رحلات ناصر الدين شاه الى الخارج
كانت أول رحلة قام بها ناصر الدين شاه القاجارى إلى خارج ايران هى رحلته الى العراق الى النجف وكربلاء والكاظمية ، وقد رافقه خلال تلك الرحلة عدد كبير من حاشيته الملكية . ففي العشرين من شهر جمادى الاولى سنة ١٢٨٧ هـ غادر ناصر شاه طهران في طريقه الى بغداد عبر الطريق البرى بين ايران والعراق وهو همدان - كرمانشاهان وقد قامت السلطات التركية في العراق باستقبال الشاه استقبالا رسميا وشعبيا حافلا .
زار ناصر الدين شاه خلال رحلته تلك الكاظمية وسلم على الامام موسى الكاظم ، ثم كربلاء وسلم على الامام الحسين بن علي ، والنجف الأشرف وسلم على الامام على بن أبي طالب كرم الله وجهه ، حيث وضع قطعة من الالماس ذات حجم كبير كان يغرسها في تاجه هناك . وخلع على كبار موظفى باشوية
بغداد الذين اشتركوا في استقباله والحفاوة به ومرافقته خلال وجوده في العراق . ثم عاد الى طهران في أوائل شهر ذى الحجة من نفس العام .
ثم قام ناصر الدين شاه بزيارة للنمسا بدعوة من امبراطورها فرانسوا جوزيف الأول ، وقد دعى ناصر الدين شاه الى النمسا للاشتراك في افتتاح المعرض الدولى الذى أقيم فى فينا ، ومما تجدر الاشارة اليه ان ناصر الدين شاه القاجاري هو أول ملك ايرانى يزور اوروبا (١)
كان يرافق الشاه في تلك الرحلة كل من رئيس وزرائه الحاج ميرزا حسين خان الملقب بالسيهالار ووزير المعارف ، ووزير التموين ، وعدد من الأمراء القاجاريين من
بينهم عز الدولة ونصرة الدولة وحسام السلطنة حاكم خراسان ، والدكتور تولوزان الفرنسى طبيب ناصر الدين شاه الخاص ، وسفير النمسا في طهران ، والسكرتير الاول في السفارة البريطانية بطهران ، وطبيب انكليزى ، واحد المصورين وبعض جنود الحرس الملكى وعدد من الخدم .
وعند وصول الموكب الملكى الى مدينة رشت في شمال ايران كان في استقباله الامير الروسى نجيبكوف وضابط روسى ، والميرزا عبدالرحيم خان الملقب بساعد الملك سفير ايران لدى روسيا حيث رافقوا الموكب الملكى الى بطرس بورغ العاصمة الروسية .
غادر الموكب الملكى مدينة رست في الرابع عشر من ربيع الاول سنة ١٢٩٠ هـ - ١٨٧٣ م على ظهر باخرة روسية خاصة الى مدينة حاجى ستراخان (طرخان) ومن هناك الى مدينة تسارتيسين ( ستالين كراد الحالية ) عبر نهر الفولغا ومن تسارتيسين اتجه الموكب الملكى الى بطرس بورغ عاصمة روسيا القيصرية .
وقد جرت بين ناصر الدين شاه القاجارى وبين الكساندر الثانى امبراطور روسيا محادثات رسمية حول المسائل التى تهم البلدين . وقد استقبل ناصر الدين شاه استقبالا رسميا حافلا من قبل السلطات الروسية ، ثم سافر من العاصمة الروسية الى برلين عبر ويلنا وكونيكسبرج حيث التقى مع غيوم ويلهلم الاول ملك بروسيا السابق وامبراطور المانيا في ذلك الوقت ورئيس وزراء المانيا بسمارك .
وقد اقيمت لناصر الدين شاه في المانيا عدة حفلات رسمية ، وزار الآثار والقصور الملكية الالمانية والبرلمان الالمانى . ومن برلين
ذهب الشاه الى بلجيكا عن طريق فرانكفورت وكولن وآخن وفي بروكسل عاصمة بلجيكا استقبل ناصر الدين شاه من قبل ليوبولد الثانى ملك بلجيكا استقبالا حارا . وبعد ايام غادر بلجيكا في طريقه الى العاصمة البريطانية لندن يصحبه الوفد البريطانى الذي جاء الى بروكسل ، خصيصى، لتلك الغاية، وكان على رأس الوفد البريطانى لورانس .
