بنو سليم في ماضيها وحاضرها, الحلقة الاولى

Share

الاستاذ عبد القدوس الانصاري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد . . ايفاءا بالوعد الذى اقتطعته لنفسي وقبلتموه ووعدت به قراء مجلة " المنهل " السيارة اقدم اليكم الحلقة الاولى من تاريخ بني سليم فى القديم : والحديث واني أرجوكم الاطلاع عليها وقراءتها نشرها وادوص ثم لامر فى نهايبها والتعليق عليها ثم نصحى بما يساعدني : على اكتمال البحث وتوجيهى بكل ما ترون فما عهدناك يا أبا نبيه الا ناصحا ومرشدا : ومربيا للجيل والشباب الناهضين ولكم أجمل تحياتي وتمنياتى بطول : العمر والسعادة

المقدمة :

التاريخ معرفة من أعظم المعارف . ومن تيسر له الاطلاع على فصوله ودرسه دراسة جدية . وتعمق فيه تعمق الباحثين المنصفين فكأنما عاش فى أحداثه وساير ركبه .

ونحن العرب أمة من أعظم الامم بل وأفضلها . لها تاريخها ومجدها وأدبها وعلمها الغزير وحضارتها الجمة الغنية بالمعارف والعلوم . وللعرب عناية خاصة بالتاريخ لم تتيسر لغيرهم . فانه وان لم يعرف مدون للتاريخ العربى قبل الاسلام فان العربى يسجل تاريخه واحداثه وخواطره بالشعر فشعر العرب سجل حافل بتاريخهم ان الشعر العربي هو ديوان العرب كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد اوصى بتعليمه . ولما أتى عصر التدوين بداوا بتسجيل تاريخهم وعنوا بذلك عناية فائقة فلم نر أكثر وأعظم مما دون فى التاريخ العربى والاسلامي . فكتبه عديدة غزيرة بالمعارف والآداب . وللعرب عناية بعلم الانساب وهو فرع من فروع التاريخ ، ولعلها المزية التى لا مثيل لها عنذ غيرهم من الامم .

واليوم أيها القارئ الكريم أود أن أقدم لك دراسة تاريخية متواضعة عن احدى قبائل العرب الشهيرة ( قبيلة بني سليم ) فى تاريخها القديم والحديث .

النسب والموقع : تنتسب قبيلة بني سليم إلى جدها الاول سليم بن منصور من قيس عيلان وتلتقي فى لسبها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مضر فهي قبيلة مضرية عدنانية وتقع بلاد بني سليم فى الجاهلية وصدر الاسلام في المنطقة الممتدة من مساكن هوازن بالطائف الى قرب المدينة المنورة فى عالية نجد واطراف الحجاز الشرقية وفي حرتهم المعروفة في التاريخ " بحرة بني سليم " فهى قبيلة كثيرة العدد ومساكنها حصينة وطرقها منيعة لا يستطيع الاعادى سلوكها وتسلق جبالها العظيمة التى من أشهرها جبل شرورى المعروف حاليا به الشرار وقد ورد ذكره في شعرهم فهذا الاعشى السلمي يقول :

هاجك ربع من شرورى ملبد

ويقول النابغة الذبياني

كأنها بين شرورى والعمق

لواحة تلوي بجلباب خلق

فهو جبلها المنيع الذى تعتز به إذا اعتزت القبائل بجبالها وتعتز كذلك بجبلها العظيم المعروف قديما وحديثا بأسم شمنصير فهو لا يزال معروفا بهذا الاسم وهو أكبر جبالهم اليوم على الاطلاق غني بالمزارع والمياه إذ تتبع منه معظم عيون وادى ساية

وكذلك من أشهر جبالهم معدن بني سليم المعروف حاليا بالمهد أو مهد الذهب

معيشتهم : عاشت بنو سليم في الجاهلية كغيرها من القبائل العربية تسالم وقت السلم وتحارب وقت الحرب ولها معاهدات وحروب وأيام مع جاراتها غطفان وهوازن

. . وقد شهدت كثيرا من أيام العرب فى الجاهلية كيوم شعب جبلة الذى كان من فرسانه مرداس بن أبي عامر السلمي

