هل للان . رسالة ؟ . .
هل هناك اديب وكاتب ؟ او كاتب واديب ؟ ٠٠
وهل الصحافة ادب وفن ام فن فقط ؟ ام هي شئ غير هذا وذاك ؟ . . وهل للكاتب او الاديب ان يكتب ليؤدى واجبا معينا ، ام انه حر فى ان يكتب لجمال اللفظ ولجمال الصورة وليعبر عن احساساته الفكرية والنفسية في أى صورة شاءها . .
هل يجب على ان اكتب ؟ . . ولماذا اكتب ولمن اكتب ؟ وكيف اكتب ؟ . هل اخضع للفظ والاسلوب ام اخضع للفكرة واخضع لها اللفظ والاسلوب ؟
وهل ادى ادبنا خاصة والادب العربى رسالته في الماضي وما هي الرسالة التى عليه ان يؤديها في المستقبل . .
أسئلة كثيرة طالما وقف الانسان عندها مفكرا ماملا . . ولكن الحكم على هذه الامور كلها يختلف باختلاف المفاهيم وباختلاف البيئات واللازمنة والثقافات وحاجة الحياة المحيطة . .
وللادب اليوم رسالة خطيرة دقيقة بعيدة الاثر في كل ما يصيب حياتنا السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والاقتصادية اليوم وفي المستقبل . . لان رسالته هي التي ستصوغ هذا المستقبل وتقرر مصيره
ودورها وواجبها من اخطر الادوار التي تمر في التاريخ . .
ولا استطيع ان افرق بين الكاتب والاديب . . فالاديب كاتب بطبعه ، والكاتب يعنى بالناس يكتب لهم ويقرأ عنهم ويتجاوب معهم فهو اديب بطبعه وان كنت احس ان الادب مقام كبير ، وان كلمة اديب شرف لا يجوز ان يدعيه كل انسان ما لم يكن له فى
الادب رسالة وله في هذه الرسالة دور واهداف حية . .
وقد كرم الله الكتابة بالكرام الكاتبين وكرم القلم عندما اقسم به ، وهذا شرف خالد لا يدانيه شرف . . وهو شرف يدل على خطورة الرسالة التى يحملها الكاتب وبعدها وسموها ودقة الامانة التى يضطلع بها وثقلها . . ولولا الكاتب ما كانت الصحيفة ولا عرفت الصحافة ، فالصحافة ادب وفن وكتابة وهي في صميم ذلك كله ، وهي اخطر من ذلك كله اليوم بما عرفته من اساليب جديدة استهوت الناس فكانت رسول الكتاب اليهم ورسولهم الى الكتاب . . ومهما استغرق او تطرف بعضها فى استغلال اساليب الاستهواء هذه فالصحافة هي حاملة لواء الادب ورسوله . . ومقدمة جيشه
المكافح ، والكاتب والاديب انسان له ما للإنسان من خصائص نفسية وجسدية وذهنية ، انسان يحب ويكره ويرضى ويغضب ، وهو حر فى ان يستهويه جمال اللفظ واناقة الصورة وفخامة المظهر وترف الخيال . . وهو حر في هذا عندما يكتب لنفسه او عندما ياوى بقلمه كلما اقتاده السعى الى واحة من هذه الواحات تستكين فيها نفسه ، ويصفو فيها وجدانه وينطلق فيها خياله فان الخيال فكر وتصور وأمل وتجديد . . والكاتب عندما يكتب انما يعبر بطبيعة الحال عن احساساته الوجدانية ويعبر عن صدى المعرفة والحياة في نفسه وذهنه مهما اختلفت الحياة في نفسه وذهنه ومهما اختلفت الصور او تباينت المعارف او تباعدت الآراء . . ولكن الكتابة هدف وغاية ورسالة . . يؤديها الكاتب غير مخير
فيها ، لان هذه سنة الحياة الحاضرة ودستورها وسبب حى من اسباب البقاء والتطور فيها بل هو سنة الحياة كلها . . فلا بد لكل بعث وكل تطور من هدف وغاية ولا بد لكل هدف وغاية من سعاة ودعاة واصحاب رسالة . .
وانه لامر شديد ان تكون الكتابة ازجاء فراغ بفراغ . . فالكتابة امانة وامانة القلم ثقيلة التبعات فيجب على الكاتب ان يكتب ويكتب للناس . . ليؤدى رسالته بين الناس ، والكاتب يكتب لينفع الناس بقلمه ان كان عالما وهو يكتب لينفع الناس برايه ان كان مفكرا ، ويكتب للتاريخ . . ويكتب للمعرفة وما اوسع ابواب المعرفة . . ويكتب ليصور ويبين جوانب الحياة وليس لجوانب الحياة وصورها حدود
فالكتابة والأدب رسالة ذات هدف ومعين . . هدفها الفكرة ومعينها الوجدان . . والكاتب الاديب الذي يذيب وجدانه وقلبه في سطور جدير بان ينسى ما هو الاسلوب وينسى ما هى الكلمات فالاسلوب والكلمات اداة من ادواته وجند من جنوده يجنده كيف شاء واني اراد ، فان الحياة للفكرة الحية والبقاء للأثر الصالح ، والفكرة الحية النيرة تصنع الاسلوب وتصوغ الالفاظ وهي فوق اللغة وفوق البيان . . لانها اس اللغة وأس البيان . . ولا اظن كاتبا تتدافع الافكار الحية في نفسه يجد من وقته متسعا للتفكير في اسلوبه وانتقاء الفاظه . . الا ان يكتب للغة نفسها ويكتب لذات الكتابة وحدها . .
ولقد ادى الادب العربي في ركاب العلماء المصلحين امناء هذه الامة
رسالته كخير ما تؤدي الرسالات حتى اليوم فهو الذي قاد من ورائهم هذه النهضة الطويلة السريعة وسار في طليعتها بقدم ثابتة جريئة استهدف اصحابها لشتى المحن ، ولكن افكارهم الحرة عاشت وتناقلتها الاجيال والامم من بعدهم ، وكلما اوغل رواد الطليعة الاول هؤلاء في التاريخ ، وكلما تقادم عليهم الزمن - انبثقت من حولهم هالات مشرقة متتابعة من النور والمجد
وما زال الادب العربي يؤدى واجبه ورسالته فى بناء المجتمع العربي وفي توجيه التيارات الفكرية والثقافية وفي رسم الخطوط العريضة للمستقبل الجرئ الذي تتحفز له الامم العربية وما زال رواد الطليعة في هذا الادب يقفون اليوم كالعمالقة لانهم هم انفسهم القادة الحقيقيون وعلى اعناقهم تقع اخطر وادق ادوار هذه الرسالة فهم الذين يضطلعون بامانة المستقبل الكبير . . مستقبل الاجيال الكثيرة القادمة من ابناء العروبة الذين سيتابعون هذا البناء ويسيرون فى هذا الطريق . .
هؤلاء الرواد الذين يقتحمون الطريق ويوضحون الدروب ويزرعون فى هذه القلوب الناشئة الوعى الصحيح والهدف الصحيح يصوغون به انفسهم وافكارهم ومبادئهم . . . ويكونون به مستقبلهم ومستقبل من يليهم من اجيال . .
هذا هو الدور الخطير الذي يقوم به الادب العربي ويقوم به رجال الثقافة والفكر بيننا . .
ان العالم العربي اليوم يعيش في طفرة مجنونة ويقف على مفرق طريق يزدحم بسيل عارم من صراع المبادئ
وصراع الافكار وسباق الامم المجنونة والزمن المجنون ، ونظرة عابرة على واقع حياتنا منذ ثلاثين عاما وواقع حياتنا اليوم ترينا المسافة الشاسعة التى قطعناها وجرأة الطفرة وسعة افق هذا التطور الجرىء
وقد بدا ابناء العروبة يكافحون في كل مكان وفي كل ميدان وبدأ ساعد الادب والصحافة ينمو ويشتد ويلمع ويتقدم فى طليعة الصفوف المكافحة وما زالت معركة التحرر قائمة لليوم وقائمة غدا ولن تقف يوما من الايام وفي غمار هذه المعركة من معارك اليقظة والوعى والتطور التى تخوضها امم العرب نشاهد اليوم بجانب الصورة القريبة لأخر لحظات الاعماق فى تاريخنا ، نشاهد هذه الفورة العنيفة العارمة التى تعيش فيها والتي اصبحت تهضم كل المبادئ والمذاهب
السياسية والفكرية والفلسفية . . وتعيش فيها جنبا الى جنب افراد وجماعات وحكومات من اقصى اليمين ومن اقصى اليسار تعمل وتصطرع في ميدان واحد متكافئ الفرص في دنيا العمل وفي دنيا الصراع ، وهذه الفورة وهذا الانفعال كله شهدا انفعالا آخر وفورة اخرى فى ميدان الادب وفي رسالة الأدب الذي عاصر هذا التطور واثر فيه وتابعه وتأثر به ليقوم اليوم بادق واخطر ادوار رسالته .
ومن هنا تاتي خطورة رسالة الأدب فى امة منفعلة متطورة تشعبت عليها الطرق وتعددت بين عينيها المسالك وحتم عليها سباق الزمن وسباق الامم ان تسير وان تمضى غير مختارة ولا متأنية لان الشعوب العربية اليوم تقرا كثيرا وتعيش في هذا الجو الذي
تقراه وتتائر به وتتابعه ، وتؤثر فيه بما يمتزج في نفسها وحياتها . .
