باب ، النقد الأدبي, نقد لنقد

Share

قال ارسطو :

. عن المناقشة ينبثق النور .

كتب الاستاذ اسماعيل كتكت في المنهل عدد رمضان ١٣٨٩ - نقدا لقصتي : ( البطولة والفداء ) المنشورة في مجلة المنهل عدد ربيع الثاني عام ١٣٨٩ - وكان النقد يتسم بطابع التحامل والتهجم . . وتعال بنا يا أستاذ كتكت نجلس على مائدة الحوار الهادىء والنقاش الموضوعي الهادف . .

نقول يا أستاذ في مستهل نقدك وعلى لسان الدكتور ( زكي المحاسني ) :( النقد كحجر المسن يشحذ ولا يقطع ) ولكنك للاسف قد حاولت في فقدك أن تقطع لا أن تشحذ ونقلت كلاما على لسان الاستاذ على خضران وقلت : انه طالب بعدم التعرض لشخصية الاديب والاهتمام فقط بالقطعة الادبية . . وقد وعدت بأنك ستلتزم بذلك . . لا تنس يا أستاذ اسماعيل هذا الوعد . . عدم التعرض لشخصية الاديب والاهتمام فقط بالقطعة الأدبية . .

وتصف قصتى فتقول بأنها من النوع التاريخي ويجب أن يتوافر فيها عنصران : الفنية في البناء والدقة فى سرد الحقائق التاريخية ، فالفنية في بناء القصة لم تشأ أن تعترف بها الا اعترافا جزئيا ، فتقول : ان ( الكاتب ) قد وفق إلى حد ما ( وحتى هذا الاعتراف الجزئى قد راعك فرحت تجزئه هو الآخر فتقول : ( لولا الاسلوب الخطابي ) . . ولنفرض جدلا انه أسلوب خطابي على حد تعبيرك . . فلم لا تكون هذه الفقرة القصيرة بالذات - التى وصفتها - أسلوبا خطابيا وهي وصف لمعركة دموية على لسان البطل نفسه يصفها بكل مشاعره وانفعالاته ليعطي صورة حقيقية عن أبعاد الكارثة وعمق المأساة . . فهذه العبارات التى تستنكرها يا أستاذ قد اقتضاها الموقف وأوجبها السياق . . ولم لا أصف اليهود بالفجرة والصهيونية بالأئمة والاستعمار بالدخيل

وبأنه عدو الشعوب وعدو ألانسانية . . وعلى لسان البطل وفي مثل موقفه وهو المظلوم المغبون . . المهضوم حقه . . المستباح وطنه . .

وهناك كلمتان . . حاولت ان تغير أولاهما لتشوهها . . وحذفت الأخرى لتبنى على حذفها نظرية مخطئة . . فلقد نقلت عبارة من عباراتي ، هكذا : ( نظراتها شرهة نهمة متقدة يخيل لمن تصوب اليه تلك النظرات انها ستتعب صدره ( والصحيح أنها ستثقب وليست ستتعب ، وكلمة ستثقب صدره أوقح فى النفس وأنفذ فى المعنى المقصود من الاخرى . . وأما الكلمة التى تعمدت حذفها وهي هنا مهمة جدا . . فلقد نقلت عبارة أخرى من القصة هكذا : ( فتى فى الرابعة عشرة من عمره ) ورحت تعلق بأن بطل القصة ما دام قد عرف عمره فمعنى ذلك انه رآه عن قرب وميزه تماما . . وقد أغفلت من العبارة عامدا متعمدا كلمة( نحو ) فلقد قلنا ( فى نحو الرابعة عشرة من عمره ) وكلمة نحو عنا للتخمين والتقريب لا للتأكيد والتحديد . .

وحين ذكرنا اغماء البطل علقت بقولك : ( ويفيق دون أن يوقظه احد ) . . وهل المغمى عليه يا أستاذ لا يفيق مطلقا حتى يجد من يوقظه . . وتقول ( انك لا ترى تفسيرا ابدا للمقاتل الحديث الذي يحمل رشاشا كيف يستطيع أن يرى الناس الذين يقتلهم يتساقطون كهشيم تذروه الرياح ) أما أن المقاتل الحديث لا يرى من يقتلهم فهذا هو الخطأ عينه . . أيقاتل مغمض العينين اذن ؟ . . ألم تسمع في بعض البيانات العسكرية ) قتلنا كذا وجرحنا كذا - . أما ان كنت تعنى التهويل والمبالغة ( يتساقطون كهشيم تذروه الرياح في

عبارة افضاها الوصف لتصوير عظمة الموقف البطولى ومقدار الجرأة والشجاعة التى نجمت عن بطل القصة . . أما قولك ان ( الرشاشات والقنابل كانت محرمة على شعب فلسطين حتى ان أسرتكم بأجمعها لم تستطع حماية بندقية اشترتها فاضطرت الى دفنها فى التراب ) فهذا لعمرى تشويه لجهاد شعب فلسطين أى تشويه ، اني اقرك بأن بريطانيا كانت تمنع السلاح عن شعب فلسطين بالفعل . . وقد جربت كل أسلوب وكل اضطهاد فى سبيل هذا المنع . . ولكن رغم ذلك فقد وجد السلاح لدى شعب فلسطين ولكن بكميات قليلة . . ولم أذكر أنا مقدارا ضخما كما زعمت في نقدك . . ولو لم يوجد سلاح البتة فكيف استطاع شعب فلسطين مكافحة الاستعمار البريطانى والصهيونية العالمية وعلى مدى نصف قرن من الزمان ؟ . .

