قضت حكمة الله سبحانه وتعالى ان يجعل هذا البيت الحرام بواد غير ذى زرع ؛ مثابة للناس وأمنا وان تهوى اليه الافئدة ابتغاء مرضاة الله واستجابة لأمره .
وتلك هي ثمرة دعوة ابينا ابراهيم عليه السلام حين دعا ربه قائلا : (( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )) .
فلقد تقبل الله دعاء ابراهيم عليه السلام وبارك حول هذا البيت ، وما زالت بركة هذا
الدعاء ولا تزال قائمة الى لسر عظيم قيام هذا البيت المباهج الدنيوية وزخارفها
يوم القيامة ان شاء لله وانه المبارك الذى خلا من جميع الفانية فلا زرع ولا ماء
ولكنه جمال آلهي جلل الوادى فكساه حلة قدسية ، تعلقت بحبها النفوس فايما مؤمن من الله عليه برؤية هذا البيت وتعلق باستاره وشرب من زمزمه
لا يعود الى بلاده الا وقد تعلق قلبه بهذا البيت هياما فتراه يحن شوقا ويذوب وجدا ، كلما اذن مؤذن الحج ونادى فى الناس للرحيل ؛ يتمنى لو كان منهم يردد معهم قول : (( لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ))
فحينما اسكن ابراهيم عليه السلام ذريته بهذا الوادى وهو غير ذى زرع طلب من ربه ان يعوضهم عن ذلك بزرع من نوع آخر هو هذه الافئدة التى تهوى اليهم كل عام فتفق ما شاء الله لها ان تنفق فى هذه البلاد ويستفيد سكانها منهم ما شاء الله لهم ان يستفيدوا ؛ وهنا ينطبق المثل العامى تمام الانطباق : (( الحجاج زرع أهل مكة ))
واذا كان الله سبحانه وتعالى جعل هذا الوادي غير ذى زرع فقد منح أودية أخرى بهذه البلاد سراتها وتهامتها . منحا عظمى من جلائل نعمه وافاض
عليها من بركاته ما تظهر آيته جلية واضحة فيما تراه فى اسواق مكة من منتوجات زراعية مختلفة قلما تجدها مجتمعة فى بلد آخر : (( وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ))
في البلدان الأخرى لكل موسم زراعة مخصوصة فمنتوجات الصيف لا يمكن ان تراها فى زمن الشتاء والشتائية لا يمكن ان تراها فى الصيف اما هذه البلاد فقد حباها الله سبحانه وتعالى وضعا خاصا اذ يمكنك أن ترى فى اسواقها منتوجات زراعية مختلفة مجتمعة فى غالب ايام السنة ذلك لان (( تهامتها )) تنتج فى ايام الشتاء ما لا يمكن ان تنتجه (( السراة )) فى الشتاء بسبب البرد وتنتج السراة فى الصيف ما لا تنتجه تهامة فى الصيف بسبب الحر . وذلك سر إلهي عظيم على مافيها من قلة فى الامطار ولكنها البركة وحدها ؛ فهل يمكن فى غير هذه البلاد ان تستثمر الحبوب اربع مرات من بذرة واحدة وبسقيا واحدة ومن مطر واحد ؟! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. أستضاف احد عشاق علم الكيمياء قرويا من المزارعين وبعد ان قام الفلاح بواجب الضيافة لضيفه سأله عن صناعته ؟ فقال : اننى ابحث عن علم الكيمياء قال له : وما هى الكيمياء ؟ اجابه بانها علم تحويل المعادن فمن تحصل على معرفة هذا العلم امكنه ان يحول النحاس الى ذهب دون عناء كبير فساله : هل توصلت الى معرفة هذا العلم ؟ قال لا ! و لكننى لازلت اواصل البحث والدراسة .. حينئذ قال له المزارع اننى انا الذى اعرف سر هذا العلم وسأعلمك اياه الآن وعندئذ ذهب الى مزرعته واتى بسنبلة منها وجاء بها الى الضيف ثم اخذ السنبلة وفركها واستخرج ما فيها من حب فاذا هو قد بلغ حفنه كاملة وقال لضيفه : هذه حبة واحدة بذرتها فى الارض فانبتها الله كما ترى وهذا نتاجها ويمكننى ان اتحصل على مثلها من نفس البذرة اربع سنابل أخرى وكل هذا لم يكلفنى عناء كبيرا هذه هى الكيمياء . فعسانا نحن ان نتعظ بهذه القصة ونعمل على الاستفادة من تربتنا الطيبة التى حبانا الله بها .
وإنا لنأمل ان يكون للنهضه الزراعية الحاضرة أثرها الفعال فى مضاعفة الجهود وتحسين الوسائل واكتفاء البلاد بمنتوجاتها واستغنائها عن الخارج وفق الله العالمين لما فيه خير البلاد وسعادتها .

