ايران في عهد الدولة القاجادية

Share

وقعة قلعة ( توبراق ) :

ارادت الامبراطورية العثمانية تلافى الهزائم التى الحقتها بها ايران في الحدود فجهزت جيشا قوامه سبعون الف جندى بقيادة محمد أمين رؤوف باشا ، وعددا من كبار القادة العثمانيين وارادت القوات العثمانية قبل كل شئ ان تسترد مدينة ارمينيا من ايران ، ولكن يقظة حسن خان القزويني القائد الايرانى للمدينة احبطت محاولة العثمانيين في استردادها ، فقد هزمت طلائع العثمانية المتجهة الى أرمينيا بالقرب من مدينة " قارص " وأرسل حسن خان بعض الاسرى العثمانيين الى مركز القيادة الايرانية في مدينة خوى

عندما علم عباس ميرزا قائد عام القوات لايرانية بعزائم العثمانيين على غزو ارمينيا بوجه مسرعا الى قلعة " تربراق " التى كانت حاميتها الايرانية لا تزيد عن مائة وعشرين جندى ، قاتلوا وقاوموا العثمانيين ببسالة بادرة ، وفي طريقه الى قلعة توبراق قام عباس ميرزا بتأديب القبائل الارمنية الموالية للعثمانيين فى خارج مدينة " قراكنيسة " أى الكنيسة السوداء

وعندما وصل الى القلعة اختار اربعة آلاف من خيرة مقاتلته واتجه بهم اليها ، ونشبت بين القوات الايرانية والعثمانية معركة دامية ، وقاومت القوات الايرانية بقيادة عباس ميرزا مقاومة عنيفة إلى ان وصلتها الامدادات حيث تجددت المعركة واستعمل فيها السلاح الابيض والخناجر ، ومع ان القوات الايرانية منيت بخسائر جسيمة الا انها ثبتت وأبلت بلاء حسنا واستطاعت اخيرا ان تكسب المعركة وان تجبر القوات العثمانية على الانسحاب من مواقعها ، وغنمت ايران معدات عسكرية كثيرة ، ولم ينج من القوات العثمانية سوى ثلاثة ، وكانت موقعة توبراق في شوال ١٢٣٧ ه .

كان كبار القادة العسكريين الايرانيين يحرضون عباس ميرزا على تتبع القوات العثمانية المتراجعة والاجهاز عليها ، ولكن عباس ميرزا مانع في ذلك فالقوات الايرانية لا تقل اعياءا عن القوات العثمانية وعسكرت القوات الايرانية في محل يسمى " خالباز " ومن هناك بعث عباس ميرزا أحد كبار رجاله وهو الميرزا تقى خان الفراهاني الى مدينة ارض الروم لدراسة شروط الصلح الذي وافق الجانب العثماني على عقده مع ايران لحل مشكلة الحدود بين الدولتين وعندما وصلت الانباء إلى فتح شاه القاجاري بالانتصارات التى حققتها القوات الايرانية بقيادة ابنه وولى عهده ميرزا أصدر اوامره بمواصلة الحملات ضد العثمانيين . كما اسند القيادة العسكرية فى كردستان بعد وفاة ابنه الثاني محمد على ميرزا إلى عدد من القادة المخلصين وطلب اليهم التوجه إلى بغداد وفتحها .

واتجهت القوات الايرانية المرابطة في

الغرب الى العراق ولكن الوباء الذي ام العراق في تلك السنة أصاب عددا كبيرا القوات الايرانية المرابطة في العراق مما جعل العمليات العسكرية فى الجبهة ، مشلولة . فقد حال انتشار الوباء العاهل الايرانى نفسه وبين الزيارة كان ينوى القيام بها للعتبات المقدسة العراق بعد أن وصل الى مدينة نهاوند فعاد سريعا الى طهران ، حيث جاءته الانباء أن محمد أمين رؤوف باشا قائد القوات العثمانية يطلب الصلح مع ايران ويع بارسال مندوبين عثمانيين الى ايران للتفاوض بشأن عقد معاهدة صلح مع ايران

معاهدة أرض الروم سنة ١٢٣٩ ه :

بدأت المحادثات السياسية بين ايران والعثمانيين لعقد معاهدة للصلح بينهما سنة ١٢٢٨ ه وكان يرأس الجانب العثماني محمد امين رؤوف باشا قائدا القوات العثمانية في مدينة ارض الروم كما كان يرأس الجانب الايرني السيد قاسم خان السفير الأيرانى في اسطنبول وقد طلب رئيس الجانب الايراني من الامبراطور العثماني دفع تعويضات لبلاده نظير خسائرها في الحدود ولكن الامبراطور العثمانى رفض ذلك . ثم بعث الامبراطور العثماني نجيب باشا فى معية السفير الايرانى الى طهران ليطلع فتح على شاء القاجاري على المسودة المتضمنة للبنود الاساسية للمعاهدة .

ولو علم العامل الايراني فتح على شاء القاجاري الموقف السئ الذي يحيط بالعثمانيين لاستطاع ان يملى شروط بلاده كما يريد ، فقد كانت ايران في موقف

ممتاز للغاية سياسيا وعسكريا في تلك الظروف التى بدأ الجانبان فيها مناقشة سيبودة المعاهدة ولكن سوء الحظ والغفلة كانا يلازمان ذلك الملك القاجاري التعييس لذلك فقد سارع بالموافقة على بنود المعاهدة كما اقترحها الامبراطور العثمانى واصدر اوامره السامية الى المسؤولين لصياغة المعاهدة وتقديمها لمصادقة الجانبين عليها

اشتملت المعاهدة على مقدمة وسبعة عشر بندا وخاتمة ، وقد وقعت أول الامر من جانب المندوب الايراني في المحادثات الميرزا تقى خان الفراهانى والمندوب العثماني محمد امين رؤوف باشا فى مدينة ارض الروم ثم أرسلت الى الباب العالي لتوقيعها وفي أوائل شهر ذى القعدة سنة ١٢٣٨ ه وقعها السلطان محمود خان العثماني ثم ارسلها مع سفيره لدى ايران ليصادق عليها العاهل الايرانى . ولكن فتح على شاه القاجاري رأى أن يدخل عليها بعض التعديلات بحضور السفير العثماني وفي ربيع الثاني سنة ١٢٣٩ ه وقع فتح على شاه على نسختين من المعاهدة أحداهما مكتوبة باللغة التركية والأخرى مكتوبة باللغة الفارسية .

ومن اهم ما جاء فى تلك المعاهدة البنود المتعلقة بالتجارة الايرانية وقضية الزوار الايرانيين الى العتبات المقدسة فى العراق . فقد كانت أغلب صادرات ايران الى الدول الاوروبية ودول البحر الابيض المتوسط تمر على طريق ما بين النهرين وغيرها من البلاد التابعة للعثمانيين في آسيا الصغرى لذلك فقد نصت البنود المتعلقة بهاتين القضيتين على انه يجب على

المسؤولين العثمانيين في الحدود ان يمنحوا كل التسهيلات اللازمة للقوافل التجارية الايرانية اثناء مرورها بالاراضى العثمانية وان لا يتقاضوا اكثر من الضرائب المقرره على الصادرات الايرانية وهي اربعة فى المائة كما يجب ان يتمتع الرعايا الايرانيون الشيعة بمطلق الحرية في ممارسة كافة طقوسهم المذهبية اثناء زيارتهم للعتبات المقدسة فى العراق

لم تكن معاهدة ارض الروم واضحة فيما يتعلق بالحدود بين الدولتين . فلم تزد المعاهدة على أن أقرت الحدود التى كانت قائمة منذ سنة ١١٥٩ ه في عهد نادر شاه الافشاري ، وظلت الدولتان معترفتين بها وبسبب ذلك الغموض الذي كان يحيط بقضية الحدود فقد طلب المشاكل قائمة تهدد بنشوب الحرب بينهما دائما خاصة وان الرعايا الايرانيين والعثمانيين من العشائر القاطنة على الحدود ظلت تسير على العادة البدوية القديمة فى انتجاع المراعي صيفا وشتاء دون الخضوع لبنود المعاهدة كما هى الحال فى العشائر الرعوية . وقد اتاح هذا الغموض الذي احاط بقضية الحدود للدول الاستعمارية الطامعة ان تتدخل بين ايران والعثمانية متظاهرة بحرصها على العلاقات الطيبة بينهما وايقاف الخلافات ولكن الحقيقة هي ان تلك الدول كانت بذلك التدخل تخدم قضاياها فى التوسع وبسط النفوذ في المنطقة . وهكذا ظلت قضايا الحدود دون حل الى ان سقطت الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى من جهة واستعمر النظام البرلماني في ايران من جهة اخرى

اشترك في نشرتنا البريدية