براعم فى موكب التحرير

Share

المدرس بمدرسة المحمدى بالدلم

طارق . . هذا الصبى الشجاع ، يتدفق حيوية وفتوة ، لماذا لا يعبث عبث الصبية فيلهو ويلعب مثلهم ! .. أنظر معى ، بصره معلق فى الافق .. ماذا عساه يرى ؟ عيناه لا تتحولان عن بندقيته الا لكتابه، يداعبها بأنامله الغضة ، ويصوبها ويحدق باحدى عينيه من خلالها الى ذلك الافق الممتد فهناك تربض قوى الشر .. شذاذ الآفاق يعيثون فى أرض الطهر والعفة فسادا وتخريبا .. اليهود !

ها هو ينتزع بندقيته عن كتفه بشدة وعنف ويعود أدراجه ، بندقيته فى يمناه ، وحقيبة كتبه فى يسراه .

يا الهى ، انه يحتمل فوق ما يحتمل الرجال ، فتى فى مثل هذا العمر لم يتجاوز الثانية عشرة ، يتلقى العلم والتدريبات العسكرية ! انه يسير باتجاه (( مخيم اللاجئين )) اذن فهو لاجئ ، انظر يا عزيزى انه يدخل تلك الخيمة المهلهلة ، فى هذا البرد القارس مسكين طارق .. زوبعة تعيش فى زوبعة ، اننى لا أكاد أتبين منظر خيمته لانها تهتز وترتجف ، ولست أدرى أتقاوم هذه الاهداب المتلاصقة والمزق المتراصة رياح الشتاء العاتية ؟ هذه

الاشباح المخروطية جاءت بها أياد أثيمة طالما سلبت الاوطان ، وأزهقت الارواح وبغت وتجبرت ، وطالما وأدت الحريات باسم الحرية ، وداست أبسط مبادئ الانسانية باسم الانسانية ، وهذه الخيمة التى امتدت اليها يد البلى فقطعت أوصالها قذفتها أيد حملت وما برحت تحمل المواسى لحز الرقاب الآمنة المطمئنة ، وثلمت الاعراض المصونة . .

قلت هذا لزميلى وكان صامتا لا يتفوه بكلمة واحدة ، ولا تظهر على وجهه علامات الدهشة أو الاعجاب . فصحت به استعجله الكلام : لماذا لا تتكلم ؟ أجماد أنت أو انسان ؟ أم أنك

لا تحس بأحاسيس البوساء والمظلومين ؟ .. وما كدت أنهى كلامى حتى رأيت عبرة تقفز من مقلتيه لم يجد بدا من تحديرها التقت معها عبرة ساخنة سكبتها لانى أحسست بتأثير وقع كلماتى على صدره ، وهنا قال زميلى : رحم الله (( أبا طارق )) فقد عاش شجاعا ومات شجاعا ..

ولست أذكر كيف وصلنا المخيم ووجدنا انفسنا نقف بباب خيمة فيقفز طارق مبتسما يدعونا للدخول .. ولم نجد مندوحة من الدخول .. أما أين جلسنا وماذا رأينا فى داخل تلك الخيمة ، فلا أذكر .. كل ما اذكره أن طارقا أسلم رأسه ركبتيه الصغيرتين ، ينشد الدفء ولا يجده ، تصطفق رجلاه من صبارة البرد ولا تجدان ما يدفع عنهما غائلته ، ترتعد فرائصه ولا يجد سبيلا لتسكين ثورتهما الا بالجلوس امام (( جدته )) يحول بينه وبينها وعاء فيه بقايا من جمر خبا أواره ، وامتدت اليه يد القر لتسيل عليه طمأنينة السكون البارد .

من تكون هذه العجوز الشمطاء الطيبة القلب ؟ انها ترحب بنا وتهش لنا ، وفوق هذا تذكر اسم زميلى (( عارف )) .. لا شك انها تعرفه .. ودفعني فضولى أن استدير بناظرى لارى ما حولى .. لم أر الا صورا للشقاء والبؤس متجسمة فى أثاث

الخيمة من أغطية بسيطة وأوعية للطبخ لا تكاد تذكر ..

كل هذا ما كان ليلفت انتباهى بقدر ما لفته منظر طارق والعجوز التى تناولت أعوادا ما لبثت أن وضعتها فى موقد صغير ، وأورت الزناد ودفعته بيدين مرتعشتين الى هذه الاعواد .. فعالجتها حتى توهجت ، واصلحت عليها ما يمسك أودها وأود حفيدها مما ساقته يد البر والاحسان ، ويد (( هيئة غوث اللاجئين )) ويستشعر طارق الدفء ويملأ قلبه حنان جدته ، وينظر الى بندقيته التى تسلمها من مدرب المدرسة الخاص فيصلح وضعها وكأنى به يتذكر المدرسة والدروس فيبادر الى حقيبة كتبه ليلتهم ما بها التهاما ، تماما كما فعل بعشائه ، بحدوه أمل اعتاده فى كل ليلة بعد مذاكرة دروسه ، حين تبدأ جدته يسرد قصة من افظع ماسجلته صفحات التاريخ ، وخدعة من اقذع ما حيك على مر السنين ، ستبقى وصمة عار فى جبين دولتين تدعيان العظمة والقوة وهما اقرب الى الهاوية والتردى منهما الى الوقوف والاعتدال .. بريطانيا وفرنسا :

(( حدثتك بالامس ياطارق عن تواطؤ بريطانيا وفرنسا على تقسيم بلاد العرب بعد انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية .. وكيف تم للانجليز

احتلال احتلال فلسطين والعراق ومصر وتم للفرنسيين احتلال لبنان وسوريا ووضعوا فكرة انشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين .. وتم لهم ذلك بأخس السبل واوجدوا ربيبتهم اسرائيل ..