بقول الاستاذ أميل الغورى فى كتابه ( المؤامرة الكبرى . . واغتيال فلسطين ومحق العرب ) صفحة ٢٤٠ ما نصه : " تمكنت الهيئة العربية العليا من شراء ٥٣٩٦ بندقية و ٣٠٩ مسدس و ٨٠٨ رشاش مختلفة الاحجام و ٢١٣ مدفع من أنواع الهاون والمورتر وضد الدبابات و ٦ ملايين طلقة للبنادق ونحو مليون طلقة للرشاشات ونحو ١٥٠ الف قنبلة يدوية وللمدافع وكميات كبيرة من الالغام واكياس البارود " كما ذكر انها جمعت تبرعات تقدر بنحو مليونى جنيه لشراء السلاح .

هذا فى مجال الهيئة التنظيمية . . وهناك أساليب متعددة كان يحصل بها الاهالى على السلاح على نطاق فردى أو جماعى .

ثم تستنكر يا أستاذ حصول بطئ القصة

السلاح من أحد قادة المجاهدين مع العلم ان هذه كانت ظاهرة معروفة ، حينما تلمس القيادة الفرعية حماسا واندفاعا من شخص ما ، فإنها لا ترى بأسا من تزويده بالسلاح فى حدود امكاناتها ، ليسد ثغرة فى المعركة . . ولقد كانت القيادات الفرعية فى المدن والقرى تستنفر مناضليها للذود عن القرية أو المدينة المعتدى عليها . . أقول مرة أخرى : صحيح أن السلاح كان قليلا ولكنه كان موجودا على كل حال . . وليس مفقودا تماما كما ذكرت .

أما قولك ان : ( ورود كلمة فدائى ليست فى محلها تاريخيا وعمليا ، وذلك لكون صرفند العمار قد سقطت سنة ١٩٤٨ م ) فالحقيقة غير ما ذكرت يا أستاذ . . فالفداء معروف منذ الزمان الغابر والدهر السحيق فهؤلاء بعض أصحاب الرسول يفتدونه بأنفسهم فى معركة ( أحد ) حينما يتحلقون حوله ويعرضون ظهورهم لسهام المشركين حتى ان طلحة قد اصيب بأكثر من سبعين ضربة ورمية وطعنة . . وحتى أن أبا دجانة قد قضى نحبه فى فدائيته الرائعة عندما انغرست سهام العدو في ظهره حتى أضحى كالقنفذ وهو يذود عن النبي بمهجته . . انظر ( النويري ) في الجزء السابع عشر من كتابه ( نهاية الأدب ) صفحة ٠٠٩٥ كما يحدثنا المصدر عينه بأن الرسول ( ص ) كان يقول لسعد بن أبي وقاص في معركة ( أحد ) : " ارم فداك أبي وأمي " . .

وهذه الكاتبة الفلسطينية أسمى طوبى تحدثنا عن( نشاة الفداء عند العرب ) فى كتابها ( عبير ومجد ) صفحة ٢٩٧ فتذكر أن العربى كان يمتشق السيف ويدافع عن خيمته وعن السبايا من نساء وابل باذلا روحه فداء للعزة والشرف . . كما تذكر

الفدائية الرائعة التى بذلها العرب في عهد جمال باشا التركى الملقب بالسفاح في سبيل التخلص منه .

وهذا الشاعر الفلسطيني ( ابراهيم عبد الفتاح طوقان ) الذي توفى عام ١٩٤١ م يكتب قصيدة بعنوان( فدائى ) فى ديوانه صفحة ٤٧ طبعة دار الآداب ومطلع القصيدة :

لا تسل عن سلامته

روحه فوق راحته

بدلته همومه

كفنا من وسادته

يرقب الساعة التى

بعدها هول ساعته

وهذا الكاتب الليبي ( صالح مسعود أبو بصير ) يحدثنا فى كتابه( جهاد شعب فلسطين ) : أن الفلسطينيين قد أسسوا سنة ١٩٤٧ م فرقا للجهاد عرفت فرقة منها باسم ( فرقة الفدائيين ) . انظر الكتاب المذكور صفحة ٣٠٨ .

