على شاطئ جدة بطريق المدينة صخور طبيعية لو وجدت فى بلد من بلدان أوروبا أو أمريكا لسميت بـ ( صخور العشاق ) .. هذه الصخور تقع على شاطئ البحر مباشرة .. ويستطيع أن يستتر تحتها ..
ويستظل بظلها من الشمس المحرقة أكثر من واحد طول النهار .. ويختلف الى هذه الصخور ألوف الناس من أهل جدة ومن الجاليات الأجنبية العديدة فيها ، يقضون على الأخص نهار الجمعة بأكمله ، يستمتعون بالسباحة والتجديف ولعب الريشة الطائرة ..
ويطهون طعامهم هناك ويستمتعون بشى أجسامهم وكسب جلودهم اللون البرنزى الذى لا تستطيع كل شمس أوروبا أن تكسب بعام ، ما يكسبه المرء بيوم من أيام جدة من هذا اللون المغرى الجذاب الذى يتهافت عليه ويشتريه الحسان بأى ثمن !! ..
وفي يوم من أيام يونيو المحرقة .. أخذت بيد رفيقى الى سيارتى .. وطرت به من جدة .. ومشينا بحذاء الشاطئ .. ومررنا بقصور الشربتلى فى تلك البقعة التى كانت قبل بضع سنوات يبابا بلقعا .. وعلى فرسخ واحد من تلك القصور ترقد صخرة عاتية كأنها السفينة الطافية فى عرض
البحر .. واذ كان البحر جزرا أمكننا أن نرقى اليها بيسر ..
واذ استقر بنا المقام ، وقد كانت الشمس على وشك أن تسبح بالبحر.
قلت : ها نحن بعد عشرة أعوام نلتقى مرة أخرى .. وفى هذه البلدة بالذات التى كانت أشبه بقرية خربة حتى الى بضعة سنوات خلت .. وها هى اليوم عروس من أمهات المدن ..
حدثنى بما جرى معك . وقد افترقنا بعد أن أوشكت على الزواج اثر نصيحة أسديتها لك مخلصا أمينا ..
قال : اننى منذ ذلك اليوم وانا أدعو عليك أن يصيب أولادك
ما أصابنى ..
- وما الذى أصابك .. أننى أراك موفور الصحة .. موفور الثراء .. واسع الجاه .. كثير الأولاد ..
- اذن فاسمع قصتى : - كنت حرا طليقا .. كالطائر الغريد الذى يغنى على كل فنن .. كنت آكل ما أشتهى .. وألبس ما أشتهى .. وأسافر الى أى بلد أرغب .. وأسهر الى أية ساعة أريد.
- هذه فترة مرت بكل شاب من الشباب .. ثم ماذا ؟! ..
- ثم تزوجت أنت .. أنت الذى لم يكن يصدق كائن حى بأنك ستتزوج فى يوم من الأيام .. لأن كل لهو كان متيسرا لك .. وكل متعة كنت تملكها بكافة ألوانها .. وجئنا نهنئوك بعد حين .. كان كافيا لأن يعرف خلاله أأنت سعيد أم نصف سعيد .. أو لا سعيد قط ..
كنا نظن أن صاحب هذا القلب الكبير لن تملكه امرأة واحدة .. ولن يدور مكتفيا بأرجاء قلب واحد فقط !! وسمعنا منك عجبا .. ووجدنا دنياك تركزت فى بيت وامرأة .. وشعر كل من فى البلد أنك لست نصف سعيد .. بل سعيد سعادة كاملة حقا وصدقا !! ..
فقلت : أعلم يا أخى جنبنا الله واياك السوء .. أن ليس هنالك .. فى عالمنا الأرضى هذا .. شئ اسمه سعادة كاملة .. ثم ..
- ( مقاطعا ) اذن خدعتنا بمظهر السعادة الذى كان يطفح به وجهك ويشيع فى كل خلجة من خلجاتك .. فغرتنا المظاهر وأقدمنا على الزواج بقلب سليم .. مما جرنا ذلك الى متاعب لا حد لها ولا حصر ..
- ما رأيك أن تصبر حتى أتم مقالى .. واذا كنت لا تستطيع معى صبرا فلنفترق !! ..
- لن نفترق حتى أجد مبررا لتغريرك ..
