قال ارسطو : (( من المناقشة ينبثق النور ))
في سلسلة من الشرق والغرب اصدر الاستاذ أحمد الشرباصى والدكتور حاليا كتاب ( سلاح الشعر ) بحجم متوسط يحوى من الصفحات (١٢٧) صفحة ، طبع الدار القومية للطباعة والنشر ، والطبعة خالية من تاريخ النشر أو ما يدل عليه .
والكتاب يبين قيمة الكلمة ومفعولها في النفوس . . ويقول مؤلفه في تصديره المختصر للكتاب : ( وفي الصفحات التالية بحث لمكانة هذه الكلمة في الماضى والحاضر . . وبيان للأثر الجليل الذى نستطيع ان نحققه عن طريق اتقاننا لاستعمال الكلمة في مجالات البناء والتعمير وعلى الله قصد السبيل ) .
ومن خلال صفحات الكتاب يتبين لنا ان المؤلف بأمثلته ونصوصه التى اعتمد فيها على النقل يحاول بحث مكانة هذه الكلمة في الماضى أكثر منها فى الحاضر . . وكان الأحرى ان يتناول الاستاذ المؤلف في كتاب كهذا موضوعه الشعر يتناول ايضا ما يعانيه الشعر حاليا . . وهل له مكانته السابقة في النفوس أم ان النثر طغى عليه اليوم لكونه لغة وسائل الاعلام الحديثة المتعددة . . فهل صار النثر أكثر اثارة وتأثيرا من الشعر اليوم ؟ . .
كان يجب أن ينال هذا الجانب كجزء من الموضوع حقه من الكتاب !
. . ويبدأ الاستاذ المؤلف حديثه عن سلاح الشعر بتوضيح قوة الكلمة ، وان الجهاد لا يكون بالسلاح والسنان بل ان هناك أسلحة غير أسلحة الحديد والبارود . . ومن بين هذه الاسلحة الكلمة المفيدة البليغة والواقعة موقعها في حكمة واتقان ومن هنا جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال : (( المؤمن يجاهد بلسانه وسيفه )) صفحة ٩ من الكتاب .
. . ويمضي الاستاذ في بيان ( قوة الكلمة ) العربية مستدلا بنصوص من أمثال العرب واقوالها . . ويقول ( ومن عجيب صنع اللغة العربية الكريمة العتيقة انها تشتق الكلمة - وهى اللفظ المنطوق المفيد - من مادة (( الكلم )) وهو الجرح بالآلة المادية وبقول الراغب الاصفهاني في (( مفردات القرآن )) ان الكلم هو التأثير المدرك باحدى الحاستين فالكلام مدرك بحاسة السمع والكلم مدرك بحاسة البصر ) - صفحة ١٣ - يقول طرفة بن العبد :
بحسام سيفك أو السانك
والكلم الاصيل كأرعب الكلم
ويقول المؤلف : ( والعرب تعتبر الكلمة أحيانا أشد فى التأثير من العقاب الحسى أو الطعن المادى ) ومن أمثالها : رب قول اشد من صول - الصفحة ١٦ -
. . وكان بودى لو ان الاستاذ المؤلف أبان في هذا الفصل ان القبيلة العربية كانت فيما مضى تحتفل عند ولادة الشاعر وتعتز به . . كما كانت تفخر بالخطيب المفوه وكل هذا دليل معنوى على مدى قوة الكلمة وتأثيرها في نفوس ناطقى الضاد . . ودليل ايضا على الدور الذي يقوم به في المجتمع كل من وهبه الله
ملكة الشعر أو فصاحة الكلمة وبلاغة التعبير . . قال الشاعر :
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
ويعود الاستاذ ليقول : (( وكما تكون الكلمة مؤثرة تأثير الكلم والجرح تكون احيانا (( بلسما )) ودواء لهذا الجرح ومن كلام العرب كما فى اساس البلاغة للزمخشرى قولهم : (( وجاء بمراهم الكلام من أكاذيب الكلام )) . والعرب كانوا كما يذكر الحصرى فى زهر الآداب - ولا يزالون يسمون الكلام الحلو العجيب : السحر الحلال - )) - الصفحة ١٥ - وقد جاء بالاثر ان من البيان لسحرا .
