بقلم الاستاذ :
ناجي الطنطاوى
فى التاريخ الاسلامى أمثلة شيقة رائعة على سمو العقيدة ، وقوة الايمان ، والاخلاص لمبدأ الحق ، وفيه مواقف نبيلة تدل على مدى تغلغل الاسلام في حنايا النفوس ، ومخالطته شغاف القلوب لا يصده صاد ولا يحول دونه حائل من صلة وصداقة ، ولا من نسب وقرابة ، مصداقا لقوله تعالى : (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم ) فكان الرجل منهم اذا دخل في الاسلام وشعر بحلاوة الايمان ترك أمه وأباه ، وهجر ابنه وأخاه ، وابتعد عن أقرب الناس اليه وألصقهم به في سبيل العقيدة .
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية أن عبدالله بن أبى كان رأس المنافقين الذين ناصبوا الاسلام ورسول الله ، العداء . وكان ابنه عبدالله من فضلاء الصحابة وخيارهم ، جلس يوما الى النبى صلى الله عليه وسلم ، فشرب النبى صلى الله عليه وسلم ماء ، فقال له عبد الله : بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبى
لعل . الله يطهر بها قلبه ؟ قال عبد الله هذا القول حرصا منه على الهداية لابيه ، لانه يحبه ويريد له الخير . . فأفضل له النبي صلى الله عليه وسلم في الاناء فأخذ فصلة الماء وذهب بها الى أبيه يحدوه الامل ويستحثه الرجاء لهدايته ، فقال له أبوه ما هذا ؟ قال هي فضلة من شراب النبى صلى الله عليه وسلم جئتك بها تشربها لعل الله يطهر قلبك بها .
ولكن الاب الذى ران الضلال على قلبه ، وغشيت عينيه غشاوة من الجحود حالت بينه وبين رؤية الحق . قابل هذا الموقف النبيل الذى دفعت ابنه اليه عاطفة النبوة الحانية الصادقة بخشونة وفظاظة . ورد على ابنه بسفاة بالغة وبذاءة مقيتة قائلا له : فهلا جئتنى ببول أمك فانه أطهر منها ؟! وكانت مفاجأة لم يتوقعها الابن الشفوى
هذا الأب السفيه الجافى الفظ ، فأخذ الغضب منه كل مأحذ . ورجع الى النبى صلى الله عليه وسلم قائلا له : رسول الله الا أذنت لى في قتل أبى ، ولكن الرسول الكريم بحكمته البالغة ، وحلـــــىــــــه وسعة صدره أجابه بقوله : بل ترفق به وتحسن اليه . . فكان
هذا التوجيه النبوى الكريم مصداقا لقول الله سبحانه في وصف المؤمنين : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) .
ويذكرنا هذا الموقف من الابن نحو ابيه ، بقصة الصحابى الجليل أبى حذيفة الذى كان من السابقين الى الاسلام ، وهاجر مرتين الى الحبشة مع زوجته سهلة وهاجر الى يثرب ،
وشارك في بعض الغزوات ، وخاصة في غزوة بدر الكبرى ، وأبلى فيها البلاء الحسن ، وكان أبوه (( عتبة بن ربيعة )) من كبراء قريش ، وشهد بدرا ، وكان فى صفوف المشركين ، وكان ضخم الجثة ، عظيم الـهامة ، وقاتل قتالا شديدا مع زعماء قريش الذين كاىـــــوا يكنون للاسلام أشد العداء ويريدون القضاء عليه . . ولما رأى ابنه أبو حذيفة هذا الموقف منه دعاه الى المبارزة ، وكان يزيد أن يقتله ويخلص المسلمين منه ويريـحهم من شره ، ولم تقف عاطفة البنوة حائلا بينه وبين ما يبتغيه ، ولم ينظر اليه على أنه أبوه الذي ولده ورعاه ، ولكنه نظر اليه على أنه عدو من أعداء الاسلام وطاغوت من طواغيت الكفر يجب قتله وابعاده عن طريق الدعوة الاسلامية ، لأنها دعوة رسخت فى أعماق
فؤاد الابن وخالطت شغاف قلبه ، وطغت على كل عاطفة أخرى تعترضها وتقف في سبيلها ولكن النبى صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك ومنعه فامتنع استجابة منه للأمر الكريم وما كان له أن يخالف عن أمره فيما يأمر به وينهى عنه . . وكانت النتيجة أن الاب العاتى الظالم لقى مصرعه فى تلك الغزوة فقد أحاط به على بن أبى طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث فقتلوه . ولما انتهت المعركة بانتصار
الحق على الباطل ، أمر النبى صلى الله عليه وسلم بنقل جثث قتلى المشركين والقائها فى قليب ( بئر ) مهجور قريب من ساحة المعركة ونظر الابن الى جثة أبيه تسحب لتلقي في القليب . فتغير وجهه وظهر عليه شئ .
فلحظ النبى صلى الله عليه وسلم ذلك منه فسأله قائلا : ( يا ابا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ ؟ )
فقال الصحابى الجرئ بلهجة صادقة : لا والله يا رسول الله ، ما شككت في أبى ولا فى مصرعه . ولكن كنت أعرف منه رأيا وحلما وفضلا ، وكنت أرجو أن يهديه الله للاسلام ، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجوه أحزننى ذلك . . فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بخير ، وقال له خيرا .
ومن الأمثلة الرائعة على قوة الايمان ، ورسوخ اليقين ، وثبات العقيدة ، قصة ( حنظلة ) الذى كان يسمى ( غسيل الملائكة ) فقد كان جنديا من جنود الله ، وبطلا من أبطال الاسلام ، وكان أبوه الخائن ( أبو عامر الراهب ) زعيما من زعماء الأوس فى الجاهلية فلما جاء الاسلام جاهر بالعداوة له وكان قلبه الاسود يفيض حقدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغادر مع رجاله المدينة الى مكة وراحوا يحرضون المشركين على قتال المسلمين به أحد ، ووقف بين الصفوف ونادى قومه من الأوس فى معسكر المسلمين قائلا : يا معشر الأوس أنا أبو عامر الراهب ، وأراد أن يحرضهم على الانتقال من معسكر المشركين ، ولكنهم ردوه بقوة وصاحوا به : لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق .
ولئن كان هذا الاب قد قام بدور الخائن الحاقد على الاسلام المخاصم لأهله . فان ابنه
( حنظلة ) قام بدور البطولة المؤمنة الصادقة والتضحية الخالصة الرائعة ، وبلغ من صدق ايمانه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه الخائن فنهاه عن ذلك .
وكان هذا الشاب اليافع غض الاهاب ، ناضر العود ، خاض المعركة في ( غزوة أحد ) صبيحة ليلة زواجه ، تزوج جميلة بنت أبي ابن سلول ، ودخل بها ليلة العرس ، ولما مضى ، ودخل بها ليلة العرس ، ولما مضى الليل وأسفر الصباح سمع صوت الداعى يدعو المسلمين الى الـجـهاد لاعلاء كلمة الله ، فثارت في نفسه عاطفة الايمان وعزم على الخروج الى ساحة الوغى ، فتشبت به زوجته وهى ما تزال عروسا فى الليلة الاولى من حياتها الزوجية ، وتعلقت به ، وحاولت أن تثنيه عن عزمه وان ترده عن قراره ، وقد غلبتـــــــــــــها العاطفة وحنقتها العبرة وكان فى وسع هذا
الشاب اليافع أن يستجيب لرجائها ويبقى ـا ، ولكن روحه الوثابة وحماسته الهادرة وعقيديه . نسخة حالت بينه وبين ذلك ، وأبت عليه أن يستجيب ، لنداء العاطفة ، فاقتحم الباب في جرأة وعزيمة واندفع الى الجهاد ملبيا دعوة المنادى وحمل سلاحه ومضى قبل أن يغتسل من الجنابة ، وما زال يجاهد بشجاعة ويقاتل ببطولة حتى قتل شهيدا .
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمن حوله : ( ان صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا اهله ما شأنه ) ؟ فقالت زوجته انه خرج وهو جنب قبل أن يغتسل .
وذكروا أن أباه مر به وهو قتيل ، فركله برجله في صدره بقسوة وجبن ولؤم وقال له : ذنبان أصبتهما ، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا ، ولقد والله كنت وصولا للرحم .
وقتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه خاله العاص بن هشام بن المغيرة ، وطلب أبو بكر الصديق رضى الله عنه مبارزة ابنه عبد الرحمن الذى كان يوم بدر في صفوف المشركين ، وقتل حمزة وعلي وعبيدة أقرباءهم شيبة وعتبة والوليد أبناء عبدشـمس بن عبد مناف ، كل ذلك في سبيل العقيدة الصادقة التى تفرق بين قريب وبعيد ، والتى تجعل المســــــم أخا للمسلم ولو لم تكن بينهما رابطة من نسب أو قرابة ، وتجعل المسلم يتبرأ من الكافر ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه في النسب أو قريبه .
أما نوح عليه السلام فانه لما رأى الطوفان يكاد يغرق ابنه ، غلبت عليه عاطفة الأبوة وأشفق عليه ونادى ربه قائلا : ( رب ان ابنى بن أهلى ، وان وعدك الحق وانت أحكم الحاكمين ) اهلى الدين وعدت يا رب أن تنجيهم من الغرق . وكان ابنه يظهر الايمان بلسانه ويبطن الكفر بقلبه ، وكان عند أبيه مؤمنا في ظنه ، فأخبره الله تعالى بما انفرد به سبحانه من علم الغيب قائلا له : ( يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح ) أى اننى علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت ، فرجع نوح عليه السلام الى نفسه واستغفر مما قال
في شأن ابنه ودعا ربه قائلا : ( رب اني أعوذ بك ان اسألك ما ليس لى به علم والا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين )
( الرياض )

