اقتصاد اسرائيل ، موضوع شائك ، يصعب على أي باحث أن يحيط بأسراره نظرا للكيان الوهمى الذى ينبني عليه هذا الاقتصاد ، حيث نجد موارده تتغذى من اعانات أمريكا وألمانيا الغربية ، ومن صدقات الاغنياء الصهاينة وغيرهم في أوروبا وأمريكا .
ونحن يهمنا في هذا العرض أن نكشف القناع عن الوجه الحقيقي لاسرائيل من خلال اقتصادها المزيف ، وقد اعتمدنا في عرضنا هذا مراجع كثيرة أهمها بحث الاستاذ يوسف أبو عجاج المعروف باطلاعه الواسع ودراساته المركزة في الشؤون الاقتصادية .
-١-
اخترت أن اتناول موضوع اقتصاد اسرائيل لغاية أحب أن اوضحها من أول الامر وهى ان القول بأن اسرائيل تقيم اقتصادها على ما يأتيها من الخارج انما هو تقرير لواقع معروف وملموس ، فاقتصاد اسرائيل ، اقتصاد " طفيلى " يعتمد فى جوهره على استغلال الطاقة الانتاجية فى خارج اسرائيل ، ولكن هذه الحقيقة لا تحتاج للحديث المفصل والبحث الدقيق : فالذى يحتاج الى عناية هنا هو المظهر الانتاجى لهذا الوضع ، ففحص هذا المظهر له أهميته من الناحية القومية والأكاديمية .
ان ابراز الجانب الخلقي والانساني فى مشكلة فلسطين رغم العدللة الواضحة فيه - لم يفلح في ايقاظ الضمير العالمي بالدرجة التى تتناسب مع فداحة هذه المأساة الانسانية التى تتناول مليونا من البشر نزعوا من وطنهم بالأكراه ليلقي بهم فى الخيام المبعثرة ، يواجهون فيها - منذعشرين سنة - الكمد ، والضياع النفسي والمستقبل المجهول . .
فالى جانب الدعاية الصهيونية التى أفلح فيها الغاصبون لتضليل الرأى العام العالمي ، والى جانب الجرائم الحربية التى يرتكبونها كل يوم لقتل الابرياء من أطفال ونساء وشيوخ وشباب وطرد الباقين من ديارهم وأسكان اليهود الوافدين على فلسطين فى مساكن العرب ، فان هؤلاء اليهود يعملون بكل الوسائل المعروفة عنهم ، ليحققوا في فلسطين المعجزات الاقتصادية والعمرانية
والحربية ، وهم يدعون أن هذه المعجزات ما كانت لتحقق لو بقيت فلسطين عند العرب وهم الشعب الجاهل المتخلف . فبامكانهم أن يحققوا معجزات خارقة لو أزيلت من أمامهم مقاومة الفدائيين والجيوش العربية . .
ولكن على كل عربي ألا يتأثر بهذه الالوان من الدعاية رغم ما لها من تأثير فى الرأي العالمي عامة وعند الاوروبيين والامريكيين بوجه خاص . فالامريكي والأوروبي مشغوف بالتعمير ، مولع بالتجديد يطربه سماع الحديث عن مكافحة الطبيعة والتغلب عليها .
وقد تنبه اليهود لقيمة هذا الشكل من أشكال الدعاية وبذلوا جهودا جبارة فى تصوير المهاجر اليهودى بصورة المكافح المتمدن من أول الامر . ولم يقنعوا بنشرات الدعاية السافرة بل تغلغلوا داخل الجمعيات العلمية ونشروا طائفة من الكتب تدور كلها نحو هدف واحد هو بث الافكار المسمومة وتشويه سمعة العرب .