منذ وطأت أقدام ناصر الدين شاه ميناء دوفر الانكليزى الى ان دخل قصر باكينغهام في لندن ، كان يرافقه أبناء الملكة فكتوريا (١) ملكة بريطانيا وبعض رجال البلاط الفيكتورى ، ولم يقابل ناصر الدين شاه الملكة فكتوريا الا بعد ثلاثة أيام من قدومه الى لندن وقد اكتفت باستقباله عند مدخل قصر باكينغهام .
وقد زار ناصر الدين شاه خلال اقامته في بريطانيا مصانع الاسلحة الحربية ومصانع النسج ، وشاهد القواعد البحرية البريطانية واحواض السفن ، كما شاهد الاسطول الحربى البريطانى الضخم .
ثم غادر بريطانيا الى فرنسا عبر بحر المانش من ميناء شيربور وقد استقبله في باريس رئيس الجمهورية الفرنسية المارشال ماكماهون ، الذى تولى رئاسة الجمهورية الفرنسية من سنة ١٨٧٣-١٨٧٩ م ، وقد استقبل ماكماهون ناصر الدين شاه في محطة سكة حديد باريس ، وبعد أيام غادر ناصر الدين شاه باريس الى سويسرا ثم الى ايطاليا ، وقد استقبله في ايطاليا عاهلها فيكتور مانويل الثانى ، وجرت بين ناصر الدين شاه وبين امانويل محادثات ودية وأخيرا اتجه العاهل الايرانى الى النمسا عن طريق ميلانو ، وكان في استقباله عندما نزل فى الاراضى النمساوية الملك فونسوا جوزيف
ملك النمسا وكبار المستقبلين النمسويين . بعد انتهاء زيارة ناصر الدين شاه الرسميه للنمسا واشتراكه في افتتاح المعرض الدولى في فينا ، واجراء محادثات ودية حول علاقات البلدين مع المسؤولين النمسويين ، توجه الى اسطنبول عبر المجر ، وقد كان موضع استقبال السلطان عبد الحميد وحفاوته .
وجرت بين ناصر الدين شاه والسلطان العثمانى عبد الحميد محادثات حول الامور الى تهم بلديهما . ثم عاد ناصر الدين شاه الى طهران عبر البحر الاسود - وتفليس وباكو وكان ذلك في آخر شهر رجب سنة ١٢٩٠ هـ .
وكانت رحلة ناصر الدين شاه الثانية الى اوربا سنة ١٢٩٥ هـ - ١٨٧٨ م بصفة غير رسمية ففى جمادى الأولى سنة ١٢٩٥ هـ زار باريس ، وكان يرافقه في تلك الرحلة رئيس الوزراء الميرزا حسين خان السيهالار وامين السلطان ، وعدد من الامراء القاجاريين ، وقد بدأ ناصر الدين شاه رحلته تلك من مدينة تفليس ومنها الى ولارى قفاز وموسكو وبطرس بورغ وبرلين ثم باريس ، وقد عاد من رحلته تلك في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ١٢٩٥ هـ عن طريق النمسا - روسيا .
ومرة ثالثة زار ناصر الدين شاه اوربا سنة ١٣٠٦ هـ - ١٨٨٩ وقد زار خلال تلك الرحلة الثالثة والأخيرة أوربا الوسطى والغربية ، يرافقه الامير القاجارى امين السلطان وقد عاد من تلك الرحلة سنة ١٣٠٧ هـ - ١٨٩٠ م
كان للرحلات التى قام بها ناصر الدين
شاه القاجارى إلى مختلف البلاد الاوربية والروسية اثر كبير في ادخال بعض وسائل التقدم التى رآها هناك الى بلاده ، كما كان من حسن حظه ان رئيس وزرائه في ذلك الحين الحاج ميرزا حسين خان الملقب بالسيهالار ، كان رجلا تقدميا ، ومن أبرز تلامذة مدرسة الامير الكبير ، فقد كان السيهالار شديد الحماسة لادخال بعض وسائل الحياة العصرية الاوربية الى ايران ولكن ليست وسائل الحياة العصرية الاوربية فقط هي ما استفاده ناصر الدين شاه من رحلاته تلك فقد كان من نتيجة التقائه مع اباطرة روسية والنمسا والمانيا الذين كانوا من اكثر حكام العالم يومذاك استبدادا انه اتخذهم مثلا اعلى له ، وحاول التشبه بهم في بلاطه ، وبسط نفوذه الغاشم على شعبه .
