. برنامج الاطفال فى اذاعتنا حدث جديد جميل فان استهواء الطفل وهو ناعم الاظفار الى المطالعة وحفزه الى الكتابة ودعوته الى التأمل ومشاركة الكبار فى التفكير والتدبير هو امر من الاهمية بمكان . فالانسان اذا كان صغيرا . يكون اشبه شئ بالغرسة الصغيرة تنمو بما تسقاه وتتغذاه ، وأشبه شىء بالوعاء يحمل كل الغلال فان وضعت به طيب الغلال نفع وكان
شيئا مفيدا ثمينا . . وفي برنامج الاطفال تكملة للدراسة المدرسية وايقاظ للافكار ومجال للتنافس بين الصغار في الاجادة والوعى والخطابة والانتاج وهذا توجيه حميد سديد فما احوج جيلنا الصغير اليوم فى هذا العالم المتلاطم الى اخذ هذه الاهبة منذ الصغر والتأهب بهذه
العدة منذ نعومة الاظفار حتى اذا كبر وشب وانتهى من مرحلة التعليم يكون شجاعا في قول الحق . عارفا بما بحسن ان يأخذ وما يحسن ان يذر . فاهما لاساليب الحياة المتعقدة مستوعبا لوجوه الاصلاح المنشودة . خبيرا بقيادة السفينة التى وضع على عاتقه قيادتها اية كانت هذه السفينة وايا كان حجمها واية كانت اهميتها . .
سفنا هذه المقدمة لندلل على اهمية
مشاركة الصغار للكبار فى الاذاعة ضمن برنامجهم الجديد فى محطة الاذاعة . ولنا غرض اخر نهدف اليه هنا نريد ان نوجه اليه من يشرفون على هذا الركن الصغير فى مظهره العظيم فى مخبره . فمثل الطفل الصغير مثل الانسان الكبير والانسان انسان ايا كان طفلا او يافعا او شابا او كهلا او شيخا فهذا الاستعداد الفطرى فى الطفل الصغير هو الذي يجعل الأهمية القصوى لتربيته وتثقيفه حتى يكمل تهذيبه واستعداده حينما يبلغ مبلغ الرجال . وقد قال حكيم فى الانسان منذ قديم الأزمان :
اتزعم انك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر ؟
والهدف الذي سقنا من اجله ما سبق يتمثل فى ان من واجب المشرفين على برنامج الاطفال ان يلاحظوا وهم يتحدثون الى الاطفال واجبا قيما هو رفع مستواهم تدريجيا وبصورة غير ملحوظة جيدا . الى اللغة العربية الفصحى . يقحمون التعابير الجيدة الجميلة اثناء حديثهم باللهجة العامية . ويحشون الجمل الفصحى في الجمل العامية حشوا مبسطا محببا . وبذلك يسمون تدريجا بذوق الاطفال . من غير ان يكون لدى هؤلاء ملل ولا استثقال
ولا تجاف عما يسمعون .
أما ان يتحدث المتحدث الى الاطفال بكلام كله عامي ليس فيه شئ من الفصاحة ولا من الصحة . فهذا وان كان يؤمن جانب تشويق الاطفال الى برنامجهم هذا فاني لا ارى فيه كل الترقية المطلوبة لمستواهم الفكرى والبياني والذوقي . فان ما يسمعونه والحالة ما ذكر لا يختلف في صيغه وتوجيهاته عما يسمعونه فى منازلهم
أحب أن أقول يجب علينا ان نهدف الى الغاية مع الوسيلة معا في هذا البرنامج العظيم . لا أن نجعله برنامجا عاميا جافا من قبل القائم به . فى الوقت الذي يطلب منه ان يكون استاذ لبقا لمجموعة كبيرة لا يراهم من الاطفال الصغار الذين يقبلون كل توجيه صالح . وفي الوقت
الذي نسمع فيه من الاطفال انفسهم خطبا وكلمات تنحو منحي الفصحى يردون بها على طلباته ، ويجيبون بها على اسئلته . واذكر من هذا القبيل وبهذه المناسبة مؤلفات السيد مصطفى لطفى المنفلوطي كالنظرات والعبرات والشاعر والفضيلة . وما كانت تموج به من عبارات سهلة واضحة تدنو من العامية ولا يمكن ان يجهلها من له ادنى المام باللغة مهما تدلت درجة فهمه وعلمه . .
ولكن المنفلوط رحمه الله كان في اثناء ذلك يحشو هذا الكلام السهل الممتنع الواضح القريب بكلمات قحة من صميم اللغة العربية . وتجيء هذه الكلمات كالاضواء المشعة التى تبعث الروعة والجمال فى الروض الانيق المنظم المنسق . وقد كناو نحن صغار نلتهم كل هذه الكتب التهاما ونفضلها على غيرها تفضيلا . . لما فيها من جانبى التوجيه والامتاع والمؤانسة . جمال في الالفاظ .
واشراق في الاسلوب ونصاعة فى الافكار . ورونق في الموضوعات وجودة فى التعابير . وقرب من اذهان الصغار مع رفع مستواهم أحيانا كثيرة الى معارج اللغة العربية الفصحى مما كان يثير فينا اعجابا لا حد له بالكاتب العظيم وتفهما جديا لمقالاته وتقديرا صميميا لغاياته ويدفعنا إلى الاستطلاع والرجوع الى القواميس المعرفة معاني هذه الالفاظ التى يحشو بها كلامه العذب الرائع .
وكذلك نريد من المشرفين على برنامج الاطفال ان يكونوا . وليس ذلك بعسير عليهم ان شاء الله واننا لنشكرهم وندعو لهم بالتوفيق والنجاح بما اقاموه من هذه المدرسة الحديثة . . ولاعجابنا بما يقومون به من تثقيف وتهذيب شامل ادخلناهم فى صندوق الاوعية والغلال .