وقد كان هذا السلاح الفكرى من الاسلحة الهدامة التى استخدموها تمهيدا لصنع اسرائيل . ففي عام ١٩٤٦ ظهر كتاب ضخم بالانكليزية طبع فى لندن تحت عنوان ( مستقبل فلسطين الاقتصادى ) يعتبر مثلا رائعا في الدعاية لان مؤلفه الاستاذ " لورملك " - الذى ارتبط اسمه بأول مشروع لتحويل مياه نهر الاردن - استطاع أن يغزو بأفكاره كل متعلم بالانكليزية ويقنعه ولو عن طريقة التضليل بان فلسطين
ستحول إلى جنة على يد اليهود الغاصبين وهكذا نقرأ فى كتابه قوله :
" فلسطين مثال حي يبين كيف أن المبادئ العلمية الحديثة كفيلة بان تبعث حياة جديدة فى الشرق الأوسط كله ، وان تتيح للفلاح الذي طالما رزح تحت الاستغلال وسيلة للحياة أحسن ومستوى للمعيشة أرفع . .
" وهناك فارق صارخ بين عبقرية اليهود التى خلقت تلك المستعمرات الزراعية وتخلف الفلاحين العرب الذين أنهكهم نظام الاقطاع . . ولا شك أن هذه المستعمرات شئ جديد تحت الشمس ، فههنا نجد ارفع الطرق لاستغلال الارض واستغلال موارد المياه لرفاهية الناس وفي ذلك مغزى لدول اخرى فى العالم " .
ثم نجد المؤلف يحكى لنا عن سفره الى بلدة " الحضيرة " وهي إحدى المستعمرات اليهودية القديمة ، فيتحدث عن بستان يهودى للبرتقال قد أحسنت فلاحته ، ويزهو بأوراقه الخضراء وزهوره البيضاء ذات الرائحة الزكية وفواكهه الناضجة ، وكيف أن المزارع يفلح الأرض بوساطة آلات زراعية حديثة .
من المهم أن ننتبه نحن العرب الى هذه الدعايات العريضة التى تذيعها الصهيونية بين مختلف شعوب العالم حتى نستطيع بدورنا أن نذيع وجهة نظرنا فى الموضوع . لا مناص من أن نخاطب " الفكر " العالمي بعد أن يئسنا من اقناع " الضمير " العالمي علينا أن نبين للعالم كله أن اسرائيل لم تصنع المعجزات في أرض فلسطين باستغلالها البيئة الطبعية ولا أدل على ذلك من كون اقتصادها طفيليا يعيش على فتات موائد أمريكا واغلب دول أوروبا .
-٢-
الامكانات الطبعية لفلسطين
كان من بين ما لعب به الصهاينة على عقول الامريكيين العاديين ما عقدوه من مقارنة بين فلسطين وولاية كاليفورنيا ، حيث ان كلتا المنطقتين في أقليم مناخي واحد هو إقليم البحر الابيض المتوسط الذي يمتاز بالمطر شتاء والجفاف صيفا ولذلك فلا يستبعد ان تصل فلسطين الى مستوى اقتصادى واحد يقرب نوعا ما من المستوى الذي وصل اليه الامريكان . كل المطلوب هو أن تستبعد الوسائل " البدائية " التى يستخدمها السكان العرب ، وحينذاك يتضاعف انتاج البرتقال والكروم ، ويرتفع انتج القمح والزيتون . بهذا الاسلوب يضلل اليهود الرأي العام العالمي حيث يلصقون بالعرب كل التهم .
ففي الحقيقة تعتبر فلسطين بلادا صغيرة مساحتها ٢٦ الف كيلومتر مربع وفلسطين ليست من البلاد التى أغدقت عليها الطبيعة فهي أقرب الى التقتير لكونها لا تحتوى على واد كبير فمعظم أنهارها صغيرة محدودة : فحتى نهر الاردن لا تزيد مياهه عن ٨ % من مياه النيل ( مثلا ) أما تربتها فلا تمتاز الا في جزء محدود كما أن ساحلها لا يساعد على قيام موانئ ، وارتفاع الهضاب والجبال الفلسطينية ارتفاع متواضع فى مجموعه ، فالكتلة الجبلية الشمالية التى تتكون من صخور جيرية ( ١ ) ، أعلى نقطة فيها لا تزيد عن ٨٣٠٠ م وهي تطل نحو الجنوب بحافة انكسارية شديدة الانحدار على سهل مرج بن عامر الخصيب وهو سهل
أخدودى يتكون سطحه المستوى من تربة سوداء غنية .