والادباء اليوم يقرأون كثيرا ويكتبون كثيرا ويتغلغلون في اعماق هذه الشعوب القارئة فتعود اصداؤها منطبعة في نفوسهم ومؤثرة في اتجاهاتهم وعقولهم وصارخة في اقلامهم لتمتزج بما يقراونه وما يفكرون فيه وليعود هذا مرة اخرى فى صورة جديدة متداخلة تمثل هذا التتابع ، وهذا الامتزاج . .
والساسية والقادة هم نتاج هذا الامتزاج والتتابع لا يمكن ان نفصلهم عن بيئتهم وعن محيطهم المتشابك ما داموا جزء من هذه الشعوب الممتزجة الاصداء والمشاعر والاهداف .
ولقد ولد ادبنا الحديث في الجزيرة العربية وفحيح المعركة يدور حوله . . معركة رواد الطليعة من المصلحين . . ومعركة القادة الذين نزلوا ميدان التحرر والنهوض بدمائهم واموالهم ، ومعركة الادباء والكتاب والمفكرين الذين تهافتوا حول راية هذا الكفاح واختلط في اسماع هذا الأدب وليدا وناشئا اصوات هذا الصراع . . .
فشب قبل ان يشب ووثب من مهاد طفولته وثبا ، ليشارك في هذا السعى وفي هذا الكفاح ، وليفسح لنفسه موقفا ومكانا في صفوف المجاهدين الذين سبقوه . . وتدفقت اقلام كثيرة فجأة تقتحم ميدان الصحافة تارة وميدان الادب والتاليف تارة اخرى وتقحم امور الفكر وتعالج تياراته العنيفة احيانا . . وتقتحم على
التاريخ الكبير ابوابه احيانا اخرى ، وهي لما تستو على اقدامها وراحت تسعى وتتابع السعي وراء الركب القوى السريع .
ولست ادري وليس من حقي ان احكم . . ولما يصبح لادبنا من الفيض ما يسمح له بالتصدير وما يسمح له بان يعيش فى قلب كل بلد عربي كما يعيش ادب البلاد العربية كلها في قلب كل قارئ واديب لدينا ، ولكننا نعرف انه ادب ناشئ إذا قيس عصره بعصر النهضة الادبية في البلاد العربية . .
انه ادب لم يتح له الزمن الكافي من التجارب ومن السعى ، ولم يتح له الزمن الكافي ليهضم كل الثقافات الغربية والشرقية المختلفة . . انه ادب ناشئ وليد لان عمر الثقافات لدينا وليد . . ومع هذا فهو ينطلق اليوم انطلاقة عنيفة جريئة . . ويندفع بعنف مع قافلة الزمن وقافلة الحياة ، ويقود اليوم نهضة من ادق النهضات واكرمها واحفلها بالصور المثيرة . .
نهضة هذه الجزيرة العربية التى حملت صابرة ظلم التاريخ الطويل لها . . واستكانت صابرة بين اكامها الصامتة المقلعة تنتظر اليوم الذي تنفض فيه غبارها وتبنى فيه حياتها وترسل من جديد بصوتها يدوى فى الأفاق وتبعث من جديد بنورها يشرق على الدنيا ، وتعطي من جديد ابناء وفاتحين يسيرون في ركاب النهضة العربية والأسلامية الكبرى ويبنون مجدا لا يعز على بناته الاول ولو تقادم العهد وبعد الطريق . .
هذه رسالة الأدب لدينا وهي رسالة ثقيلة التبعات ، واذا كنا لا نستطيع ان نحكم على ادبنا واثره فى الحياة لان هذا الحكم من حق سوانا ، فاننا نستطيع ان نشق طريقنا بين مواكب المتقدمين ، وان تعرف رسالتنا بالنسبة لاوطاننا والعروبة كلها وطننا وان نحدد واجبنا على ضوء معرفة رشيدة سديدة لنمضى فيه . .
وها نحن نشهد اليوم بواكير هذه النهضة وقد خرجت من عزلتها التى الزمها بها تاريخ طويل . .
وانني لارجو ان يسمع العالم العربى غدا صوتنا وان يلمس اثر جهادنا وتقدمنا فى موكب الادب ومركزنا من رسالته بين الادباء والعاملين والمفكرين الذين وهبوا حياتهم واقلامهم لخدمة هذا الوطن الكريم والعمل مع بناته المخلصين في تشييد دعائم حضارة فكرية وكتابية جديدة لامة حية تريد العزة وتشرئب باعناقها نحو القمة وتحث السعى نحو حياة فاضلة رشيدة كريمة . .

