بنو سليم في ماضيها وحاضرها, ( الحلقة الثانية)

Share

فى الحلقة الماضية كان حديثنا عن فبيلة  بني سليم من حيث موقعها ونسبها ومكانتها فى الجاهلية وصدر الاسلام وكانت بادىء الامر مستكتة فى مواطنها الاصلية ثم نفرت كغيرها من القبائل العربية تحمل مشعل الدعوه وتحمى راية التوحيد لتؤدى رسالة الاسلام وتنشرها فى كل بقاع الارض فخرجوا في الجيوش الفاتحة فى العراق والشام ومصر حيث استقر بعضهم في الجزيرة والموصل وحلب والبحرين ، وكان على رأسهم الصحابى الجليل عتبة بن غزوان السلمي الذي ولاه ، عمر بن الخطاب خراج الموصل ، وبقيت بقيتهم فى ديارهم الاصلية ثم هاجر كثير منهم الى مصر فنزلوا بالصعيد وبلاد النوبة والمغرب العربى وساكنوا قبائل البربر واندمجوا فيهم . أما من سكن منهم بلاد النوبة فظلوا محتفظين بنسبهم الى الآن ويعرفون ببنى سليم السودان

وشارك بنو سليم في الحروب والخلافات يام ابن الزبير والأمويين ، وكانوا إلى جانب الزبيريين ، ولما استقر الامر لبني أمية خذت منطقتهم تزدهر وتنمو شيئا فشيئا تى عهد دولة بني العباس حيث زادت العناية هم خصوصا وان طريق الحجاج يمر ديارهم . ومما يدل على ذلك الحجر لا نرى

الذي عثر عليه فى منطقتهم واحضره احدهم الى جدة حيث تمكن الاستاذ عبد القدوس الانصارى من قراءته ونشره فى كتابه الجديد بين التاريخ والآثار والذي كان مضمونه أمرا من الخليفة المعتصم الى واليه عيسى بن داود بعمارة طريق الحاج الذي يخترق أرضهم ، والمعروف حاليا بطريق ( درب الزاير ) . وفي ايام الانفصالات التى وقعت فى الدولة العباسية أثر ضعف سلطتها المركزية قامت لبني سليم الدولة المرداسية بحلب التى تنحدر من أسرة الصحابي البطل العباس بن مرداس السلمي والتي من شعرائها الامير الحسن بن عبد الله المعروف بابن أبي حصية وله ديوان شعر نشره المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ١٣٧٥ ه وحقق الجزء الاول منه الاستاذ محمد سعد أطلس . ويدلنا كتاب معجم المؤلفين الذي ترجم لأكبر من أربعين رجلا من بني سليم

على مكانتهم العلمية ( ١ ) ومدى انتشارهم فى بلاد الاسلام فهذا محمد بن حمدون المرداسى السلمي من أهل فاس عالم جليل مشارك في العلوم وله كتب كثيرة منها : ( النشر على مبادئ العلوم العشر )و (الاشراف على من مات بفاس من مشاهير الأشراف )وتوفى سنة ١٢٧٤ ه . وهذا محمد بن مسعود السمرقندي السلمي صاحب التصانيف الكثيرة التى تربو على مائتى كتاب وهو من أهل سمرقند . وذاك محمد بن ابراهيم بن اسحاق السلمي القاهرى المصري تولى قضاء الديار المصرية ودار الافتاء واناب في الحكم . وخرج لقتال تيمورلنك مع الناصر فرج وسقط فى نهر نهر الفرات . ومنهم محمد المرسي الأندلسي السلمي ولد بمرسية وطاف بالحجاز ومصر والشام وخراسان وتوفى بتل الزعتة فى الشام أثناء عودته قاصدا الاندلس . ومن أشهر تصانيفه : تفسير القرآن الكبير في عشرين جزءا ، و الاوسط فى عشرة ، والصغير فى خمسة ، وله غيره من المصنفات التى تجل عن الحصر ، وهكذا ذكر من السلميين . المصري والدمشقي والمغربي والاندلسى ومن بلاد ما وراء النهر وكلهم من بني سليم فلا غرابة فى ذلك فهي قبيلة كثيرة العدد والفروع

سليم في عهد الأشراف

يدلنا التاريخ على هجرة بني سليم وانتشارهم في ربوع الدولة الاسلامية شرقا وغربا حتى اعتقد بعض المؤرخين كأبن خلدون انه لم يبق منهم في الجزيرة العربية باقية ولكن الواقع يخالفه فى ذلك

اذ انه قد اعتصم من بقى منهم بحرتهم الشهيرة وجبالهم المشمخرة ذات المواقع الحصينة ابتعادا عن الفوضى وغارات القبائل التى حدثت في الجزيرة العربية بعد سقوط بغداد ، واجتياح القائد التترى ( هولاكو ) للمشرق العربي وبلاد الشام وبقوا مفصولين فى عزلة عن التيارات السياسية والفكرية . معتمدين في معيشتهم على ما تنتجه أرضهم من غلات وأقوات وخضعوا لدولة الاشراف في مكة خضوعا اسميا ، ولكنهم لم يستفيدوا منها ولم تستفد هى الأخرى منهم ، لان دولة الاشراف لم تكن ذات سلطة استقلالية وانما كانت خاضعة للمماليك ، ثم للعثمانيين ، وكان الجهل والخرافات قد عما الجزيرة كلها حتى فى مدنها العتيدة منبع الاسلام ومنار اشعاعه مع ما لها من اتصال بالعالم الخارجي وتياراته ، فكيف بمنطقة سليم البعيدة عن ذلك كله ؟ لقد أوغلت في الجهل وفشت الامية بها وساءت الحالة الاجتماعية وضاقت عليهم الدنيا وكاد يهلكهم الجوع وتسود بينهم الفوضى ، ولكن سراة القوم تنبهوا لذلك اخر الامر وجعلوا على كل قبيلة اميرا يرعي مصالحهم ويأخذ بحقوقهم ونصبوا لهم ثلاثة قضاة فى الحقوق العامة يسمون ب "مسلم القانون وأوسطه ومنتهاه المأمون" ولا زالت هذه البيوت يتوارثها الابناء عن آبائهم ، ثم جعلوا قضاة للمدر - بفتح الميم والدال - أيضا ثلاثة يدعون بالقضاة الثلاثة يتحاكم الناس اليهم في العقار والامدار ، فقد كونوا شبه حكومة دستورية تقيم النظم وترعى الحقوق وبقوا على هذه الحالة حتى أشرقت الجزيرة العربية بتجديد دعوة التوحيد على ايدى الغر الميامين

من آل سعود وابناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب فتوحدت الجزيرة العربية ، وجمع شملها ، وعادت اليها عزتها وأشرقت للعالم من جديد بعد فترة من الزمن ظلت فى انقسامات وخلافات وتأخر وجمود فكرى وحضارى .

سليم في العهد السعودي :

استقبل بنو سليم العهد السعودى بكل فرح وسرور اذ أمنت الطرق وتفتحت سبل العيش لمبتغيها ، واخذوا يغيرون من معيشتهم ويخرجون من عزلتهم ولكن بحذر ولم يطمئنوا كل الاطمئنان الى هذه المعيشة الجديدة فجعل لهم امير مكة المكرمة هو عبدالله بن يابس الحارثى ولم تلق منطقهم أى عناية فى ظل ذلك الامير لبعده عن ديارهم وكان يأخذ منهم الضرائب باسم الجهاد تارة ويأخذ الزكاة من دفعهم الى التظلم لولاة الامر بذلك ثم اتبعت منطقتهم بامارة مدركة ردحا من الزمن حتى عام ١٣٧٥ حيث انشئت لهم امارة مستقلة تعرف بامارة منطقة الكامل تسمية لها بأكبر قرية فى ساية .

مناطق ربوع بني سليم

تنقسم ديار بني سليم الى ثلاث مناطق كبيرة هى ساية ، وستارة ، وذرة - بفتح الذال والراء  بعدها هاء تانيث .

المنطقة الاولى - هي منطقة ساية . . وساية هذه واد عظيم فيه أكثر من أربعين قرية تسعى بالعيون والأبار وأعظم مزروعاته أشجار النخيل التى تفدر تقديرا مبدئيا بحوالى ١١٥ الف نخلة وتمور . الوادى من اعظم أنواع التمور وجودها فى العالم ،

وهي ذات لون ابيض (٢ ) ناشف الصلصال. ويزرع بها جميع الخضراوات بدون استثناء ومن الفواكه : الموز والليمون . ولوادي ساية ثلاثة فروع كلها مليئة بالقرى والمزارع الحديثة وهي وادى شوان - بضم الشين - ، ووادى الشبعان ، ووادى وبح - بكسر أوله واسكان ثانيه بعده حاء مهملة - ، وعاصمة المنطقة هى الكامل مقر الامارة وجميع الدوائر الحكومية : المحكمة والبريد واللاسلكى والصحة ، والعمارة الحديثة التى بنتها وزارة المعارف وجعلت مقرا لمدرسة الكامل الابتدائية والمتوسطة التى افتتحت قبل عامين . ومبانى قرية الكامل هي الدور المبنية بالحجارة والطين ثم الحصى ثم الاسمنت المسلح فى المبانى الحديثة .

وبوادى ساية وفروعه ثمانى مدارس ابتدائية اولاها مدرسة المثناة التى أسست عام ١٣٧٦ ه ولها دور لا ينسى فى توعية المنطقة وانهاضها اذ انها ثانية مدرسة تفتح في ديار بني سليم ، ومعظم المدرسين حاليا في مدارسها هم من خريجي تلك المدرسة . وزميلتها مدرسة ستارة التى أسست بقرية السليم عام ١٣٧٥ ه . وبدار بني سليم عامة اثنان وعشرون مسجدا بنتها وزارة الاوقاف موزعة على كبريتات قراها المزدحمة بالسكان .

وسكان وادى ساية وضواحيها يقدرون بثلاثين الف نسمة ، ويشتغلون بالزراعة والتجارة والرعى الا أننا نرى حرفة الرعى قد بدأت تنخفض شيئا قليلا فى حين توا

حرفة الزراعة ضمو مطردا . واجور العمال مرتفعة جدا الأ تصل الى عشرين ريالا فى اليوم . ونرى منهم اقبالا شديدا على التعليم حتى الكبار تركوا اشغالهم وبدأوا يتعلمون فى المدارس الاولية . وتستقبل مدارس جدة ومكة منهم سنويا اعدادا ضخمة يواصلون بها تعليمهم فيوجد على سبيل المثال في معهدى جدة ومكة العلميين ما يزيد على سبعين طالبا غير الموجودين في المتوسطات ومعاهد اعداد المعلمين

ووادى ساية هذا هو المعروف في كتب الادب بوادى امج ، وقد ذكره ياقوت الحموى فى كتابه معجم البلدان اذ يقول : " ساية : اسم واد من حدود الحجاز وهو يجرى فى الشذوذ مجرى : آية وغاية . وقبل ساية واد يطلع عليه من الشراة وهو واد بين حاميتين وهما حرتان سوداوان بها قرى كثيرة مسماة وطرق من نواح كثيرة وفي اعلاها قرية يقال لها الفارع الى ان يقول : وفيها نخيل وموز ورمان وعنب ، وأصلها لولد على بن ابي طالب وفيها من افنا الناس وتجار من كل بلد كذا قاله عرام فيما رواه عنه الاشعث . وقال ابن جنى فى كتاب هذيل لقد قرأته بخطه . شمنصير جبل بساية ، وساية واد عظيم به اكثر من سبعين عينا وهو وادى امج قال مالك بن خالد الهذلى

بودك اصحابي فلا تزدهيهمو

بساية اذ دمت . علينا الحلائب

هكذا روى لنا ياقوت الحموى ان الفارع قرية فى أعلى ساية . وما زالت تعرف بهذا الاسم الى اليوم وبها مدرسة ابتدائية ويقول : ان فيها تجارا من كل بلد . . وما يزال فيها كثير من الحضارمة يمتهن التجارة وغيرهم من عشائر حرب الذين امتزجوا مع سكان هذه المنطقة . . هذا ولم يكن لأحد من القبائل اى سيادة على بني سليم فى أى عصر من العصور بل العكس هو الذي حدث فقد دخل وتحالف مع بني سليم غيرهم من عشائر حرب وما زالوا وقد أخطا كاتب المقالة المنشورة في كتاب المطالعة السعودية للسنة السادسة الابتدائية عن قبائل المملكة العربية السعودية اذ ذكر فيها ان قبيلة حرب عندما هاجرت من اليمن وانتشرت فيما بين مكة والمدينة وأخضعت القبائل التى كانت تسكن فى هذه الجهات كمزينة وبني سليم فاندمجت فيها وان كانت عدنانية الاصل اه . فان شيئا من ذلك لم يحدث وربما اعتمد الاستاذ كاتب المقال المشار اليه على اقوال مزورة وغير صحيحة وان الواقع يخالف ذلك تمام المخالفة .

والله الموفق الهادى الى سواء السبيل

( جدة ) - للبحث صلة

اشترك في نشرتنا البريدية