وإلى الجنوب من هذا السهل توجد هضبة السامرية ( حيث توجد مدينتا جنين ونابلس ) ثم هضبة يهودية أو مرتفعات الخليل " حيث بيت المقدس والخليل " وتتميز هذه المنطقة بقلة المطر وفقر التربية .
ويعتبر السهل الساحلي أهم أجزاء فلسطين ، ولكنه محدود في اتساعه الذي يتراوح بين نحو أربعة أميال عند " عكا " فى الشمال وعشرين ميلا عند غزة " فى الجنوب وفيه تتركز معظم الاراضى الجيدة خصوصا بين " حيفا " و غزة " باستثناء الكثبان الرملية الساحلية التى تكثر على الخصوص إلى الجنوب من " يافا " حتى منطقة غزة .
هذا الارتفاع المحدود في هضاب فلسطين كان أحد عاملين رئيسيين أديا الى قلة نصيبها من المطر إذا ما قورنت بلبنان .
وهكذا فان المنطقة الوحيدة التى يصل فيها متوسط كمية المطر السنوى الى ١٠٠ مليمتر هى منطقة الجليل فى الشمال ثم يتناقص المطر نحو الجنوب حتى تصل الى منطقة النقب التى تسودها ظروف صحراوية والتي تكون نحو نصف فلسطين حيث يقل المطر فيها .
ففلسيطين اذن فرد فقير في أسرة اقليم البحر الأبيض المتوسط وسبب فقرها يعود لهذه الحقائق :
١ - فلسطين تقع في منطقة اخدودية وهي لذلك تزخر بالانكسارات أو الفوالق الأرضية .
٢ - معظم الصخور فى فلسطين من الكلس ( الحجر الجيري ) والطباشير
والصخور ذات الطابع الكلسي كالدولوميت والمارل . . وهذه الصخور مسامية من عادتها أنها تمتص المياه والبخار ، وجبال فلسطين مشهورة بما ينشأ عن ذلك من كهوف ومغارات طبعية وانهار باطنية .
٣ - أن موارد المياه في فلسطين محدودة بطبيعتها ، فالمطر لا يكفى بمفرده لحاجات الزراعة الا في جزء محدود في الشمال وفيما عدا ذلك فلا بد من الاستعانة بالرى الصناعي ، وزيادة على ذلك فان المطر لا يسقط بانتظام ، فهناك سنوات الجفاف التى لا ينزل فيها المطر الا بنسبة ٦٠ % مما يسقط في السنوات العادية وهي ظاهرة تشتد وطأتها في الجهات شبه الصحراوية ومنها الجهات التى تسودها تربة اللوين في الاجزاء الشمالية من النقب حيث يعتبر فشل المحصول من الامور العادية . والمطر فوق ذلك يهطل من جهات تكون فيها الطبيعة أسخي مما ينبغي فتلحق الضرر بالتربة ليس فقط في الجهات ذات الكمية الكافية بل كذلك فى الجهات الجافة حيث يشيع ان تزيد الكمية التى تسقط في يوم واحد في الشتاء والربيع عن متوسط الكمية الشهرية .