رحب ناصر الدين شاه ببعض التحسينات الادارية ، واتاح لبلاده ان تمتلك وسائل مواصلات حديثة ، فدخلت الى ايران السكة الحديدية ، والبرق ، والبريد ، والهاتف ، واللاسلكى ، كما اخذ يهتم بالامن العام والشرطة ويدخل اليهما احسن الوسائل العلمية لكشف الجرائم ولحفظ الأمن الداخلى .
الهيئة الحاكمة والمجلس الاعلى للبلاط
كان من مظاهر التشبه بالغرب التى سار عليها ناصر الدين شاه في ايران انه اصدر سنة ١٢٧٥ مرسوما ملكيا ساميا تقسم اعباء الدولة بموجبه بين هيئة وزارية مكونة من ستة اعضاء على النحو الآتى :
١ - وزارة الداخلية
٢- وزارة الخارجية
٣ - وزارة المالية
٤ - وزارة العدل
٥ - وزارة الدفاع
٦ - وزارة الاشغال
وكان الوزراء مسؤولين امام شخص ناصر الدين شاه مسؤولية مباشرة ، ولا سلطان لرئيس الوزراء عليهم ، كما اصدر مرسوما ملكيا آخر في نفس السنة يشكل بمقتضاه مجلس يسمى المجلس الاعلى لادارة شؤون البلاط أو دار الشورى الحكومية الكبرى ، ويتكون اعضاء المجلس من رئيس الوزراء وكبار أمراء البيت القاجاري وعدد من كبار الأعيان ، وتكون مهمة المجلس مناقشة الاوامر التى يصدرها الشاه ، وبدهى أن ذلك المجلس لم يكن يوافق الا على ما يشير به الشاه ، فأعضاؤه لا يملكون سلطة الاعتراض على الأوامر الشاهنشاهية السامية
وأخذت الهيئة الوزارية في ايران تزداد حينا وتنقص حينا آخر حسب الظروف والارادة الملكية السامية ، حتى استطاع أخيرا رئيس الوزراء الحاج ميرزا حسين خان السيهالار ان يرفع عدد الوزارات سنة ١٢٨٣ الى تسعة وزارات على النحو الآتى :
١ - الداخلية ٢ - الخارجية ٣ - الدفاع ٤ - المالية ٥ - العدل ٦ - الاشغال ٧ - التجارة والزراعة ٨ - المعارف ٩ - وزارة البلاط
وبذلك فتح السيهالار المجال لمن تولى رئاسة الوزارة بعده للحصول على مزيد من
السلطة ، وأعطى الوزراء صلاحيات واسعة فيما يتعلق بادارة وزاراتهم .
وبعد ان عاد ناصر الدين شاه من رحلته الرسمية الاولى الى اوربا ، أعاد النظر فى وظائف ومسؤوليات الوزارات المختلفة ، كما أدمج بعض الوزارات التى تقوم بمهام متشابهة في وزارة واحدة وفي ١٢٩١ هـ كان عدد الوزراء ستة كما كان الوضع في أول مرسوم ملكى اصدره سنة ١٢٧٥ ه . وعين لكل وزير يوما يقابله فيه ويرفع اليه تقريرا عن سير العمل فى وزارته . وفي سنة ١٢٩٤ قام رئيس الوزراء السيهالار بتدوين بعض الأنظمة والقوانين التى تحدد حقوق وواجبات الوزراء وكبار موظفى الدولة الاداريين . وبعبارة اخرى دون السيهالار نظاما للوزراء والموظفين العسكريين والمدنيين .
وعندما عرض النظام على ناصر الدين شاه القاجارى وافق عليه وصدقه ، وصدر ذلك النظام في كتاب يحمل عنوان (قانون) ، وقد حد النظام الجديد المدون في القانون من حدة تركز الامور في العاصمة ، وأعطى الوزراء وكبار موظفى الدولة صلاحيات اكثر فى تصريف شؤون دوائرهم فى حدود لوائح الدولة .
