عندى نظرية اعرضها للبحث والمناقشة حول مناهج التعليم الحاضرة والغابرة ايهما أفضل فى تخريج الشباب المثقف بحق الذى لا يكتفى بالقشور الطائرة عن اللب المستقر في الاعماق من العلوم والاداب والفنون . . وهذه نظرية لا ابالغ اذا قلت انها جريئة . جريئة لا بالنسبة لواقعها فما فيها شئ هدام او طفرة مستحيلة او خطوة من الصعوبة بمكان
وانما تنصب اجراءاتها على واقع التعليم المدرسي المتواضع عليه والمقتبس منهجه من الغرب للشرق . . وتتلخص هذه النظرية فى أن طريق التعليم الحاضر بالمدارس العربية والشرقية الحديثة علاوة على ما فيه من ارهاق لاذهان الطلاب وكدح ونصب لافكارهم هو ضئيل الفائدة قليل المحصول بالنسبة لما يراد ان يرسخ من العلوم والفنون والآداب في نفوسهم . . .
ذلك ان الطالب الثانوى مثلا يتلقى يوميا عدة دروس في فنون صعبة . وبطريقة خاطفة ليس فيها الكثير من الفهم ولا الكثير من التمعن ولا الكثير من التجاوب بين عقليته وعقلية استاذه او اساتذته فهم كثر . ولله الحمد والمنة . وبمجرد أن يخرج من الدرس الى الفسحة يكون بينه وبين ما تلقاه قبيل دقائق بعد ما بين المشرقين خالدروس عنده تكليف لا رغبة . واذا
كان رغبة فان ذهنه المتخم يوميا بكثير من الدروس المتنافرة لا يستطيع بحال ان يحمل هذا العبء الثقيل بحسبه الاستماع وسرعة نقل المذكرات ثم طرح كل ذلك فى مكانه من الدفاتر والقماطر حتى يقرب موعد الاختبار السنوى حيث يرتفع ترمومتر النجاح بالحظ تارة وبالجهد المضنى أخرى وبالدروس الخصوصية ثالثة .
وبغير ذلك . رابعة وخامسة فاذا حان موعد هذا الاختبار بدأ الطالب يخرج عن شعوره الاول وفارقه النوم وزايله اللهو واعترته امواج من الشكوك والظنون والآلام والآمال والقلق والهستريا فلا يزال يرهق نفسه باستعادة القوالب التى مرت عليه طيلة السنة الدراسية مر السحاب مجدا فى ترسيب أهم المسائل
فى سطح ذهنه لعلها تكون من نصيبه فى الاختبار فاذا انتهى الاختبار وفرضنا نجاحه فذلك هو اليوم الذي يعلن فيه اعلانا عميقا صادقا الغراق الابدى لما اختبر فيه وهكذا دواليك حتى يتخرج من المدرسة الثانوية وقد كان هذا طريقه ايضافي المدرسة الابتدائية واذا وصل الى الجامعة ، ودروسها اعمق ، فانه يدخلها بسلاح مفلول ويعاني الامرين فى دراستها وقد حيل بينه وبين اكثر معلوماته فى المدارس الابتدائية
والثانوية فلا ترفده تلك الا باقل بصيص . . ويتخرج من الجامعة واكثر ما درسه بها على منهج دراسته الثانوية ويأخذ الشهادة الجامعية ويستقبل الحياة العلمية والعملية الحافلة فلا يعطي الا بقدر ما اخذ . . وهكذا يظل التعليم فى دوامة تتصل حلقاتها الاولى بالثانية إلى النهاية .
لقعد اقتبسنا هذا النظام الجامعي والثانوى والابتدائى من الغرب واقتبسناه دفعة واحدة وما اردنا ان نعيد النظر فيه وجعلنا الاختبار هو اساس النجاح ولم ننظر الى غيره مع ان الاختبار على هذا الشكل لا يمكن ان يميز ناجحا من مخفق او ساقط لانه عملية اوتوماتيكية
اتقن صنعها بعض التلاميذ اوصادفتهم الحظوظ فنجحوا وجهلها آخرون أو لم تصادفهم الحظوظ فسقطوا . والعبرة بالنجاح الحقيقي في اساس التعليم وادراك الطالب لحقيقة ما يدرس وتجاوبه مع استاذه فى الذى يدرس وتمعنه فيه وحبه له وشغفه به مما
يؤدى الى مذاكرته الدائمة ومراجعته الرتيبة حتى ترسخ مسائل العلم ونظرياته فى ذهنه رسوخا تزيده الايام اشراقا ونضرة وعمقا وسموقا وهل يتسنى كل هذا بهذه الطريقة الاوروبية المحضة التى بدأت اوروبا فى هجرها وقد سبقتها أمريكا الى هجرها ؟ . . فجعلت التعليم حرا واناطت بالمعلم تقدير هدى نجاح
الطالب . . وسقوطه . بمعلوماته عنه اثناء دراسته وباعطائه الشهادة العليل اخيرا على اساس هذه التقديرات من الاساتذة وهذه الطريقة قد قرأت عنها في كتاب لأمير بقطر عميد الجامعة الامريكية بالفاهرة حيث قال ان امريكا قد قررتها اخيرا فى كثير من الوان الدراسات فزالت عن الطلاب غاشية الجهل والاستهتار
بالدراسات وعدم المبالاة وترقت معلوماتهم وعمقت وسمقت واقبلوا على مناهل العلم برغبة . وهذه الطريقة لا محالة مقتبسة من التربية العربية الاسلامية وقد فصلت تفصيلا فى كتبها واذكر منها الكتاب العجيب الرائع ( تعليم المتعلم ) . . ويا حبذا لو أعدنا النظر فى اسلوب دراسة طلابنا
على ضوء من حاضر العالم المتمدن وعلى ضوء من ماضينا الذهبى اللامع في فن التدريس . . فقد كانت لنا جامعات يدرس فيها الطب والحكمة والكيمياء والآداب وأوجدت اعلاما عالميين لهم فى كل فن حظ باهر وتخصص عجيب ظاهر فتجد الطبيب الحاذق كبني زهر وكابن سينا . .