وفي الانجيل والتوراة اشارات عديدة الى القلق الذي تسببه طبيعة المطر للسكان والى ما كانوا يعانونه فى أوقات الجفاف وهكذا يبقى الرى هو الوسيلة الوحيدة للسقى فى فلسطين ولكن اسرائيل لم تنجح فى مشروعات الرى
-٣-
وعلى كل حال فلم تكن فلسطين الا قدر اسلها يزرعون فيها ما يمكن زراعته حبوبا أو برتقالا أو كروما أو خضراوات
زيتون . ويرعون فى تلالها ما يصلح للرعى . وكل ذلك بالأساليب المعقولة التى تتلاءم الى حد كبير مع طبيعة هذه البلاد المغتصبة وفى حدود ما تفرضه عليهم الظروف آنداك
ثم حدثت مأساة فى عام ١٩٤٨ ، وانتهت حرب فلسطين بصنع اسرائيل التى غرست في العالم العربي كخنجر مسموم في قلب هذا العالم سنه عند رأس خليج العقبة ومقبضه فى منطقة الجليل . وحصل اليهود على كل المزايا ، فها هم يحتلون اليوم مساحة يزيد عن ٣٠ ألف ك كيلومتر مربع بمعدل ٨٧ % في المائة . وفلسطين المحتلة اليوم تضم أكثر الاجزاء مطرا وأصلحها للزراعة فهي تضم كل السهول الساحلية باستثناء قطاع غزة وسهل مرج ابن عامر وسهل بيسان ومنطقة شفالة وهي جهات معروفة بخصوبة نربتها تنتج كل المحاصيل وكذلك الخضراوات وعلف الماشية ، وشطرها الممتد بين منطقتى حيفا ويافا يجمع بين خصب التربة ، وكفاية موارد المياه ، ويعتبر بحق جوهرة الاراضى الفلسطينية وهذه تمتاز بزراعة الكروم والحبوب وتنتج - بل كانت تنتج قبل قيام اسرائيل - نسبة عالية من زيتون فلسطين
واستولى الآن اليهود على كل الاراضى الزراعية التى كان يمتلكها العرب الذين أخرجوا من ديارهم وأراضيهم التى قدرتها احدى لجان هيئة الامم المتحدة بأربعة ملايين ونصف مليون أى أكثر من مليون فدان فكان من نصيب اليهود كل بساتين البرتقال
-٤-
تدفق الاموال من الخارج
توافرت لاسرائيل إلى جانب الاراضى التى
سلبتها من أصحابها ، الاموال التى تتدفق عليها من أوروبا وأمريكا فقد ساهمت الصهيونية العالمية وحكومة الولايات المتحدة الامريكية بقسط كبير من هذه الاموال
ففي السنوات الخمس الاولى فقط من حياة اسرائيل ( ٢ ) استطاعت ان تحصل على مبالغ ضخمة من ألمانيا الغربية كتعويضات لليهود ، كما أفرجت الحكومة البريطانية عن مبلغ كبير من الارصدة الاسترلينية لاسرائيل ، والغريب أنها لم تكتف بذلك بل أخذت مبالغ عظيمة فى شكل قروض من بنك التصدير والاستيراد الامريكي ومن حكومات سويسرا وبلجيكا وفرنسا . ولكن جزءا كبيرا من هذه الاموال ينفق على الجهاز العسكرى والجزء الباقى على النواحي الأخرى
- ٥ -
الانتاج الزراعي
لقد زار الخبير الامريكي الاستاذ جاردنر باترسون رئيس القسم الاقتصادى بجامعة برنستون الامريكية اسرائيل ودرس أحوالها وامكاناته الاقتصادية ونشر بحثا ضمنه نتائج دراسته التى تتلخص في الآتي :
١ - الذين يعيشون في المزارع اقل من ٢٠ % من سكان اسرائيل الحاليين .
٢ - مساحة الارض المزروعة فى اسرائيل تقل بنحو ٨٢ إلى ٨١ % عما كانت عليه أيام الانتداب قبل ظهور اسرائيل اى عندما كانت بيد العرب سكانها الاصليين
٣ - الانتاج هبط إلى نصف ما كان عليه فى الفاكهة ، واللحوم ، والقمح والزيتون . هذا بالرغم عن المساعدات التى تتلقاها
اسرائيل من الوكالات اليهودية Jewish Ageacyواتحاد العمل المعروف بالهستادرت فهذه الهيئات وغيرها تقدم للمزارع البذور والاسمدة ، وعربات النقل . والجرارات والآلات الزراعية أما مجانا أو يقروض سخية ومع ذلك فان المستوى الزراعي يهبط سنة بعد أخرى دون قلق تتوصل اسرائيل لمعرفه اى حل لذلك
-٦-
المستعمرات اليهودية
ما زال اليهود يتركزون في المدن بصورة صارخة ، فاليهود الذين يسكنون في الأرياف - رغم الهجرة العالمية - لا تتعدى نسبتهم ٢٥ % فأكثر من ٨٥ % من اليهود العالميين يتركزون في المدن الرئيسية فى حيفا . وتل أبيب . ويافا . وبيت المقدس
والظاهرة الغريبة أن المستعمرات اليهودية تزداد في الحدود بشكل يلفت النظر . فقد انشأوا ما يزيد عن ٤٠٠ مستعمرة جديدة التى صرفوا عنها أموالا كثيرة ومع ذلك فانها لا تهدف الى هدف اقتصادي أو عمراني وانما الى هدف عسكري لانها تتركز على طول الحدود اللبنانية السورية الأردنية فتشكل مراكز الخطر عند الهجومات العسكرية التى يقوم بها العدو على العرب الابرية .