اسلامهم : عندما ظهرت الدعوة الاسلامية فى مكة المكرمة ظلت بنو سليم فى مساكنها ولم تتعرض للدعوة وصاحبها بأى أذى اذ كانوا حلفاء لبني هاشم وقد كان يفد اليه بعضهم عندما كان فى مكة فيدخل فى الاسلام وعندما هاجر للمدينة أخذوا يفدون اليه بين حين وآخر ويسألونه ويرجعون الى قومهم معلمين ومرشدين ولكن اسلام عامة بني سليم كان قبيل الفتح عندما وفد اليه قدد بن عمار ووعده بأن يأتيه بألف فارس من قومه ثم قدم على قومه وأخبرهم الخبر فاستجابوا له وخرج بتسعمائة ولكنه توفى قبل القدوم على رسول الله بالقدم واوصى أن يتولى القيادة ثلاثة منهم على كل ثلاثمائة قائد وهم عباس بن مرداس . وجبار بن الحكم والاخنس بن يزيد فلما اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قديد سألهم عن قدد ذلك الرجل الحسن المنظر فأخبروه بوفاته ، فترحم عليه وسألهم عن تتمة الانف فاخبروه بانهم أبقوهم لحراسة حيهم فأمر باستقدامهم فقدموا ثم عقد لهم لواء احمر وجعلهم في مقدمة جيشه عام الفتح فشاركوا في الفتح وخنين وارطاس ثم استمر لواؤهم وجهادهم تحت راية التوحيد ، مع جنود الاسلام فى جميع فتوحه شرقا وغربا وشمالا .

مشاهير رجالهم : لبني سليم رجال عظام ظهرت مواهبهم اثناء قياداتهم للجيوش وعلماء برزوا في كثير من الفنون وشعراء مجيدون ناصروا دعوة الحق بأشعارهم ، كما ناصروها بسيوفهم . ومن أبرز شعرائهم العباس بن مرداس السلمي فهو سيد من سادات سليم وفارس من فرسانها المشهورين وكانت له صولات وجولات مع فارس اليمن الشهير بعمرو بن معد بكرب الزيبدى فقد

أسر عباس ريحانة أخت عمرو بن معد يكرب وليعباس ذكر كبير فى شعر عمرو اذ كان يعده من اكرانه فى الجاهلية مما دعاه الى الاعتراف بفضلهم اذ قال : " لله در بني سليم ما أحسن فى الهيجاء لقاءها وأكرم في اللزبات عطاءها وأثبت فى المكرمات بقاءها

وكذلك لمع نجمه مع ابن عمه خفاف بن ندية السلمى اذ كانا يتنازعان زعامة بني سليم ويذكر فى قصة اسلام العباس قصة طريقة هي انه كان حارسا لضمار ، صنم والده مرداس ، فسمع مناديا فى جوف الليل يناديه فقام الى ضمار فاذا صوت في جوفه يقول :

قل للقبائل من سليم كلها

هلك الانس وعاش اهل المسجد

ان الذي ورث النبوة والهدى

بعد ابن مريم من قريش مهتدى

أودى الضمار وكان يعبد مرة

قبل الكتاب الى النبي محمد

ثم فدم المدينة فأسلم وحسن اسلامه وأخذ يمدح الدعوة وصاحبها فلقد فاضت شاعريته بقصائد غرر طوال فى الثناء على رسول الله وتوضيح معالم الاسلام واظهار حقيقته وذكر بلاء قومه فمن ذلك قوله :

يا خاتم النباء انك مرسل

بالحق كل هدى السبيل هداكا

أن الاله بني عليك محبة

فى خلقه ومحمدا سماكا

ثم الذين وفوا بما عاهدتهم

جند بعثت عليهم الضحاكا

إلى أن يقول :

ما يرتجون من القريب قرابة

الارضي الرحمن ثم رضاكا

هذا مشاهدنا التى كانت لنا

معروفة وولينا مولاكا

وفي قصيدة اخرى يذكر بلاء قومه يقول :

واذكر بلاء سليم في مواطنها

وفي سليم لاهل الفخر مفتخر

قوم هموا نصروا الرحمن واتبعوا

دين الرسول وامر الناس هشتجر

وهو القائل فى مدح الرسول أعظم بيت وأصدقه :

