، يغلب عليها السجع والمحسنات البديعية التقليدية والاستعارات الركيكة الباردة ، فهي لغة لا غناء فيها ولاقوة كالمسخ الذي يجمل باحسن الثياب ولكن ذلك لا يكسبه أية صورة من سور الجمال وكل محاولة لتجميلة تذهب سدى ، وكل محاولة لتحسينه غثاء وغثاء ، إن تجرد منه ظهر على حقيقته ، صورة شوهاء تصطدم بها العين وتتقزز منها النفس ...
أدركت وضعية الأدب المنحطة يومذاك ، وأدركه معى نفر قليل من الأخوان ممن كانت تؤلمهم هذه الحالة وتثير في انفسهم كوامن الحسرة ولواذع
الاسى ، حيال أدب هذا البلد الذى هو مهبط الوحى ، ومهد البلاغة والتبيان ولكن كيف السبيل الى الاصلاح والنهوض بالبيان ، والمدارس محدودة البرامج ، مقيدة بنظم لا يمكن تخطيها أو تجاوزها . بيد ان العزيمة الصادقة والإيمان العميق من شانهما ان يذللا الصعاب ، والحاجة ام الاختراع . وهكذا اتفقنا معشر رواد الأدب الحديث في هذا البلد الامين يومئذ على ان يتخذ كل واحد منا الطريق الذي يراه صالحا للوصول به الى هدف الجميع فكان كل منا يذيع على الآخرين ما يكتب من نثر او نظم ( ١ ) ، كلما اجتمع بزملائه او ضمهم مجلس سمر ، وهؤلاء يذيعونه على غيرهم . وهكذا دواليك واكتفينا بهذا الصنيع لان تأليف ندي مثلا ، للاجتماع المنظم وللدراسة والمطارحة والمساجلة والنقاش ، فيه خروج عن المألوف ، وفيه نوع من التجمهر لا ترضى عنه حكومة ذلك الوقت ، وهي حكومة فى بدء نهصتها وتخشى من اجتماعات الشباب لاندفاعه وتهوره وعدم معرفته مواطن الخير . والخروج عن هذه القاعدة معناه التمرد وعدم اطاعة اولياء الامر وفيها استهداف للاذى والشر .
أخذ كل منا ينادى بآرائه ، كل والطريقة التى يراها صالحة ، ومضي على هذا ردح من الزمن غير قليل نضجت فيه الفكرة ونمت وصار لها مشايعون واخذ هؤلاء يدلون بدلوهم ، فصرفنا بعدئذ بجمع فى دار احدنا وجعلناه ( شبه ناد ) نتبادل فيه الاراء ونتساجل ونتقارض الشعر ونتطارح النثر وكل ما يمت الى الادب بصلة .
وفي هذا النادى وضعت اللبنات الاولى للادب في الحجاز ، برغم ان طريقنا لم يكن مفروشا بالورود وبالرياحين ، بل كنا نسير على الحسك والاشواك بما نلاقيه من شيوخنا من عنت وازدراء وتثبيط .
اذكر ان والدي رحمه الله - وهو طالب علم محيد ، يتذوق الشعر ويعجبه الجيد منه ويقرضه احيانا ، رآني اطالع ديوان " ابن ابي ربيعة " فأخذه منى فى لباقة بان طلب ان يطلع عليه وعنفني في رفق وقال من ضمن ما قاله وبعد مقدمة طويلة : إن في مطالعة الشعر مفسدة للاخلاق ومضيعة للوقت ، لان الشعر يتناول الخير والشر ، وقد رغب الرسول عليه السلام عنه فى حديث معروف . .
واذكر ان احد اساتذتي رآني اقرأ مجلة - لا اذكر - اهى الهلال او المقتطف فاخذها منى يعنف ونهرني وقال : إن سنك ومعلوماتك لا يؤهلانك لاضاعة وقتك في قراءة هذه الأشياء وانه من الاجدر بك أن تعتني بدروسك التى تنفعك .
رحم الله ابى ورحم استاذي . فما كانا ليعلما انهما مهما حاولا فانهما مختذلان حرفة الادب كما يقولون كانت قدملكت كل شعورى وتفكيري فسرت في طريقي بحذر وهدوء وكان ان بلغت ما صبوت اليه والحمد لله .
ولعل ما لاقيته من عنت لاقاه اخواني ، ولكننا برغم ذلك مشيئا فى السبيل الذى رسمناه لأنفسنا . ومن سار على الدرب وصل .
وبعد فهؤلاء النقر الذين ! كنفيت الاشارة اليهم هم الذين وضعوا اللبنات الاولى فى صرح النهضة الادبية بالحجاز وهم الرواد الاول فى هذا البلد الأمين وانه ليسعدهم ان الادب الآن قد بدأ يصل إلى الكمال او فى طريقة إلى الكمال

