بساطة قواعد اللغة العربية

Share

- ١ -

بهذا البحث العلمى المتسلسل ، يزج (( المنهل )) بنفسه غير هياب ولا وكل ، فى هذه المعمعة القلمية القائمة اليوم فى الصحافة العربية حوله ما يسمونه (( مشكلة قواعد اللغة العربية )) - ذلك لان (( المنهل )) ( وهو خادم العلم والثقافة والادب ) يرى ان من خصائصه الخوض فى المباحث العلمية الخطيرة اداءا لهمته ، وانارة لطريق الهدى امام قرائه حينما يستفحل داء التخرصات ، وتتلبد غيوم الاقاويل .                                    ( المحرر )

كتب الاستاذ حسن الشريف مقالا طريفا فى مجلة الهلال بعنوان ))  تبسيط قواعد اللغة العربية )) قال فيه عن هذه اللغة انها مترهلة الجسم ، مطربة التكوين والقواعد ، فهى اذن من اعقد اللغات واعسرها ، ولذا لا يفهمها الا كل مغوار جبار ، بخلاف لغات اوربا فهي رشيقة القوام تامة الانسجام والنظام حسنة الهندام ، فهى لذا سهلة بسيطة ، يتمتع طالبها باستيعابها بدون اى عناء فكرى او اضاعة وقت طويل . ولهذا كله يجب ان يعمل تبسيط هام فى كيان قواعد اللغة اى نظمها واوضاعها حتى يتيسر تعلمها على الطلاب

هذه خلاصة نظرية الاستاذ في مقله ؛ اجملناها اجمالا جامعا . وانا لقد طالعت هذا المقال بكل ما امتلك من قوة تفكير ، ودقة ملاحظة واحتفال وصممت على ان اطالعه مطالعة المتأمل المتزن ؛ فان رأيت حقا شدت به شاكرا ، او جنفا نبهت اليه غير متحامل ، ذلك لان الموضوع الذى طرقه الاستاذ ، هو موضوع

علمي له خطورته على مستقبل جزء عظيم من حياتنا الفكرية ، انه يتعلق بلغتنا العربية فى جوهرها ، وبنائها ، وقواعدها الاساسيه ، فهو بحث فى الاصول لا فى الفروع وتأثيره - لاجل هذا - عميق على القراء المختلفى الانظار ؛ والاتجاهات والمعلومات لانه دعوة الى التبسيط والتجديد والتيسير ؛ وهذه الدعوة مبنية على الملاحظات والانتقادات التى أوردها الاستاذ كدلائل لاضطراب قواعد اللغة وترهل جسمها مما يدعونا الى اجراء عمليات رياضيه جديدة لترشيق قوامها ، فما نراه مرهقا من قيودها حذفناه بجرة قلم ، وما رأيناه غير متمش مع المنطق القويم عدلناه تعديلا حديثا والاستاذ مشكور لاستثارته العزائم المتقاعسة ، والهمم الراكدة ، الى البحث فى اللغة العربية ، وقواعدها الاساسية من حيث البساطة والتعقيد ، والعسر واليسر والتعديل والمحافظة الى غير ذلك من المباحث الحية التى فى اثارتها افادة الاذهان ورفع شأن هذه اللغة ، واحياؤها ولو من طريق غير مباشر ، بتوجيه انظارا ابنائها الى قواعدها التى تضافرت عليها العوامل الداخلية والخارجية حتى أنهكتها وأوشكت أن تظهرها فى مظهر التراث العقيم الذى لا لزوم لامتثاله فى سمو الادب وسمو التفكير ، وسمو الاسلوب !