يا خير من ركب المطى ومن مشى

فوق التراب إذا تعد الانفس

ومن شعرائهم وفرسانهم الجحاف بن حكيم السلمي وهو من شعراء الدولة الاموية ولقد كانت بينه وبين الاخطل التغلبي محاداة بالشعر ولقد أوقع الجحاف يبني بغلب وقتل منهم مقتلة عظيمة أثر قوله قالها له عند عبد الملك بن مروان الخليفة الاموي اذ قال عبد الملك للاخطل عندما وفد عليه الجحاف : أتعرف هذه فقال الاخطل نعم هذا الذي اقول فيه :

الا سائل الجحاف هل هو ثائر

بقتلى أصيبت من سليم وعامر

فأجابه على الفور بقوله :

بلى سوف نبكيكم بكل مهند

وننعي عميرا بالرماح الشواجر

وعمير هذا هو عمير بن الحباب السلمي الذي قتله قوم من بني تغلب وهو فى ديارهم فلما نعي الى قومه قالوا : نعم الرجل قتل والله بديار القدم مقبلا غير مدبر

والجحاف هو القائل بعد الأيقاع بالتغلبيين على ماء الرحوب ( وقد أسر الاخطل ولكنه وجدوه عباءة رثة فظنوه عبدا وأطلقوه ) :

أبا مالك هل لمتني او حضفتنى

على القتل ام هل لا من كل لائم

الم أفنكم قتلا واجدع انفكم

بفتيان قيس والسيوف الصوارم

بكل فتى ينعى عميرا بسيفه

إذا اعتصمت أيمانهم بالقوائم

ونذكر من مشاهير نسائهم تلك الشاعرة العظيمة التى غلبت الفحول بشعرها وحضرت سوق عكاظ وحكم لها بالتقدم عندما انشدت قصيدتها التى مطلعها :

قذى بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت اذ خلت من أهلها الدار

ألا وهي تماضر بنت عمرو بن الشريد الملقبة بالخنساء فأبوها من سادات سليم واحد سفراء النعمان بن المنذر الى كسرى وقد وفدت الخنساء على الرسول مع قومها وأنشدته من شعرها فكان يقول لها : هيه يا خناس هي يا خناس – استحسانا له  وهي التى أقامت الدنيا واقعدتها فى بكائها أخاها صخرا وقد رثته بأغلب شعرها فلقد يملك عليها حواسها فوقفت شعرها لرثائه . . تقول فى ذلك :

يذكرني طلوع الشمس صخرا

وأذكره لكل غروب شمس

فلولا كثرة الباكين حول

على اخوانهم لقتلت نفس

ومما يضاف الى محاسنها تقديمها أولادها الاربعة للجهاد في سبيل الله في موقعة القادسية ووصيتها لهم بقولها : يا بني انكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين والله الذي لا اله الا هو انكم لبنو رجل واحد كما انكم بنو امرأة واحدة ما هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم واعلموا ان الدار الآخرة

خير من الفانية . أصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فاذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها نضخوا بالخلد والكرامة فى دار الخلود والمقامة . . فلما نعوا اليها لم تزد أن قالت : الحمد لله الذي شرفني بموتهم وارجو الله ان يجمعني بهم في مستقر رحمته . نهى المثل الطيب والنموذج الصالح لكل أم ولا سيما فى عصرنا الحاضر فى حربنا  مع اليهود المعتدين

وبعد . . فسليم لها تاريخها الثرى الوفير ولها سابقاتها في الاسلام فقد ورد في الأثر ( سليم سالمها الله ) .

ويكفيهم فخرا جابز بن عبد الله الانصاري السلمي الذي روى ١٥٤٠ حديثا والامام الترمذى صاحب جامع الترمذى أحد كتب السنة الستة المعتمدة وأبو عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي الذي روى المصحف الموجود بين ايدينا عن على بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين

( للبحث صلة )

من مراجع المقالة :

١ - الكامل في التاريخ - لابن الاثير - المجلد الرابع ٢ - السيرة النبوية - لابن فشام ٣ - مقدمة ديوان العباس بن مرداس - تحقيق الدكتور يحيى الجبوري

بلاد العرب للحسن بن عبيدالله الاصفهاني ٥ - بين التاريخ والآثار للاستاذ عبد القدوس الانصارى

٦ - جواهر الادب - للسيد أحمد الهاشمي ٧ - الادب العربي وتاريخه مقرر السنة الثانية بالمعاهد العلمية .

اشترك في نشرتنا البريدية