وقد تكون المستعمرات اليهودية شيئا جديدا تحت الشمس . ولكن بمعنى آخر غير المعني الذي قصده السيد لوردملك فى كتابه .
-٧-
" عجز " لا " اعجاز "
ان المزارع اليهودى لا يزال متشبثا بالنوع الذي كان يتشبت به قبل قيام اسرائيل . فهو يتجه الى انتاج ( الزراعة ) السلع والغلات التجارية التى تحقق الربح السريع مثل الخضراوات والطبخ وتربية الدواجن والابقار . فهم يبحثون عن الانتاج السريع الذي يحقق الكسب السريع بأقل مجهود وصنعت اسرائيل ( وصنع معها ) ومضى على صنعها أعوام دون أن يتغير الطابع العام للزراعة اليهودية فزراعة الحبوب التى كان العرب يهتمون بها أهملت ، فقيمتها لا تزيد على ٨٥ % من الانتاج الزراعي كله فما تنتجه اسرائيل من القمح يعتبر كمية هزيلة لا تزيد على ربع ما تنتجه الاردن مثلا ، وبساتين الزيتون التى يستولى عليها اليهود ، بعد أن تركها العرب اللاجئون (٣) قد تدهور انتاجها بعد أن أهملت الاشجار وبقيت تلك الغلة الهامة التى تحتل الصدارة فى الانتاج ونعني الحمضيات أو البرتقال مهملة - فان الاحصائيات تؤكد انخفاض قيمة الانتاج عما كان عليه قبل ظهور اسرائيل
وهكذا تنمحى الخرافة القائلة : أن فلسطين تحولت الى كاليفورنيا ، فالمعجزات فى الانتاج الزراعي في اسرائيل لم تتحقق بل هناك اختلال فى ميزان المدفوعات من قمح وعلف ومحصولات أخرى فكيف نعلل هذا العجز الذي يتخبط فيه الانتاج الزراعي في فلسطين ؟ وبالتالي ما هو سر الخلل الذي
يعيشه الاقتصاد الاسرائيلى ؟ الكون اليهود يتلقون مساعدات رسمية وفردية من جميع أنحاء العالم فلا يهتمون بالعمل لكونهم أهملوا الانتاج الزراعي لان الدفعات الغذائية تتدفق عليهم من كل مكان
ان العلة تكمن قبل كل شئ في التوجيه الذي يتلقاه اليهود المهاجرون ، فالاغلبية الساحقة منهم جاءت من أقطار مختلفة كانوا فيها يحترفون مهنا غير منتجة تقوم على استغلال العناصر المنتجة ، فأتوا الى فلسطين تدفعهم عاطفة سخيفة أو دعاية محبوكة أو طمع أو ثراء فطلب منهم أن يتجهوا إلى الأرض ليعمروا أرض الميعاد فأخذت السلطات الاسرائيلية تخاطبهم بعبارات عاطفية مذكرة اياهم بفضل الزراعة على اجدادهم الأوائل فى فلسطين ، ومع ذلك ذهبت هذه الجهود ادراج الرياح ففضل معظمهم البقاء في معسكرات الاستقبال حيث يقدم لهم الطعام والعلاج الطبى مجاننا ، بدل العمل فى الزراعة وقد أحدثت الحكومة المعربات maabarat وزعت عن طريقهم معظم المهاجرين على الحقول والبساتين حتى لا يبقوا خاملين مكدسين فى المدن ولكنها لم تفلح في هذه الخطة ولا في كل الخطط ، ثم أحدثت سياسة جديدة وهي " من السفينة الى الأرض " Tranship to Land وبمقتضاها ينتقل المهاجرون إلى الريف مباشرة بعد دخولهم اسرائيل ولكن هؤلاء يفرون إلى المدن ونتيجة ذلك رفض ٣٨ الف يهودى التجنس بالجنسية الاسرائيلية وقرروا العودة الى البلدان التى أتوا منها ككندا والبرازيل وفرنسا ورومانيا وبولونيا وبعض البلاد العربية منها المغرب
