بحوث لغوية, حرب ساخنة بين النحاة، حول : ((الآن))

Share

أجد شيئا من المتعة عندما انغمس في بحر اللغة الرحب أصارع امواجه الصاخبة بحثا عن آراء سيبويه ، وافكار الأخفش ، وحين اتردد بين الفئتين المتنازعتين حول قضايا النحو والصرف ، أعنى مدرسة الكوفة ، ومدرسة البصرة ، وربما أنهيت نزهتى الشاقة والممتعة معا بصيد ثمين أرجع به ثمرة البحث والتنقيب ، وصيدى هذه المرة هو : ( الآن ) . . هذه الكلمة التى كانت قطب رحى معركة دارت بين النحاة ردحا من الزمن .

اعتدنا ان نعرب (الآن) ظرفا مبنيا على الفتح مع أن أعلام العربية غير مجمعين على بناء هذا الظرف ، فطائفة منهم ترى انه معرب منصوب على الظرفية ، وليس آخره ملازما للفتح فهو يقبل الكسر أيضا واستدلوا بقول القائل :

كانها ما لآن لم تتغيرا

وقد مر للدارين من بعدنا عصر

يريد الشاعر (من الآن) فحذف نون (من) لالتقاء الساكنين (١) ، ويرى هؤلاء انه

ليس لبناء الآن علة معتبرة ، واذن فهو ظرف منصوب ويجوز جره بمن ، وقد رجح صاحب الهمع هذا الرأى ، أما جمهور النحاة كوفيهم ويصريهم فيرون حتمية بناء : الآن ، والكسرة التى تلحق آخره يقولون انها كسرة بناء فهو يبنى على الكسر كما يبنى على الفتح .

علة بناء الآن

ليس تواطؤ مدرستى الكوفة والبصرة بالكائن الذى تمتد به الحياة فما اسرع ما يشهرون السلاح متوعدين ومنذرين ، وها هم أولاء يتباينون في علة بناء الآن بعد اتفاقهم على حتمية البناء ، فالكوفيون يقولون : انما بني لأنه فعل ماض دخلت عليه (ال) فهو من آن يئين بمعنى : حان ، وظل على الفتح بعد دخول الألف واللام عليه ، وزعموا أن ال هذه اسم موصول بمعنى الذى ، ف ((الآن)) بمعنى الوقت الذى آن ، واحتجوا لمذهبهم بقول الفرزدق :

ما أنت بالحكم الترضى حكومته

ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

أى بالحكم الذى ترضى حكومته ، فدخلت ال وهى بمعنى الذى على المضارع (ترضى) وأوردوا دليلا آخر من كلام سيد المرسلين (ص). اذ (( نهى عن قيل وقال )) فقد دخل حرف الخفض (عن) على الفعلين ، ويستدلون ببرهان ثالث هو عبارة ( من شب الى دب ) ، فهذه

أفعال أربعة بقيت على حركتها وهى الفتح رغم دخول عوامل الخفض عليها ، اذن فحروف الخفض تدخل على الافعال وتطل على بنائها ، ف (ـالآن) كذلك فعل دخلت عليه ال ، ولعل أدلتهم هذه لا تثبت على محك النقد . ذلك لان (ال) انما تدخل على الفعل فتكون بمعنى (الذى) في الشعر ضرورة فلم تسمع داخلة على فعل غيره . وأما عن (( قيل وقال )). في الحديث الشريف ، ومن (( شب الى دب )) فالافعال في المثالين منصوبة على الحكاية ، ودخول العوامل على الحكايات غير مؤثر فيها فتحكى كما هى ، ولا يجوز لنا أن ندخل عليها الالف واللام كما فى الآن ، مثال ذلك : ( جاء تأبط شرا ، ورايت تأبط شرا , والتقيت بتأبط شرا ) لا يصح ادخال ال على تأبط . لانها لا تدخل على الفعل الا لضرورة الشعر . واذن فحجة اهل الكوفة فى أن الآن فعل دخلت عليه ال يعوزها الثبات على قدميها الضعيفتين .

أما البصريون فيبنون الآن ، لمشابهته اسم الاشارة فيقولون : ان الالف واللام تدخلان على الاسم لتعريف الجنس كما في قوله تعالى : (( إن الانسان لفي خسر )) ، أو لتعريف العهد كقوله عز وجل : (( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ))، أو تدخلان على ما غلب عليه نعته فعرف به مثل الحارث والعباس ، واذ دخلنا على غير ما ذكر وكان معناه الاشارة الى الوقت الحاضر ، صار معنى الآن : هذا الوقت فأشبه الآن اسم الاشارة ، وحيث ان اسم الاشارة مبنى ، بنى ما أشبهه ، ومعروف ان اسم الاشارة مبنى لمشابهته - في المعنى - حرف اشارة كان من حق العرب ان يضعوه فما فعلوا .

ويذهب ابو العباس المبرد ، وابن السراج . والزمخشرى ، وثلاثتهم من نحاة البصرة ، الى ان الآن مبني لمخالفته بنى جنسه من الأسماء ولخروجه الى غير بابه ، اذ لزمته الألف واللام ابتداء مع أن حق الأسماء التجرد منهما ولم تكتسب التعريف بدخول ال عليها وبهذا خالف الاسماء وأشبه الحروف ، ورد ابن مالك هذا الرأى بانه ينشأ من هذا الزعم لزوم بناء كل ما وقع فى أول أحواله بالالف واللام ، مثل اللات ، والسموأل , والسماك ، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الاسماء موجبة لشبهة الحروف ومن ثم البناء ، لوجب بناء كل اسم خالف الاسماء بوزن أو غيره .

والعجيب ان ابن مالك نفسه ينهج مذهبا غريبا فى سبب بناء الآن ، فيرى هو وأبو علي الفارسى انه انما بنى بسبب حذف ال منه ، ولتضمين الاسم معناها ، ثم زيادة أل أخرى فيه ، وهذا مردود لالغاء الموجود واعتبار المعدوم .

وأحسب ان خير تعليل لبناء الآن هو مشابهته اسم الاشارة كما جرى توضيحه . اما بناؤه على الفتح ليس غير ، فيعلله البصريون بأنه حتى لا يلتقى ساكنان ، النون والالف التى قبلها والفتحة أخف الحركات وهى مناسبة كذلك للالف ، ولمناسبة الهمزة المفتوحة قبل الالف . أو هو مبنى على الفتح لبناء نظائره من الظروف على الفتح مثل أين ، وأيان . والآن مشارك لهما في الظرفية فبنى مثلهما على الفتح ، والله أعلم .

( المدينة المنورة )

اشترك في نشرتنا البريدية