م يقول : ( وقد اشار القرأن الكريم في عدة مواضع الى شأن الكلمة العظيم ومكانها الجليل ، وتأثيرها البليغ وأطلق (( الكلمة )) على أمور خطيرة كبيرة ذوات بال لعلاقة ما بين معنى الكلمة اللغوى وبين هذه الامور ) - الصفحة ١٨ - قال عز من قائل في سورة الانعام : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) وقال في سورة فاطر : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) .
ويقول المؤلف : ( فالكلمة اذن سلاح له تأثيره واداة لها قوتها وثمرتها في الجهاد بها وحسن استخدامها ، وقد تفعل الكلمة الفتية القوية الغنية ما لا يفعله السلاح في بعض الاحيان ) - الصفحة ٢٠ - . وقديما قال ابو الطبيب المتنبى :
الرأى قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهى المحل الثانى
ولان الاداة المعبرة والتى بوساطتها نقول الكلمة . . ونفصح عن معناها سواء أكانت منظومة أم منثورة . . هى اللسان أحد أعضاء الجسم فاننى أستحسن وصفا للشاعر أحمد شوقى لهذه المضغة أنقله هنا . . وقد نقله الاستاذ المؤلف في صدر حديثه عن قوة الكلمة لصفحة (١٢) يقول أحمد شوقى في كتابه أسواق الذهب . . في وصف اللسان ( مضغة لحم في عظم سماها الناس اللسان . وعظموها لفضيلة البيان ، فقوموها بنصف الانسان . . عضل نبت من الحلقوم وقناته ، وثبت في أصل لهاته ، ولبث فى السجن ظمء حياته لا يتحرك منه سوى شباته ، رسول العقل في النقل ، واداة الدماغ في البلاغ , وترجمان النفس في رواية العاطفة ، وحكاية الصمود والعاصفة .
الوحى على عذباته ظهر ، ومن جنباته انحدر ، فكان أول من سفر بين الخالق والبشر ، ثم فجر بالحكمة فانفجر ، ثم علم الشعر فشعر ، فسبحان الله الذى خلقه وعلقه ، والذى قيده واطلقه ، والذى اسكته وانطقه ، والذى يميته فيندثر والذى هو على بعثه مقتدر ) - الصفحة ١٢ - وقديما قالت العرب في أمثالها السائرة - ما الانسان لولا اللسان الا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة . ) - الصفحة ٢٠ -
وتتوالى بعد ذلك عناوين الكتاب ففى حديثه عن ( كلمة الشعر ) ينقل المؤلف من محاضرة قال عنها مخطوطة للاستاذ شكيب أرسلان نقلا مطول منها في الصفحة ٣٣ قوله : ( وما كانت للعرب فعلة مجيدة الا اخذت من الأدب عهدا ، ومن الشعر موثقا ولا دارت معركة ظهروا فيها على اعدائهم الا خلدتها
أشعارهم وسارت بها أزجالهم ، وكانت حافزا لهم على مواقف مثلها ) اهـ
وفي الصفحة ٣٧ قوله : ( ولم تكن فائدة الشعر . ومساجلات الشعراء ، ومحاضرات القصاصين والادباء منحصرة في اثارة نخوة المقاتلة وتهوين الموت على الغزاة في سبيل الله بل كان الادب متغلغلا في كل ناحية من نواحى الحياة الاسلامية ، لا يتحرك فيها متحرك ولا يسكن ساكن الا وللشعر والخطابة والبيان هناك الاثر البليغ والعمل العميق ) اهـ
وقد اهمل المؤلف في حديثه عن (( الشعر والعلم )) الذى اقتصر فيه على المعنى اللغوى ، مادة ( الشعر ) وان الشاعر سمى شاعرا لفطنته . . اهمل مساهمة الشعر كنظم في العلوم الاخرى كاللغة العربية ، والفرائض والفقه ، والتوحيد . . الخ والأمثلة كثيرة . ثم تحدث عن ( مكانة الشعر ) بالصفحة ٤٩ مبينا بالامثلة ما كان له من أثر عند القبائل العربية ، وكيف ان البيت الواحد يرفع القبيلة او يخفضها . . وكما قال ابو اسحاق الحصرى القيروانى في زهر الآداب : ( وقد بنى الشعر لقوم بيوتا شريفة ، وهدم لآخرين أبنية منيفة ) الصفحة ٥١ . . والشعر جماع المفاخر والسجل الخالد للمآثر . يقول أبو تمام :
ولولا خلال سنها الشعر ما درى
بغاة العلا من اين تؤتى المكارم
ويقول ابن الرومى :
أرى الشعر يحيي الناس والمجد بالذى
تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر الا معاهد
وما الناس الا اعظم نخرات
والشعر مع منزلته الرفيعة عند العرب . . فقد تميز بسيرورته . . والعرب تقول في أمثالها : (( أسير من شعر )) قال الميدانى : لانه يرد الاندية ، ويلج الاخبية ، سائرا في البلاد مسافرا بغير زاد ! يرد المياه فلا يزال مداولا . . فى القوم بين تمثل وسماع .
وقال بعض حكماء العرب : ( الشعر قيد الاخبار ، وبريد الامثال ، والشعراء أمراء الكلام ، وزعماء الفخار ، ولكل شئ لسان ، ولسان الدهر هو الشعر ) الصفحة ٥٣-٥٤ * * *
وكان بودى لو ان الاستاذ المؤلف أوضح فى هذا الفضل ان العرب من ميزتها هذا الشعر الذى قيد بالوزن والقافية . . فكانتا له سياجا اسبغ عليه ميزة الخلود ، وحلاوة السماع . . وخفة التغنى به ، مع طلاوة التلاوة ، وسرعة التذكر . . فكان بذلك أقرب للذوق السليم والطبع القويم . . يأنس به الاديب البليغ ، ولا ينفر منه الغريب . . فكان حقا كما قيل عنه انه ( ديوان العرب ) وعمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول : ( احفظ محاسن الشعر يحسن أدبك فان محاسن الشعر تدل على مكارم الاخلاق وتنهى عن مساويها ) .
وفى حديث المؤلف عن ( القرآن والشعر ) يناقش اعتراض القائلين : كيف يكون للشعر مكانه هذا ، وفى السنة النبوية والقرآن الكريم ما ينفر عنه بعد ما يورد بعض الآيات القرآنية في الموضوع كقول الله تعالى في سورة الصافات . . ( ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين ) . وينقل المؤلف في رده لهذا الاعتراض قول ابى على الحسن بن
رشيق القيرواني في كتابه : (( العمدة )) : ( ولعل بعض الكتاب المنتصرين للنثر الطاعنين على الشعر ، يحتج بأن القرآن كلام الله تعالى منثور ، وان النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر لقول الله تعالى : (( وما علمناه الشعر وما ينبغي له )) ويرى انه قد ابلغ في الحجة وبلغ في المحاجة . والذى عليه فى ذلك أكثر مما له ، لان الله تعالى انما بعث رسوله أميا غير شاعر الى قوم يعلمون منه حقيقة ذلك , حين استوت الفصاحة ، واشتهرت البلاغة ، آية للنبوة ، وحجة على الخلق ، واعجازا للمتعاطين . . وجعله منثورا ليكون اظهر برهانا لفضله على الشعر الذى من عادة صاحبه ان يكون قادرا على ما يحبه من الكلام وتحدى جميع الناس من شاعر وغيره بعمل مثله فأعجزهم ذلك كما قال الله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . . فكما ان القرآن أعجز الشعراء وليس بشعر ، أعجز الخطباء وليس بخطبة ، والمترسلين وليس بترسل . اهـ صفحة ٧٥-٧٦
وفي موضوع : ( الرسول والشعر ) ينقل المؤلف نصوصا كثيرة ليبين موقف الرسول الكريم من الشعر الشريف العفيف . . وما يراد به الانتصاف من الظلم . . وانه كان يقول لحسان بن ثابت رضى الله عنه : ( اهج المشركين وجبريل معك اذا حارب أصحابى بالسلاح فحارب انت باللسان ) الصفحة ٩٣ كما ناقش بالنصوص ايضا زعم من قال ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينطق بيتا من الشعر الا مكسور الوزن الصفحة ٨٣ ه .
هذا ويورد المؤلف في حديثه عن (الرسول والشعر ) قصة تميم بن جميل عندما بسط
له لمعتصم بالله النطع ، وانتضى أمامه السيف لقتله ، وأراد المعتصم بالله أن يستنطقه لينظر أين منظره من مخبره . . وقد كان رجلا جسيما وسيما - فقال له تكلم : فتكلم تميم مبديا التوبة وملتمسا العفو ثم أنشد قوله :
أرى الموت بين النطع والسيف كامنا
يلاحظنى من حيث لا أتلفت
اصح المقطوعة بالصفحة ٩٢ .
وكان بودى انه أورد هذه القصة في حديثه عن (( الامة المسلمة والشعر )) أو في حديثه عن (( تأثير الشاعر )) ، وليس مكانها الحديث عن ( الرسول والشعر ) . . ومثل هذا يقال في وضعه لما حدث للمتنبى الشاعر وغلامه عندما هم بالفرار ولامه غلامه ، لانه هو القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفنى
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فقد وضع المؤلف هذه القصة في حديثه عن ( الصحابة والشعر ) الصفحة ١١١ ومكانها في الواقع حديثه عن ( تأثير الشاعر ) .
ومن حديثه عن ( الامة المسلمة والشعر ) الذى اقتصر فيه على ايراد اقوال بعض الأئمه والمفسرين كابن عباس الذي يقول : (الشعر ديوان العرب) الصفحة ١١٥ ينتقل الى الحديث عن (( تأثير الشاعر )) وبه يختتم فصول أو عناوين هذا الكتاب . . ويقلل من ايراد الأمثلة . . وبعض ما أورده لا يتناسب وعنوان الحديث - تأثير الشاعر - الذى هو في الواقع مسمى الكتاب ( سلاح الشعر ) فسلاح الشعر أو الشاعر هو تأثيره . . وقد كان في ديوان العرب وقصص شعرائهم في الجاهلية والاسلام ما يملأ الصفحات . . ويكون اكبر برهان على مدى التأثير النفسى الذى يثيره الشاعر في مخاطبته للضمير . .
ويجعل الموضوع الذى يعمد الى الاثارة حوله دفاقا حيا يتجاوب معه فيه كل من يحس فعالية هذا الشعر العربى . . وهذا التأثير بلا شك يختلف قوة وتأثيرا بالنسبة للشاعر نفسه ومدى مقدرته البيانية وملكته البلاغية .
ويختم المؤلف حديثه عن تأثير الشاعر مختتما كتابه بقوله : ( فمرحبا بالشعر القوى الكريم الذى يكون سلاحا أى سلاح في معركة الحق والعدل ، ومرحبا بكتيبة الشعراء الكرام الطاهرين الاقوياء ) اهـ
هذا ومن خلال عرضنا السريع لهذا الكتاب يتضح لنا ان الكتاب استعرض بالنصوص ، الشعر العربى . . ومدى تأثيره فى نفوس قائليه وسامعيه . . ومكانته في نفوس ناطقى لغة الضاد . . وأهم ما يمكن أن بوجه لهذا الكتاب من ملاحظة هى ان الاستاذ المؤلف لم يظهر فى كتابه هذا بشخصية الدارس والمحلل . . بل اعتمد على النقل المجرد للنصوص ، وقد يكون في أكثر أمثلته سطحيا لا يعمد الى المقارنة والتحليل لاظهار فعالية هذا السلاح او التأثير الجماعى الذى يحدثه الشاعر الصادق في مقاطع نظمه وقوافي قصيده . . هذا ويبدو ان اختيار المؤلف للأمثلة والنصوص في الغالب كان مقتصرا على ما يكون محرضا ودافعا الى الحرب ودفع الظلم والأخذ بالثأر . . والشعر لم يقف عند هذا الحد بل كان سلاحا ماضيا في الحث على المكرمات وفضائل الاخلاق . . والله الموفق للجميع .
