بحوث لغوية, تحقيق عن تعريف :، الزندقة والزنديق

Share

جاء في (( القاموس المحيط )) للفيروز آبادي: الزنديق: من الثنوية ، أو القائل بالنور والظلمة ، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية ، أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان. او هو معرب ( زن دين ) أي دين المرأة . مادة ( زنديق ) ..

وزاد عليه شرحه ( تاج العروس ) توضيح القائلين بالآراء المتقدمة . وقال عن الرأى الاخير القائل بانه معرب ( زن دين ) ما نصه : ( نقله الصاغاتى هكذا . وقال ( التاج ) : وقال الخفاجي في شفاء الغليل : بل الصواب انه معرب : ( زنده ) . .

وجاء في ( لسان العرب ) لابن منظور : الزنديق : القائل ببقاء الدهر ، فارسى معرب ، وهو بالفارسية ( زنده كراى ) يقول بدوام بقاء الدهر . وعقب مرتضى الزبيدى في شرحه للقاموس على ذلك بقوله : ( قلت : والصواب ان الزنديق نسبة الى ( الزند ) وهو كتاب ماني الفارسى الذى كان في زمن بهرام بن هرمز بن سابور ، ويدعى متابعة المسيح عليه السلام، وأراد الصيت فوضع هذا الكتاب وخبأه فى شجرة ثم استخرجه . و ( الزند ) بلغتهم : (( التفسير )) يعنى: هذا تفسير لكتاب ذرادشت الفارسى واعتقد فيه الالهين:

النور والظلمة . . النور يخلق الخير ، والظلمة يخلق - تخلق - الشر ، وحرم اتيان النساء ، لان أصل الشهوة من الشيطان ، ولا يتولد من الشهوة الا الخبيث واباح اللواط لانقطاع النسل ، وحرم ذبح الحيوانات واذا ماتت أحل أكلها . وكان قد بقيت منهم طائفة بنواحى الترك والصين واطراف العراق وكرمان . الى أيام معروف - هارون - الرشيد فاحرق كتابه وقلنسوة له كانت معهم وأكثر القتل فيهم وانقطع أثرهم والحمد لله على ذلك ) : مادة ( زنديق ) أيضا في ( تاج العروس شرح القاموس )

وبمراجعتنا للسان العرب لابن منظور وجدناه يقول: ان ( الزنديق : القائل ببقاء الدهر ، فارسى معرب وهو بالفارسية ( زندكراى ) - بفتح الزاى وسكون النون وكسر الدال بدون هاء - خلاف ما ورد في تاج العروس بعدها كاف مكسورة فراء فالف فياء ساكنة . واضاف الى ذلك قول أحمد بن يحيى : ليس زنديق ولا فرزين من كلام العرب . وانما تقول العرب : رجل زندق وزندقى إذا كان شديد البخل فاذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا : ملحد ودهرى - بفتح الدال - ( مادة زندق )

أما دئرة المعارف الاسلامية ، فقد اسهبت في التعريف بالزنديق والزندقة وقالت ما خلاصته انه ((مصطلح في الجريمة عن فقهاء المسلمين يطلق على الملحد الذى يكون تفسيره لنصوص الشرع خطرا على سلامة الدولة الاسلامية ، وذلك لان الدولة الاسلامية تقوم على أساس الدين الاسلامى . والزنديق خارج عن الدين يدعو الى الخروج على الدين ، ومن كان كذلك فهو خطر على سلامة الدولة الاسلامية وليست الزندقة خروجا على الدولة الاسلامية من حيث هى دولة . . وانما من حيث هى دولة اسلامية . . وقالت ان اصل الكلمة ايرانى وقد ظهرت أول ما ظهرت في العراق سنة ١٢٥ ه (٧٤٢م) عند مثل الجعد ابن درهم .. ووجد في مبادئ الدولة العباسية جملة من الزنادقة قتل كثير منهم .. منهم بشار بن برد الشاعر، ومن الزنادقة في الاسلام : ، ابن الراوندى .

ويقول مترجمو دائرة المعارف الاسلامية الى العربية : (( لا يزال معنى كلمة (( زندق )) واصلها - رغم كل ما تقدم غير واضح تماما )) واخيرا توصلوا الى تعريفها بان كلمة (( زندقة )) هى القبول بالدهر وانكار النبوات والكتب المنزلة وكلها انكار لاصل من أصول العقيدة الاسلامية ، أو كل رأى يؤدى الى ذلك . ( مادة زنديق ج١٠) . ولم يخرج ( معجم متن اللغة ) لأحمد رضا عما ورد في القاموس تاج العروس ( مادة زندق ) الا في قوله باخرة : ( الزنديق : النظار في الامور ( مجاز ) : الذى لا يتمسك بشريعة )

ولم يخرج ( المعجم الوسيط ) لمجمع اللغة العربية بالقاهرة عن ذلك أيضا . . على انه اورد النص الذى ورد فى ( تاج العروس ) : (( الزنديق من يؤمن بالزندقة . معرب ( زنده كرد ) ببعض تعديل : ففى (تاج العروس)

ما نصه : وهو بالفارسية معرب ( زنده كراى ) .. وصيغة ( زنده كراى ) هذه مأخوذة هكذا نصا من كتاب ( لسان العرب ) لابن منظور ( مادة زنديق ) كما اسلفناه . .

ولربما كان خير تعريف للزندقة واشمله هو ما ورد في المقدمة المسهبة الرائعة التى كتبها علامة تونس الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامعة الزيتونة بتونس لديوان بشار بن برد حيث قال :

والزندقة اسم اشتقه العرب من كلمة ( زندو ) بالفارسية الدالة على كتاب الفرس المقدس الذى يقال له بالفارسية ( الزند فستا ) وهو كتاب مانى الذى يدعى اتباعه المانوية ، ويقال لهم الثنوية ، لانهم يثبتون الهين اثنين . قالوا : تزندق اذا اعتقد اعتقاد مجوس الفرس ، اى انتسب للزندو ، ثم اشتقوا منهم ((زندقة)) للاعتقاد . و (( زنديق )) للمعتقد ، ثم أطلقوه على من يسر هذا الاعتقاد ، فلا يسمون المجوسى المتظاهر بالمجوسية زنديقا ، ثم صار اسم الزندقة اسما علميا في الفقه ، يدل على من يظهر الاسلام ويبطن الكفر ، سواء أكان كفره باعتقاد المجوسية الفارسية أم بالدهرية أم بغير ذلك ، ولذلك قالوا : الزنديق يرادف المنافق ، وخصوا المنافق بمبطن الكفر فى زمن الرسول عليه السلام ، والزنديق بمبطن الكفر بعد ذلك الزمن ( ص ١٩ مقدمة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور على ديوان بشار بن برد مطبعة لجنة التأليف والترجمة بمصر سنة ١٣٦٩ ه - ١٩٥٠ م ) . فلعل هذا القول في معنى زنديق والتعريف بالزندقة هو القول الفصل في الموضوع .

اشترك في نشرتنا البريدية