نشرنا فى عدد شيوال ١٢٩١ ه - ١٩٧١ م كلمة للواء الركن محمود شيت خطاب عن " السؤلف " بدعة الشباب اليهودية في عصرنا الحاضر وجاء في كلمته قوله : " السوالف جمع سلف باللهجة العامية المصرية ، وهي ما يطلق عليها الزلف ، في بعض الاقطار العربية ومنها العراق " ثم رجح اللواء الركن ان يكون لكلمة ( الزلف ) - لا ( السوالف ) سند لغوى ( اذ يقال : زلف في حديثه : زاد فيه . وزلف الشئ زاد فيه فإذا امتد شعر الراس الى اسفل شحمتى الأذنين فقد زاد مقداره عن المعتاد .
هذا ما يراه اللواء الركن . اها انا فارجح ان كلمة ( الزلف ) المشار اليها معدلة عن ( السلف ) فتكون زايها مقلوبة عن سين . وقلب السين زايا أمر وارد في اللغة العربية الفصحى .
ولست أرى مع اللواء الركن ان اصل ( السوالف ) المصرية ( الزلف ) العراقية بل ربما كان العكس هو الصواب كما المعنا اليه آنفا . . وهذا من جهة ومن جهة اخرى فالسوالف بصرف النظر . عن المعنى المقصود بها وهو تطويل الشعر الى امام شحمتى الأذن ، هي كلمة عربية فصيحة الصيغة ، وهي كما هو واضح جمع ( سالفة ) مثل ( خالفة وخواالف ) و ( عارفة وعوارف ) . .
وقد نص اللغويون عليها ، هكذا مفردا وجمعا . . على انهم نصوا على ان ( السالفة أعلى العنق أو ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط الى قلت - بفتح القاف وسكون اللام بعدها تاء مفتوحة : الترقوة أي " نقرتها "
وآية ان ( الزلف ) أصلها ( السلف ) بالسين ما ورد الحديث : " إذا اسلم العبد فحسن اسلامه يكفر الله عنه كل سيئة ازلفها - أى اسلفها وقدمها ( لسان العرب مادة زلف ) فانت ترى كيف صار اصل ( زلف ) ( سلف ) . . كما قدمناه آنفا . .
وقد راجعت ما لدى من المصادر اللغوية
عن تفسير مادة ( زلف ) الذي اورده اللواء الركن محموه شيت خطاب وقال انه من : ( زلف الحديث : زاد فيه ) و ( زلف الشئ : زاد فيه ) فتبين من تلك المراجعة ان عبارة : " زلف الشئ : زاد فيه " وردت في " المعجم الوسيط " ، ولم يرد في القاموس المحيط ، ولا في ( تاج العروس ) سوى : " زلف الحديث : زاد فيه . . " وكذلك معجم متن اللغة لاحمد رضا لم يذكر : ( زلف الشئ : زاد فيه ) .