-٨-
الانقسام الاجتماعي ومظهره الاقتصادى فى اسرائيل
ينقسم اليهود في فلسطين المحتلة كما بين الأستاذ " باتاى " أستاذ الانثربولوجيا بأحدى الجامعات الامريكية ( ٤ ) على طائفتين متميزتين :
١ - اليهود الغربيون أو الإسكنازى Askenazi الذين وفدوا من أوروبا الوسطى وغرب أوروبا مع العدد البسيط من الامريكين الذي قبل الهجرة لاسرائيل
٢ - اليهود الشرقيون واليهود السفاردي sephardi ويشملون اليهود الذين وفدوا من الشرق الأوسط . والذين وفدوا من جنوب شرق أوروبا وجنوبها الشرقي . كأولئك الذين قدموا من يوغوسلافيا وبلغاريا والمجر ورومانيا وبولونيا
وقد تضخم عدد الطائفة الثانية بعد صنع اسرائيل حيث يكونون نصف عدد اليهود في فلسطين . ولم يعد سوء التفاهم أو العداء بين الطائفتين امرا خفيا بل يتحدث عنه اليهود فى صحفهم ومؤلفاتهم . فاليهود الغربيون ينظرون الى بني عقيدتهم الشرقيين نظرة السيد إلى المسود ، ولا يخفون احتقارهم لأفقهم الضيق ومستواهم الحضاري المنخفض ، والغربيون هم الذين يحتلون معظم المراكز في اسرائيل فمنهم كبار الموظفين . والمهندسون والأطباء والمحامون ، ورجال الاعمال والشركات فيوجهون الاقتصاد الاسرائيل حسب الاتجاه الغربي الذي يتلاءم والمصالح الشخصية مع
أمريكا . أما الشرقيون ضمن نصيبهم الوظائف الدنيا فهم صغار الموظفين وأصحاب الحوانيت الصغيرة ، وخدم المنازل . والحمالون ، وعمال المحاجر والحرفيون والبائعون بالتقسيم وماسحو الأحذية
وهناك ظاهرة ثانية وهي أن اليهود الغربيين يحاولون ارسال اليهود الشرقيين الى الارياف حتى يخلو لهم الجو في المدن . وفي المدن نفسها تخصص ليهود الغرب مساكن منعزلة عن يهود الشرق . وفي العلاقات الاجتماعية أثبتت الاحصائيات أن اليهود الغربيين لا يتزوجون الا قليلا من الشرقيين . والخلاصة أن المجتمعات اليهودية المختلفة يسودها التنافر والتفكك الى حد بعيد لا يمكن أن يتوقع معه بناء اقتصادي ثابت البنيان . فالاتكال في الأعمال الزراعية على الفئات اليهودية المهاجرة من الشرق . وهي فئات أقل شأنا من الفئات الأخرى كما رأينا انما يشير الى اتجاه واضح نحو استمرار الطابع القبلي في النشاط الاقتصادى لاسرائيل ، وهو بقاء اسرائيل نعيش على فئات موائد أسيادها الذين يقدمون لها الاعانات والمساعدات بسخاء وبدون حساب كأمريكا البقرة الحلوب .