ونحن لو نظرنا نظرة اجمالية الى مآل عنوان مقال الاستاذ من غير الدخول معه فى التفصيلات التى اقترحها ، لقلنا : انه مطلب مجيد سام ، فاللغة كائن حى وتقدم حياتها يتمثل فى تعاهد طرق دراسها وكتب دراستها بالتبسيط والتيسير والتنظيم . ولا نقول . ان كل شيء في هذا النحو قدتم ، فالنحو بذاته تبسيط للغة وتنظيم لحلقاتها الذهبية ، فى عقد رياضى زاهر ، وطريقة التبسيط مفتوحة على مصراعيها ، ومنذ ان وجد هذا النحو فى هذه اللغة ما انفك علماؤه يعبدونها ، رتلا بعد رتل ، وكوكبة بعد كوكبة . . دونك (( الكتاب )) لسيبويه ، طالعة ، وقارن اسلوبه فى تقرير القواعد واستعراض المسائل ، وسوق التعريفات ، بكتاب (( المفصل )) للزمخشرى ، و (( التوضيح )) لابن هشام تجد البون شاسعا بينهما فى التبسيط

وتجد نفسك أميل لمطالعة (( المفصل )) و (( والتوضيح )) ، واكثر استيعابا وفهما لما يقررانه من البحوث ، بالنسبة للكتاب . وهكذا دواليك الى العصر الحاضر ، فالفية ابن مالك فى النحو ، مثلا تجد أبسط منها وأيسر كثيرا ، واقرب الى ذهنك ، الفية استاذنا الشيخ محمد الطيب الانصارى وكتاب الشذور لابن هشام أبسط منه كتاب النحو الواضح للاستاذ الجارم ، وكتاب النحو الواضح ابسط منه كتاب النحو الجديد ، ولا يزال المفكرون ينتظرون كتابا ابسط واجمل واكمل من كتاب النحو الجديد .

فالتبسيط والتيسير يجب ان ينحصرا تجاهما الى اسلوب التأليف وطرق دراسة القواعد المقررة قديما بادخالها فى قالب مستعذب حديث . وقد لاحت بواكير هذا الاتجاه ، والحمد لله ، واملنا ان تظل الجهود المبذولة فيه متقدمة موفقة وسائرة الى الامام .

إذن فما دعا اليه الاستاذ في صلب مقاله من تبديل قواعد اللغة ، وقلب اوضاعها رأسا على عقب ، وبتر الكثير من اجزائها وجزئياتها ، وكلياتها هو ليس تبسيطا ، وانما هو تخريب وتعقيد ؛ وادخال اللغة فى جو خانق من الانحلال ! ! اليس نتيجة بحثه ، وخلاصة تقريره فى تبسيط هذه اللغة جعلها لغتين إثنين لغه قديمة من حقها ان تهجر ، ولغة حديثة من حقها ان تستعمل ، للغة القديمة المهجورة بما فيها من نحو وأدب كيانها الخاص ، واللغة الحديثة المحتضنة بنحوها الحديث كيانها الخاص ؛ لا تمت للغة الحديثة ولا نحوها الجذاب الى اللغة القديمة بسبب ولا نسب ، الا كما تمت العربية القديمة نفسها الى السريانية والعبرانية ! ! ! فأى هو هذا التبسيط والتيسير أحل الشئ المرتبط وتعديد الشئ الواحد يعد تبسيطا له ؟ أم انه تقسيم له وتعسير ؟ ! وايهما بسط وايسر فهما قولنا : هذا اربع ارباع أم قولنا : هذا واحد ؟ !

ولا شك ان نهاية هذه اللغة العربية الفصحي ستؤل حتما الى الانقراض ان نحن اخذنا بوجهة نظر الاستاذ ، ذلك لانه اذا كان عندك شيئان من نوع واحد

أحدهما جيد جديد رائع وهو مع ذلك مفيد لك وثانيهما قديم مفكك باهت وهو مع ذلك عديم النفع بالمرة ، فانك فى نهاية الامر ترمى هذا الشئ العديم النفع الثقيل ، وتتمسك بهذا الشئ الصالح المفيد ! اليس كذلك ؟ ! !