والفارابي علامة فى الآداب والسياسة والاجتماع والدين وغير ذلك والسبب الذي اوصله الى هذا البروز فى كل علم مع التفوق فى فنه هو منهج الدراسة الذي سلكه لا محالة . . كما تجد العالم الديني أديبا من
الطراز الاول وسياسيا محنكا من الطراز الاول وكاتبا اداريا من الطراز الاول الخ . .
وعندى ان من المستحسن ان نؤلف من الآن لجانا علمية للنظر فى هذا الشأن وان نسعى بقدر الامكان الى التقليل من اهمية الاختبارات كما فعلت مصر فى عهد وزير معارفها الدكتور طه حسين اذ الغى كثيرا من الاختبارات واعتمد على معلومات
الاساتذة عن الطلاب فاعاد بذلك الى بلاد العروبة ومضة من ومضات الاشراق الاسلامي في فن التربية والتعليم الحديث وان اقتبس ذلك من مناهج امريكا الحديثة على ما يبدو لى . .
كما ان من المستحسن ان نؤسس مدارس للتعليم الحر وتحيطها بسياج من المراقبة والعناية والمغريات الدقيقة لنقايس بينها وبين انتاج مدارسنا الحاضرة السائرة على المنهج الحالي فاذا رأينا عمليا اية الطريقين اجدى
نفعا واكثر محصولا واعمق تعليما وانجح اسلوبا اقتصرنا عليها وتمسكنا بها وتركنا الاخرى فنكون بذلك قد فتحنا للعالم طريقا جديدا فى التعليم ومن سار على الدرب وصل . . ولا غرابة في ذلك فالعبرة بالاتجاه والتوجيه وبالإرادة الظافرة والعزيمة
الصادقة الطيبة التى يحدوها التوفيق على الدوام . .
وهناك روافد من طرق التعليم الحر وهي تتمثل فى تعلم كل فن على استاذ خاص لضمان التجاوب معه وتعلم مبادئ العلوم والتدرج فيها واحدا واحدا واثنين اثنين حتى لا يرهق ذهن الطالب بكثرة الدروس وحتى يوفى الى الغاية المطلوبة من اقرب طريق على أن تلاحظ ميوله وعند بروزها يوجه الى التخصص فيما سيبرز فيه
ان طبا او صناعة او علما دينيا أو دنيويا أو ادبيا لضمان اختصار الطريق وللتزود من العلوم للبلاد باوفى نصيب ولضمان وجود المبرزين لدينا ووضع حد لانصاف المتعلمين وقاصرى التعليم الذين يوجد فيهم على الدوام مركب النقص ومنهم من يرى نفسه فوق السهى مع انه ممن ينطبق عليهم قول ابي الطيب المتنبي :
ويرى نفسه الخبير بهذا
وهو في العمى ضائع العكاز
وعلى سبيل المثال لا على سبيل
الاستشهاد فان كتاب ( عصاميون
عظماء ) الذي اخرجته دار الهلال اخيرا
ضمن سلسلة كتاب الهلال يحتوى
مقالا للاستاذ عباس العقاد يتحدث
فيه عن عصامية سعد زغلول وقد جاء
في هذا الكتاب قول الإستاذ العقاد :
( وسمعت سعدا يقول غير مرة عن
فضل التعليم الازهرى يومذاك كان تعليما حرا بأفضل معاني الحرية لأن الطالب كان يختار معلمه ويمتحن معلميه قبل ان يمتحنوه . وكان هذا حقا هو النظام المتبع يومئذ في الجامعة الازهرية . فكان كل شيخ يجلس الى حلقته ليلقى درسه فى موعده وكان يتفق فى الوقت الواحد ان يلقى درس النحو أو الفقه او البلاغة ثلاثة او اربعة من العلماء ذوى الاجازات فيستمع الطالب الى كل منهم ويختار من يرتضى بعد سماعه ولا اكراه عليه لو اختار ثم عدل عن اختياره بعد حين) .
وبعد فان كل ما ارمي اليه فى
هذه الحلقة من برنامج " الأوعية والغلال " هو اعادة النظر فى مناهج الدراسة عندنا بما يوصلنا بطرق اخصر الى علم اعمق والى نجاح محقق فيما يدرسه طلابنا وابناؤنا وان لا نشكل بل نسعى الى ان نبتكر او نجدد او نعيد مجدا ذاهبا واسلوبا قويا شامخا فلا شىء اشد ضررا واقوى خطرا على من يريدون الرقي الحق ، من التواكل والتوكل على الغير والتقليد الأعمى والاستنامة الى جهود الغير وآراء الغير ومناهج الغير بدون فحص لهذه الجهود وانتقاء لافضلها واكثرها ملاءمة للبيئة والمطلب والهدف والنهضة المرجوة . والتقدم المنشود.