حدثت حرب فلسطين .. عفو مهزلة فلسطين وكان قد مر على رؤيتك للنور عامان ، كنا أربعة يظللنا سقف واحد .. المرحومان والدك وأمك ، وأنت وأنا .. كنا فى مدينة البرتقال (( يافا )) نستقبل فى الصباح زرقة البحر ونسماته العليلة ، وفى المساء تؤرج خياشيمنا نفحات زهر الليمون والبرتقال ، وأخرجنا منها مشيا على الاقدام فى ليلة ليلاء ، يضمك والدك الى صدره وتجرى دمعاته فى أخاديد وجهه فتصلك ساخنة حارة ، فاذا اجهده التعب تلقتك أمك بصدرها الحنون .. والقينا عصا الترحال .. هنا .. عشنا أياما واسابيع على أمل العودة حتى استحالت افراحنا اتراحا وايامنا مآتم  ..

وفى ليلة كتلك التى خرجنا فيها من يافا خرجت أمك من هذه الخيمة بعد ان تخطفتها يد المنون ، خرجت بعد ان ودعتك بقبلة طبعتها على جبينك الصغير .. وهى كل ما ملكت .. وواريناها التراب ووارينا معها غضاضة وجه والدك .. فصرت لا أراه الا

ساهما ، ولا ألفيه الا مطرقا بوجهه بين يديه ، فاكتهل شبابه .

وفى صباح جمعة اجتمع لديه فى هذه الخيمة صديقان ، لم يلبثوا ان ودعونى وطبعوا على جبينك ثلاث قبلات ، ومشوا يتصفحون وجوه الرزق وجها وجها .. ووصل بهم المطاف الى العراق حيث اتجهوا إلى الكويت .. بلد العمل والبترول ..

وهناك على ما أسموه بالحدود .. وقف بعض الجنود وحالوا دون دخولهم وأية حدود هذه التى يعنونها ؟ انها اسلاك شائكة وضعها الانجليز كما وضعوا تلك التى تقف حائلا بينك وبين شجرات البرتقال .. أجل ياولدى انهم فى كل مكان ، ومكرهم فى كل بقعة .. يسفكون الدم ويلغونه كما يغ الضباع دماء فريستها ووالدك .. هل تعرف ماذا عمل ؟ لم يرجع فيسلم روحه وقلبه هذه الخيمة المترجحة ، بل آلى على نفسه أن يستقبل الموت ولا يستدبره ، وان يقطع الصحراء الشاسعة الى الكويت مشيا على الاقدام أو يموت دون ذلك ألم تسمع يا ولدى شاعر شباب فلسطين الشهيد (( عبد الرحيم محمود )) الذى استشهد وهو ينشد ويتغنى بعظمة أبناء شعبه وكبريائهم :

شعب تمرس فى الصعاب

  ولم تنل منه الصعاب

لو همه انتاب الهضاب

  لدكدكت منهـ الهضاب

متمرد لم يرض يوما

  أن يقر على عذاب

عرنينه بلغ السماء

  ورأسه نطح السحاب

أبوك واحد من هذا الشعب الابى مشى واصدقاءه حتى كلت أرجلهم عن المشى وزحفوا حتى سئموا الزحف ، وقضوا أياما وليالى يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء .. لا يجدون ما يتبلغون به .. واسلم والدك الروح بعد أن أوصى بك خيرا .. فتحدى الموت الصديقين مرة ثانية ، فاختطفت يده احدهما ، وعاد الاخير مع مارة من البدو ..

.. وهنا تلفتت الى صديقى الذى كان لا يحول بصره عن طارق .. وقالت : اليس كذلك يا عارف ؟ .. لقد كنت معه !

فأجاب عارف بدمعة سكبها على روح والد طارق .. أما طارق نفسه فقد نام بقية تلك الليلة قرير العين .. لقد عرف غريمه وعرف كيف ينتقم منه .. أما أنا فقد أفقت من غمرة تخيلاتى عندما سمعت صديقى يقول : لم يتبق للفجر الا ساعات .. وفى الصباح رأيت طارقا يحدق بناظريه الى الافق البعيد عله يرى ما تخبئ له الايام .. ولست أشك فى أن أمورا كثيرة تعتلج فى صدره ، ومر صديقى من باب بيتى وقال :

لم يعد طارق بحاجة الى قصص جديدة تلقنه أياها جدته ، ولم يعد بحاجة الى تعبئة ، طارق وكثيرون من أمثال طارق .. وكلنا طارق ، لقد وصلت القلوب الحناجر . وملت شجيرات البرتقال صفقاء الوجوه .. فكلنا يردد : اما فلسطين واما الفناء

اشترك في نشرتنا البريدية