هذا وقد ورد في " أساس البلاغة " للزمخشرى قوله : " واهراة حسنة السالفة والسالفتين وهما جانبا العنق " ( مادة سلف )
ولربما كان من تحسين جانبي العنق لدى النساء ارسال بعض شعر الراس اليهما منه بصفة منظمة مقصوصة مرتبة . . وعلى هذا فيصح ان تطلق " السوألف " على ذلك الشعر المرسل من الرأس الى ما يحاذى صفحة العنق سواء اكان ارساله من وراء الاأذنين أم من امامهما ويعتبر هذا من باب المجاز المرسل ، أى اطلاق اسم المجاور على جاره كاطلاق الحال - بتشديد اللام - على بدله وعليه فربها كان من الصحيح لغويا اطلاق ( السوالف) على هذا الشعر المقصوص المرسل الى امام شحمتي الأذنين على اللحيين الذي هو بدعة يهودية ينبغي للعرب والمسلمين تفاديها
وتكملة للبحث من جوانبه نورد ان في كتاب " خلق الانسان " كتاب بن أبي ثابت : " اللمة - بكسر اللام - . . الجمة ، والوفرة الجمة الى الأذنين ، فاذا زادت فوق ذلك لم يقل وفرة . . قال أبو زيد : اللمة : ما زاد على الجمة ) - ص ٦٥ ط الكويت ١٩٦٥
وفي كتاب . جمال المرأة " للدكتور صلاح الدين المنجد : " واشتهرت الجمة السكينية التى نسبت الى سكينة بنت الحسين ، وكانت تصف شعرها على شكل خاص " ص ٩٢ ط بيروت دار الكتاب الجديد . والخلاصة انه ربما كانت تسمية الشعر المرخي من
* نحو ثقافة لغوية راقية * احياء متن اللغة
) فتحنا هذا الموضوع في باب " بحوث لغوية " لاحياء تعبيرات لغوية تتسم بالفصاحة والايجاز والتركيز لتبعدنا عن أجواء مشحونة ببلبلة التعبير ، وفوضى الكتابة : فلعل في هذا الصنع شيئا من احياء لغتنا ولمناسبة موسم الحج رأينا أن تستهل بحثنا هنا بصيغ ذات صلة بالحج ( :
١ - ماذا نقول فيمن نزل " مني "
مني : مكان معروف للحجاج يقع بين مكة ومزدلفة يصعد اليه الحجاج من مكة يوم التروية ، فاذا نزلوا من عرفة اقاموا بها ايام التشريق . ويرمون بها الجمار الثلاث ، فاذا انتهوا من مكثهم بها عادوا إلى مكة .
اختلف علماء اللغة في أصل معنى ( مني ). . ولا علينا من هذا الآن . . وانما يعنينا ان تعرف ماذا تقول إذا أردت ان تعبر تعبيرا لغويا فصيحا موجزا عن ( نزول الحجاج مني ) ؟
المراجع اللغوية تقول لك قل : " امتني الحجاج اى نزلوا مني .
فحافظ على هذه الصيغة الفصحى الواردة على السنة العرب الفصحاء ، واستعملها في احاديثك العادية
الرأس الى امام شحمتى الأذنين أو تحتهما او فوقهما بقليل بالسوالف عربي السمات ، وان كان الصنيع نفسه يهودى الطبع والوضع كما شرحه اللواء الركن . وذلك لان السوالف ، كما قدمنا تطلق على جانبى العنق الأعليين لغة . . فتسمية الشعر المرخي إلى ما يقرب منهما باسمهما من باب المجاز المرسل الواسع في اللغة العربية المعطاء ، .
على اننا نسائل الباحثين اللغويين عن مدى انطباق السالفة " و ( الوفرة ) و ( اللمة ) ( و ( الجمة ) على هذا الشعر لغة ففوق كل ذى علم عليم .
واكتبها بقلمك فيما تكتب وفيما تنظم ان اردت بعث حقيقيا للغتنا العربية الوضيئة .
٢ - ماذا تقول إذا نزل حاج أو حجاج ، الخيف ؟
الخيف لغة : هو ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل . وعن هذا المعنى سمى " مسجد الخيف " بمنى . قال النابغة الذبياني :
قامت تساقطني رحلى ومثيرتى
بذي المجاز ولم تحس به نعما
من قول حرمية قالت وقد ظعنوا
هل في " مخيفكم " من يشترى ادما ؟
أى هل فيمن نزل الخيف منكم من يشترى جلودا ؟ .
وصيغة " مخيف " - بضم الميم وكسر الغاء المعجمة - اسم فاعل من ( أخاف ) . . مثل " مطيف " من " أطاف " و " منيف " من " أناف " . .
فاذا اردت ان تنطق بالفصيح الموجز فقل عمن نزل الخيف : " اخاف فلان او الحجاج واخيفوا بمعنى نزلوا الخيف .
فاحرص على استعمال هذه الصيغة المختصرة فيما تديره على لسانك من احاديث وفيها تكتبه بيراعتك من شعر او نثر ، ففي ذلك لون من احياء جديد للغتنا الفصحى والله الموفق .