ان النظر الى اللغة العربية ونحوها يجب ان يكون من ناحيتين : احداهما ناحية القواعد واللغة بذاتهما ، والثانية ناحية ناحية طرق تحصيلهما . فاما ناحية اللغة والقواعد بذاتهما فهى ناحية مشرقة باسمة ميسورة بسيطة ، يجب أن تبقى مصونة لصيانة بساطتها وجمالها الخالدين . وأما ناحية طرق تحصيلها فهي التي لكم الحق فى السعي وراء تيسيرها وتعبيرها دواما ؛ لتضمنوا بذلك مسايرة لغتكم المقدسة ، لمقتضيات العصر الحاضر ، والعصور المقبلة . لا بأس . حسن جدا أن تعتنوا بهذه الناحية الهامة كل العناية .

أنشئوا (( المجامع العلمية )) و (( الادبية واللغوية )) وألفوا اللجان اثر اللجان ، وبسطو كتب الدراسة ، واحتفلوا بتنظيمها ، واهتموا باقتدار المدرس ؛ وحسن تدريسه وانظروا إلى برامج الدراسة نظرة فحص ، لضمانها لدراسة الطلاب قواعد : اللغة العربية دراسة حقة ، دراسة بحفظ لها مركزها السامى بين الدروس ، واستحثوا المفكرين لاستخراج كنوز هذه اللغة من قماطرها الخالدة التى بنت على كثير منها عناكب الاهمال ، إن فعلتم ذلك - وفقكم الله ! - اقتنيتم شكرا خالدا . وأجتنيتم تقديرا غاليا !

وسأقول هنا كلمة حق ، لا مجاملا للأوائل ، ولا متحاملا على المعاصرين : ان المثل العالى فى كتب القواعد النحوية قد وجد فى العصور الخوالي بالنسبة للاجيال الغابرة ، أما فى جيل هذا العصر فالى اليوم لم نجد ذلك المثل العالى فيما ألفه المعاصرون لطلاب المعاهد الحديثة من كتب النحو نقول هذا القول بالنسبة لتقدم العلوم - غير النحو - فى هذا العصر !

وهذا القصور فى إنهاض علم القواعد يعود - ولا ريب - إلى إهمالكم شأن لغتكم الكريمة ؛ متمثلا أعظم قسط من هذا الاهمال فى كفة (( النحو ))

ولقد استيقظتم - يا قومنا - أخيرا ونظرتم ذات اليمين وذات الشمال فألفيتم تعليما ضعيفا لايكاد يثمر ، فى هذه القواعد فقزعتم وقلتم : ما دامت المعاهد تدرس القواعد على الطرق الحديثة المقررة ؛ وما دامت نتاج هذه الدراسة بدت فى هذا الثوب المهلهل ، من الضعف والقصور ، فالقواعد إذن عسيرة لذاتها ! وما بقواعد لغتكم لذاتها عسر ولا تعقيد ، وإنما تخلفها الذى تلاحظونه فى طلابكم منشؤه الاول والاخير انكم لم تتعاهدوا طرق دراستها بالتنظيم ؛ ولم تحتفلوا بها الاحتفال القويم ، فانشلوا أسباب دراستها الحديثة من هذا الوهن الداخلي ؛ تثمر لكم أشجارها المخضرة الزاهرة أشهى الثمار وأعبقها !

هذه كلمة جري بها القلم ، سقناها كتمهيد للقراء ليقبلوا بمجامع أفكارهم النيرة على تأمل مناظرتنا للاستاذ حسن الشريف ، فيما أدلى به من آراء ازاء اللغة العربية وازاء قواعدها ، وسيكون قوام مناظرتنا مع الاستاذ الانصاف والاتزان ، ونشدان الحق ، والاصاخة للحقيقة ، والتقاط الحكمة واجتناب الهوى فان الهوى هوان ، فيقول مستمدين من الله التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية