عرفت حضرة صاحب السمو الملكي الامير سعود ولى العهد المعظم منذ عشرين سنة خلت ، يوم زار سموه مصر أول زيارة احتفلت لها تلك المملكة كل الاحتفال ، كما احتفت بها كل الحفاوة . فى ذلك العهد الناضر السعيد المشرق ، تعرفت أول ما تعرفت الى شخصية هذا الأمير العربى الجليل الذي بدأ أسمه الكريم يتداول الاسماع ، مقروناً باسم والده الباسل المجاهد العظيم ولقد كنا نتطلع فى وجه سموه الى سمات والده الذي اشرق اسمة فى سماء الجد كما أشرق عمله فى آفق الحياة ، فماذا كنا نرى فى مخائل هذا الأمير الذي لم نكن نعرف عن سماته اكثر مما تداولته الانباء المتضاربة فى تلك الظروف المتباينة ؟ ! لقد كان سموه اذ ذاك ، فى اقتبال الشباب الباسم النضير ، وكنت قد يخطيب سن الطفولة إلى استقبال حياة العلم وانثقافة ، والى ممارسة مايمت اليها بصلة من شؤون المعرفة والصحافة فكنت كبير الشغف ، لا برؤية هذا الامير الجليل فحسب ولكن بالوقوف على اسرار مجده ، ومصادر عظمته ، وهو من هو فيما عرف عنه وذاع من سير البطولة وعلو الهمة ورفعة المكانة ، واخذت أجمع المعلومات القريبة من الافواء الى جانب المعلومات التى استنتجتها من سماته ، واستخلصتها من صفاته ، وكتبت عنها بعض ما اتسع النطاق لكتابته فى الصحف ، حتى قدر الله بعد ذلك أن أتشرف بالاتصال بسموه اتصالاً أقرب من ذلك الذي كان في مصر ، بين ضجيج المتدافعين حوله والمتزاحمين ، من كبار الشخصيات وغيرهم .
تشرفت بعد ذلك بالقرب من سموه فى مناسبة ثم أخرى فرأيت فيه ما رأيته في المرة الاولى ، والنظرة الاولى ، ولا أقول كما يقول الآخرون : إنني
ازددت اعجاباً به المرة بعد المرة ، فقد كانت صفاته المحببة ، وميزاته الموهوبة من الوضوح بحيث لم تخف على اللبيب ولا غير اللبيب ولم تخف عني من أول نظرة فهذه سمات الرجولة التى تؤيدها بسطة الجسم وبسطة العقل ، أول مظهر من مظاهر الإمير الجليل واروع صورة من صوره الواضحة ، وان ابرز ما يشرف الامير ويبهر النظر من سماحة مجياه ، أنك ترى فيه من أول وهلة صورة أبيه العظيم وإنها كذلك خلقاً وخلقاً . فاذا أنت أمسكت بصورة الأمير " سعود " فى حاضره وامسكت بصورة والده وهو في مثل سنه . لا تستطيع ان تميز بين الصورتين لوحدة الشبه فيهما ، زد على ذلك وحدة الشكل فى صور تيهما بصفة عامة رغم تفاوت السن في حالتهما الحاضرة .
والإمير سعود كما هو صورة صادقة من جلالة أبيه في خلقه وخلقه قد منحه الله صفات من الخلق الكريم جعلت القلوب تلتف حوله وتعقد الخناصر على محبته وتقديره فهو الى جانب مهابة طلعته مشرق النفس تكاد تستشف منها الوداعة البريئة التى تعجزك بساطتها عن تقدير عظمتها فتحاربين الهيبة والدعة بل تأخذ نفسك قسط كل منهما حتى تعرف انك في حضرة عظيم من عظماء الجيل لا تستطيع وشيكا أن يحدده مصدر هذه العظمة ؛ لأن نواحيها متشابكة وأهدافها متأصلة متشكلة كادواح السرحة العظيمة المترامية .
وبعد . فأننى لست بصدد تأريخ حياة هذا الأمير المجاهد البطل ، ولست بصدد سرد صفاته ولا أعماله العامة فى حياته الحفيلة الماضية ، ولكنها عجالة صغيرة حاولت فيها الالمام بطرف عن "الأمير سعود " كما عرفناه . أما حياته العامة أو حياته الخاصة ، أو سيرته فى أعماله او تاريخ حياته ، فتلك تضيق عنها مجلات وصفحات ولا تتسع لها كتب ولا مجلات ، وحسبي ان اضع سجل الزمان ، وحافظة الجيل ، مصدراً لحياة الأمير وتاريخه ، واعماله وصفات بطولته ورجولته ، ففي ذلك المصدر سيكون السجل الاكبر الخالد لتسطير سير البطولة الرائعة ، وسيسقي من ذلك " المنهل " الكرام الكاتبون ، كلما ارادوا قبساً ينير طريق المجد لابناء جيلهم ، وأنه لكذلك إن شاء الله .