-٩-
مشروعات الرى والصناعة
لا غرابة اذا كان الانتاج الزراعي الاسرائيلي يطبع بالعجز فى مجموعه وبالاحتلال في طابعه ولكن السلطات اليهودية تهدف الى أن تزيد المساحات المزروعة عن طريق الرى الصناعي ولذلك انصرف اليهود منذ سنوات الى الاهتمام بمشروعات
الري كان من أهمها مشروع تحويل مجرى نهر الاردن عند مخرجه من البحيرة وانشاء عدد من القنوات والمصارف وتجفيف منطقة بحيرة الحولة الذي بدئ العمل فيه منذ سنة ١٩٥٨ ولم ينته بعد بالرغم عن هذه المشروعات التى خططها اليهود لفلسطين فان الانتاج الزراعي ظل راكدا .
ولذلك يمكن القول أن فلسطين بطبيعة أرضها . ومناخها . وتربتها - لم تكن في يوم من الايام وحده حقيقة لا بد أن يعرفها الرأي العام العالمي - تلك الارض العامرة بالامكانات التى لا تنتظر سوى . العبقرية ، الصهيونية لتخلق فيها المعجزات ، وان ذلك ينطبق على امكانات الرى فيها كما ينطبق على إمكانيات التربة والامكانات الصناعية سواء بسواء .
واذا كان الانتاج الزراعي على هذا الوضع فهل الانتاج الصناعي عرف تقدما فى اسرائيل ؟ ان الذي ينظر إلى قائمة المصنوعات التى تنتجها اسرائيل اليوم يرى قائمة طويلة تتنوع محتوياتها تنوعا يلفت النظر ، وقد تثير لأول وهلة الكثير من الاعجاب : مجوهرات ، مستحضرات كيماوية من أدوية وغيرها ، منتجات بلاستيك أجهزة راديو ، ثلاجات ، أطعمة معلبة إطارات السيارات ، منسوجات ، شكولاته . أدوات كهربائية ، حامض كبريتيك ، أنابيب المياه ، بعض معامل تركيب السيارات ، بعض الصناعات الحرفية
وقد استثمرت في هذه الصناعات أموال ضخمة . ولرؤوس الاموال الأجنبية نصيب يذكر خصوصا الاموال الامريكية والكندية
ومن غرب أوروبا ولا سيما من ألمانية الفيدرالية فمثلا تجد في احصاء ١٩٥٣ أن مجموع المؤسسات الاجنبية باسرائيل ١٤٤٥ مؤسسة منها ٥٨٤ مؤسسة صناعية فيها ٧٩ مؤسسة للصناعات المعدنية و ٢٥ للمنسوجات و ٤٨ لمواد البناء و ٤٨ للمنتوجات الكيماوية و ٤٠ لصناعة المواد الغذائية وكل هذه المؤسسات تعمل باستثمار قدره ٥ ر ٨٩ مليون دولار معظمها من أمريكا ( ٥ )
ولكن التحليل الدقيق للصناعة فى اسرائيل يبرز الحقائق التالية :
١ - الصناعة الاسرائيلية صناعات صغيرة فى معظمها تقوم على مصانع صغيرة يشتغل فيها عمال قليلون وهناك مصانع كبيرة فى بيت المقدس ولكنه لصنع الاحذبة وآخران لتركيب السيارات في مستعمرتي بتاح ومصنع للادوية فى حيفا ومصنع لادوات البلاستيك فى عكا :
٢ - بالرغم من المساعدات المالية الطائلة التى تتدفق من الخارج والاموال الضخمة الاجنبية المستثمرة ، فان قيمة الصناعة المساهمة فى الاقتصاد الاسرائيلى محدودة ولا سيما إذا علمنا نوع الصناعات الاسرائيلية التى لا تقوم في معظمها على أساس اقتصادى سليم ، فإسرائيل لا تنتج الا القليل من المواد الخام ( الماس ) الذي يعتبر أهم سلعة صناعية فى الصادرات تستورده اسرائيل من الخارج ، فتكاد ثروتها المعدنية تنحصر فى الأملاح المعدنية التى يمكن أن تستخلص من البحر الميت ، وقد اكتشفت مؤخرا معادن جديدة فى فلسطين كالفوسفات والحديد لكن تكاليف استخراجها تتطلب
نفقات باهظة لا تسمح للصناعة اليهودية باي منافسة جدية لمنتجات الدول الصناعيه فى الاسواق العالمية . . إذا علمنا ان انتاجية العامل اليهودى منخفضة وتكاليف السعر عالية ( ٦ ) .