وقلت في نقدك يا أستاذ ( خطأ حربى وقع به الكاتب اشعرنا تماما بانه لم يشهد معركة ولا حتى على شاشة التلفزيون ) ، قف . . ما بالك يا أستاذ قد ناقضت نفسك . . ونقضت الوعد الذى التزمت به ؟ الا وهو عدم التعرض لشخصية الاديب والاهتمام بالقطعة الادبية فقط . . ما بالك رحت تتعرض لشخصى وتصفني بأننى لم أشهد معركة قط ؟ . . وكأنك تهمنني بالتقصير وتديننى بالتفريط . . كيف هذا يا أستاذ كتكت وحياتنا كانت كلها معارك وكلها نكبات . وكلها فظائع ؟ ! ولولا أن أتهم بتمجيد أسرتي ( آل عبد العال ) لذكرت لك طرفا من بطولتها التى طبقت آفاق فلسطين . .

ولماذا هذا التحامل كله ؟ . . ألأن

( التيجان والنجوم لا توضع اثناء المعارك الحربية الفاصلة أو غير الفاصلة وتبدل أحيانا بقطع من القماش ) على حد تعبيرك ؟ وحتى هذا الزعم منك ليس فى محله على الاقل بالنسبة للعسكريين الاسرائيليين عام ١٩٤٨ اذ لم يكونوا قد بلغوا في التنسيق والتنظيم مبلغ الجيوش المعاصرة فى الدول الكبرى التى رحت تقيس عليها نظريتك الخاطئة دون النظر الى الزمان والمكان والنوعية . . لم يكن الجيش الاسرائيلى يا استاذ حينئذ سوى تنظيمات من العصابات فكان هناك ( عصابة شتيرون . . وعصابة الارغون . . وعصابة الهاغانا ) وغيرها من العصابات . وكان ضباطهم يحملون نجوما لامعة بالفعل رأيتهم بعيني فى أكثر من معركة . . فلقد وقعت في الاسر . مع بعض أفراد اسرتي فى مدينة ( اللد ) ودخل علينا ضباط اسرائيل بنجومهم النحاسية اللامعة . . ولقد عملت في جيش ( الجهاد المقدس الفلسطيني ) فى " بيرزيت " قضاء ( رام الله ) وقد رجع الجيش من معركة ( جمزو ) ومعه خمسة أسرى من أفراد العدو بينهم ضابط يحمل نجمة لامعة .

وحدثني بعض اهالى ( قطاع غزة) بأن الاسرائيليين حينما احتلوا مدينة رفح عام ١٩٥٦ م دخلوا عليهم يحمل ضباطهم نجوما لامعة ومن ضمنهم الحاكم العسكرى الاسرائيلى نفسه .

وحدثني بعض الاخوة السعوديين الذين اشتركوا في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ م بأنهم أسروا بعض الضباط الاسرئيليين وكان يحمل نجوما نحاسيا لامعة . ثم لقد نسيت يا أستاذ اسماعيل أنني أقص ولا أؤرخ .. أكتب قصة قصيرة لا اكتب

بحثا تاريخيا . . والقصة لا بد ان يصاحبها الخيال ليكسبها عنصر الاغراء والتشويق وليلبسها حلة قشيبة تسترعى الانتباه وتثير الفضول . .

يقول مصطفى لطفى المنفلوطي في ( النظرات ) - الجزء الاول - صفحة ٣٣ : " أنني ما كنت اكتب حقيقة غير مشوبة بخيال ولا خيالا غير مرتكز على حقيقة ، لاني كنت اعلم ان الحقيقة المجردة عن الخيال لا تأخذ عن نفس السامع ماخذا ولا تترك في قلبه أثرا " . فماذا تريد أن تقول يا أستاذ ؟ . . تقول انها قصة تاريخية . . أليس كذلك ؟ نعم قصة تاريخية . . فما رأيك بعميد الادب العربى الدكتور طه حسين فى كتابه " على هامش السيرة " المكون من ثلاثة اجزاء . . والذي يتحدث فيه عن السيرة النبوية . . يقول الدكتور طه حسين فى مقدمته لهذا الكتاب : " هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين - لاني لم أرد بها الى العلم ولم اقصد بها إلى التاريخ . . وانما هي صورة عرضت لي اثناء قراءتى للسيرة فأثبتها مسرعا ثم لم أر بنشرها بأسا "

إذا كان طه حسين لم ير بأسا من نشر كتاب عن السيرة النبوية بأسلوب قصصى لم يتحر فيه الدقة التاريخية . . فما قولك بقصة قصيرة اختلطت فيها الحقيقة بالخيال ؟

ثم ما رأيك بالاستاذ جرجى زيدان وهو يكتب اكثر من عشرين رواية عن تاريخ الاسلام لم يتحر فيها الدقة المطلوبة .

ومع ذلك فلم أهمل الحقائق التاريخية فى قصتى ( البطولة والفداء ) فالمواقف التى تستوجب ذكر الحقيقة التاريخية قد أثبتها وبينتها . . وفيما عدا ذلك فلا بد للخيال أن يصول بها ويجول . والكمال لله وحده . الطائف – مدرسة الاغارة  شعبان جبريل عبدالعال

اشترك في نشرتنا البريدية