أوحى الله سبحانهنه وتعالى إلى نبيه نوح عليه السلام أن اصنع الفلك بأعيننا ، وكان يمر عليه قومه فيسخرون منه ، فتوعدهم بالغرق ، فقال : إن تسخروا منا فانا نسخر منكم ، حتى إذا فار التنور وكان هذا الوعد المقرر من الرب لنبيه لركوب السفينة ، فأمره الله تعالى أن اسلك فيها من كل زوجين اثنين ؛ أى ذكر وأنثى ، وكانت السفينة ثلاث طبقات . السفلى للدواب والوحوش ، والوسطى للانس والعليا للطيور ، ففتح لله أبواب السماء بماء منهمر ، وفجر الارض عيونا فعم الطوفان ، وصدق الله وعيده : أنهم مغرقون . وأمر الله نبيه أن : اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها ، فذهبت السفنية تجري فى موج كالجبال ؛ ثم أمر الله الارض أن ابلعي ماءك والسماء أن اقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت السفينة على الجودي ( والجودي جبل بالموصل ) . وعن ابن عباس أنه كان مع نوح فى السفينة ثمانون رجلا باهليهم ، فلما نضب الماء هبط نوح إلى أسفل الجودي ، فابتنى قرية وسماها ( ثمانين ) فاصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على إثنين وسبعين لسانا ، فنهم الله العربية منهم عملية عمليق وطسم ابنى لود بن سام وعادا وعبيل ابنى عرص بن أرم بن سام ، فنزلت عبيل ( يثرب ) ، ويثرب هو ابن عبيل ثم خرجوا منها ونزلوا الجحفة فجاءهم سيل فجحفهم فسميت الجحفة ، وهى بقرب رابغ ، وهناك رواية تقول أنه كان فى سالف الازمان قوم
يقال لهم ( صعل وفالج ) سكنوا يثرب فغزاهم النبى داود ثم سلط الله عليهم الدود فى اعناقهم فهلكوا . وقبورهم هي هذه التى فى السهل بالجبل بجانب الجرف و بقيت منهم امرأة تدعي زهره ؛ فارادت السفر ودنت لتركب فغشيها الدود : فقيل لها : غشيك الدود ! قالت : بهذا هلك قومى . وهى القائلة : ( رب جسد مصون ؛ ومال مدفون ؛ بين زهرة ورانون )
وقد كان يسكن قوم يقال لهم بنو هيف وبنو مطر وبنو الازرق ؛ فما بين مخيض الى جبل غراب الى القصاصين الى طرف أحد ، ولا تزال آثارهم باقية .
وكانت العماليق منتشرة فى البلاد ؛ وكانت جرهم وقنطور وطسم وجديس باليمامة وبالشام ؛ وكان ملكهم بتيماء : ( الارقم بن ابي الارقم ) وقد عتوا عتوا كبيرا فلما أظهر الله موسى على فرعون واهلك جنوده ، وطئ موسى الشام وبعث بعثا من بنى اسرائيل الى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منهم احدا بلغ الحلم فقتلوهم حتى انتهوا الى ملكهم الارقم بتيماء فقتلوه واستبقوا ابنا له صغيرا ليرى موسى فيه رأيه فلما قفلوا به وجدوا موسى عليه السلام قد مات ؛ فقالت جماعتهم عصيتم أمر نبيكم وخالفتموه ؛ وحالوا بينهم وبين الشام . فقال بعضهم لبعض خير من بلدكم : البلد الذى خرجتم منه . فهذا أول سكنى يهود بعد العمالقة ، للمدينة .
وقيل ان علماءهم أنباؤهم بان نبى آخر الزمان ؛ يخرج فى بلدة فيها نخل بين حرتين فنزلوا بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول واتخذوا الآطام والمنازل ونزل معهم جماعة من احياء العرب من بلي وجرهم . وكانت يثرب أم قرى المدينة ؛ وهي ما بين قبا والجرف ؛ ثم لما حصل ما حصل من أمر سيل العرم ؛ تفرق اهل ( مأرب ) فنزل ( الاوس والخزرج ) يثرب ؛ فرأوا العدد والعدة والآطام ليهود فسألوهم أن يعقدوا بينهم جوارا وحلفا يأمن به الفريقان ويكونان فى عزة ازاء من يناوئهم ، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا ، فلم يزالوا على ذلك زمانا حتى قويت الاوس والخزرج وعز جانبهم فخافتهم يهود ، فبتروا ما كان بينهم فخافتهم الاوس والخزرج ؛ فبعثوا إلى أبى جبيلة بالشام .
وقيل أن السبب الذي طلب لاجله الاوس والخزرج ابا جبيلة وقومهم المتفرقين فى الشام هو أن ملك يهود ( الفطيون ) كان حكم أن لا يدخل زوج على عروسه حتى تعرض عليه قبلا فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من قومها فبينما هو فى نادي قومه إذ خرجت أخته فضلا ؛ فنظر اليها أهل المجلس فشق على مالك ، فعنفها وأنبها . فقالت له : ما يصنع غدا أعظم من ذلك ! فلم يكن جوابه إلا أنه اشتمل سيفه حتى خلى المجلس ؛ فعلا الفطيون بالسيف فأرداه قتيلا ، فأرسلوا إلى جبلة بالشام الرمق ، وكان شاعرا بليغا ، فأقبل بالجموع العظيمة وفتك باليهود شرفتك ؛ وخلصت العزة للاوس والخزرج . قال فيه الرمق :
وأبو جبيلة خير من يمشى وأوفاهم جميلا
وكانت يثرب فى الجاهلية تدعى (( غلبة )) لان اليهود لما نزلوا على العماليق فيها غلبوهم ، ولان الاوس والخزرج لما نزلوا فيها على اليهود غلبوهم . وقد نزل بالدينة أيضا ( تبع ) الاول ، وكان معه أربعمائة عالم تعاقدوا أن لا يخرجوا منها ، فسألهم تبع عن سر ذلك ، فقالوا انا نجد فى كتابنا ان نبينا اسمه ( محمد ) هذه دار هجرته . فبنى تبع لكل واحد منهم بيتا ، واتخذ لكل واحد منهم مالا وعبدا وجارية وزوجا ، وكتب كتابا فيه إسلامه :
شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارى النسم
فلو مد عمرى إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم
وختمه بالذهب ، ودفعه إلى أكبرهم ، وسأله أن يقدمه إلى النبى إن هو أدركه ، وإلا فيكون في عقبه ، فمضت الاحقاب ، وذهبت الاجيال ، حتى لم يبق من نسل العالم الذى دفع له تبع الكتاب سوى ( ابى ايوب الانصارى الذى نزل الرسول صلى الله عليه وسلم داره ضيفا عليه حين هجرته من مكة إلى المدينة المدينة