وهكذا فان أساس الاقتصاد الاسرائيلي . اساس واعى ، فرغم المساعدات السخية التى نأتى من الخارج والتى توفر الوسائل لصناعات اسرائيل ، فان هناك شكوكا خطيرة فى مقدرة معظم الصناعات اليهودية على الصمود فى وجه العقبات الطبعية العديدة المتجلية في بيئة فلسطين
اذن فمن معرفتنا للواقع الزراعي والصناعي لاسرائيل نعلم علم اليقين مدى الصعوبات التى يتخبط فيها الميزان التجارى لهذه " الدويلة " فالعجز في الميزانية اصبح صفة لازمة منذ خلفت اسرائيل وان كانت النفقات العسكرية - التى تستهلكها ثلثى الميزانية والموارد كما جاء فيما نشرته هذه الصحيفة فى العدد الماضى - فى ازدياد مستمر ، وبالمقارنة بين ما تصدره اسرائيل وما تستورده نحصل على العجز المريع فى ميزانها التجارى بمعنى ان قيمة الواردات تفوق قيمة الصادرات بصورة شاذة فلولا المساعدات الامريكية والغربية لنفدت امكانات اسرائيل المالية فى اسابيع قليلة واصبحت عاجزه من ساعتها عن كل شئ حتى في اطعام الجياع من فقرائها
-١٠-
والخلاصة ان اليهود لم يفلحوا ، وبرغم من توافر لديهم من امكانات مالية ضخمة لم يحققوا بها المعجزات كما كانوا يحلمون
( ٥ ) المرجع رقم ٩ ( ٦ ) راجع Jemy Naamyth المجلد رقم ١٤
فهناك عجز في الانتاج الزراعي وخلل في الانتاج الصناعى وهبوط في الميزان التجارى . وبالجملة فاننا أمام اقتصاد متهالك يعيش على فتات موائد الغير ولا سيما المائدة الامريكية السخية عليه .
ومع ذلك فلا بد من كلمة تحذير تقدمها فى ختام هذا العرض ، وهى معين الاموال التى تتدفق على اليهود لم ينقطع عن اسرائيل فالارقام تتغير في ميزانيتها من عام لآخر ، لانتيجة المعجزات فى مشروعاتها . ولكن بسبب الصدقات التى تعطاها - بضم التاء - بسخاء ، فقومها ينفقون بدون حساب وبشكل غريب و " رغم أنهم من أهل الخبرة فى ريح المال " فهم يعلمون أن هذا الانفاق في هذه البيئة عملية لا سلامة فيها من الناحية الاقتصادية . وانها قد تكون نافعة الآن . وعدد اليهود في اسرائيل لا يتعدى بعض الملايين القليلة
فكيف يكون الحال إذا وصل هذا العدد الى الملايين التى ترسمها البرامج ومخططات الصهاينة المستقبل ؟ فهل يدفعهم ضيق الموارد وحكم البيئة الى أن يعيدوا قصة المجال الميسوى ؟ . . أم تصبح العبارة المكتوبة على ( الكنيست ) ( ٧ ) من الفرات الى النيل " سياسة عملية تسلب بمقتضاها أراضى العرب بالسلاح الامريكي والالمانى كما حدث للقدس بعد حرب يونيه إذ سلبت الاراضى المقدسة بالقوة .
انه سؤال لا حاجة إلى توضيحه ما دامت نيات اسرائيل واضحة مكشوفة ، في اعتداءاتها المتكررة على العرب الابرياء .
الرباط