ويبدو ان رحلة ناصر الدين الشاه القاجارى الثانية الى اوربا لم تخل من فائدة فيما يتعلق بالتشكيلات الوزارية في بلاده ، فما كاد يعود الى ايران حتى أصدر مرسوما ملكيا تنازل فيه عن بعض المهام التى كان يتولى الاشراف عليها بنفسه ، وأعاد النظر في الهيئة الوزارية والصلاحيات المعطاة لاعضاء المجلس الاعلى للبلاط . وهذا، هو نص المرسوم الملكى الصادر سنة ١٢٩٨ هـ :
(( لما كان من اكبر ما يحرص الملوك عليه استتباب الامور والنظام في الدولة وتأمين سلامة الحدود المشتركة مع الآخرين ، ونشر الطمانينة والسلام بين الرعايا وازالة الظلم والتعدى وأسبابهما ، ولما كان استقرار تلك الامور يتوقف الى حد بعيد على وجود شرطة قوية في الداخل وجيش قوى يقظ في الخارج ومصانع للذخيرة تؤمن احتياجات حفظ الامن من الذخيرة والعتاد ، وحيث ان انتظام الامور في داخل وخارج البلاد يحتاج الى تشريع القوانين واتخاذ الاجراءات الصارمة لوضع تلك القوانين موضع التنفيذ ونظرا لان المكلف باجراء هذه القوانين هم الوزراء المخلصون للدولة من أصحاب الخبرة الطويلة والدرية والدراية والمران . لذلك فقط اصدرنا نحن ناصر الدين شاه القاجارى هذا المرسوم الملكى الموشح بتوقيعنا ، وهو يقضى باعطاء الوزراء الذين وقعت عليهم موافقتنا السامية ، السلطة الكاملة في ادارة امور الدولة ابتداء من تاريخ صدور هذا المرسوم ، وسيكون في امكان الوزراء منذ اليوم اتخاذ القرارات اللازمة التى يرونها في مصلحة الشعب والوطن ، وسوف نقوم بالموافقة عليها ولن نعارض فيها ، وقد بلغ هذا المرسوم الى المجلس الاعلى للبلاط الكريم لاعتماد ما جاء فيه . واننا لنرجو ان يعمل الوزراء كل فى مجاله حتى نتمكن من رفع مستوى هذه المملكة وهذا الشعب النبيل ان شاء الله .
كما نرجو ان يكون الوزراء عند حسن ظننا بهم حتى يحظوا لدينا بالقرب ورفعة المنزلة
ويزداد ايماننا بهم وثقتنا فيهم . حرر فى سنة ١٢٩٨ هـ .
بعد سنة واحدة من صدور ذلك القرار ، أى في سنة ١٢٩٩ هـ أعاد ناصر الدين شاه تشكيل الوزارة الايرانية على النحو الآتى :
١ - الدفاع ٢ - الداخلية ٣ - المالية ٤ - الخارجية ٥ - العدل ٦ - البلاط والخزانة والجمارك ٧ - العمل والاوقاف والمواصلات ٨ - الحربية ٩ - الزراعة والتجارة ١٠ - العلوم واللاسلكى ١١ - الاشغال العامة ١٢ - الصناعة ١٣ - الاعلام والترجمة والنشر . وكان الوزراء مكلفين برفع تقرير اسبوعى الى السدة الملكية ، وكان الخميس يوما مشهودا يحضر فيه الوزراء إلى المجلس الأعلى للبلاط ويقدم كل وزير تقريرا مفصلا عن سير العمل فى وزارته .
وكان المجلس الاعلى للبلاط يعقد جلساته المعتادة كل سبت وكل ثلاثاء ، وكان اعضاؤه ينقصون ويزيدون حسب الارادة الملكية .
ففى سنة ١٣٠٠ هـ كان اعضاء المجلس الاعلى للبلاط ثلاثة وعشرين عضوا من وزراء وامراء وحكام ولايات وأعيان ، وكانت المحادثات فى تلك الجلسات تدور حول كل شئ في المملكة الايرانية ما عدا موضوع المخصصات الملكية ورواتب الحاشية ورجال البلاط فقد كان محظورا على الاعضاء مناقشة تلك القضايا .