- اذن فانصت .. فالكلام يا عزيزى فن كما أن الصمت فن .. كما أن الحياة كلها كذلك فن .. والزواج فن من أرقى هذه الفنون وأعلاها كعبا .. فاذا استطعت أن تتقن فن الحياة استطعت أن تنجح وأن تتقن فن الزواج معها ..
وآية هذه الفنون ومعجزتها أن ( تصمم ) على النجاح فى كل فن تمارسه .. وأن تحول الهزيمة الى ( نصر ) .. وأن تعيش فى الواقع .. لا فى الخيال ..
ان الزواج كما هى ( العزوبة ) . مشكلة .. وأى مشكلة !! .. فيه التزامات وواجبات .. ومشاكل يومية عويصة .. لا بد من مجابهتها ومواجهتها بشجاعة وصبر .. وأناة . وأحيانا بحزم وسرعة ..
انك تكون كأنك داخل معركة .. وهى كبرى معارك الحياة .. فاذا لم تكن معدا نفسك لدخولها .. بكافة
الأسلحة .. ومختلف الوسائل .. فشلت واندحرت !! .. والأسلحة هى مختلف ما يتحلى به المرء من فضائل وما يكتسبه من خبرة وتجارب فى أيامه ولياليه !! ..
- اذن فالعزوبة أسهل وأيسر .. اذ لا حاجة لك معها فى دخول معارك وأسلحة وتجارب !! ..
- بل بالعكس يا أخى .. أترى هذا البحر الأحمر .. هذا الذى ينعتونه بالهدوء والمسالمة .. أترى هذه الأمواج التى تتكسر على شاطئه الجميل .. ترى ما يحدث لو لم تكن هذه الأمواج كلها ثنائية .. هيا انظر .. ان موجة تحطم الأخرى ..
فلا يصل للشاطئ من هذا الموج الصاخب الهائج الا أمواج محطمة .. تتلاشى حدتها ويتزعزع عنفها ..
ويعفو زبدها .. ترى ماذا يحدث لهذا البحر لو كان كل منتوجه مدا. أو كان كل منتوجه - على العكس - جزرا ..
وهكذا الأمر فى حال العزوبة .. يندر أن تجد عزوبة نقية طاهرة خالصة .. فكل الف يفتش عن الف.
وكثيرا ما يكون الالف سيئا كل السوء .. غادرا كل الغدر .. خائنا كل الخيانة .. مراوغا مخادعا ..
همه امتصاص ما فى جيب الفه وعصره .. وتركه كقشرة الليمون
الجافة التى لا نفع فيها ولا فائدة ... العزوبة مشاكل جنسية لا حصر لها. العزوبة جدب وعدم انتاج . لأن من لا يخلف من يحمل اسمه ، معناه أنه ينتحر .. معناه أنه يقضى على نفسه بنفسه .. كمن يجتث أصله وفرعه. ثم .. كيف تواجه المجتمع وأنت أعزب ؟! .. انه يشك فى نظراتك وحركاتك وسكناتك .. يشك فى جيرتك وصحبتك وأفكارك وآرائك ..
انك توجه لناحية الجنس جل أو كل همك .. انك معرض للفضائح والإشاعات والأقاويل .. ان أية امرأة تستطيع هدم مجدك .. حين تنصب شباكها حولك .. وتلعب بعواطفك ..
- ان شر ما بك المبالغة .. كل متزوج عاش قبل زواجه عازبا ..
فهل معنى ذلك ان كل متزوج لقى ما تنعت قبل زواجه .. واذن أينما توجهت تشم روائح الجريمة والآثام والغدر .. مع أن نسبة كبيرة من العزاب لا يقرونك على هذا وأنا واحد منهم !! ..
- مكابرة .. وتغطية للموقف .. من ذا يستطيع أن يقول اننى لم أكن فى عزوبتى مكبوتا ؟! من الذى يقول أنه استطاع أن يعمل ما يشاء دون التعرض لانتقاد الأخ والصديق والجار .. وكثيرا ما يؤول الامر الى
تهديد ووعيد .. وتجنب .. ونبذ وطرد .. من الذى يستطيع أن يقول أنه واجه الرأى العام دون أن يندحر وينكسر .. ويلجأ الى التوبة والاستغفار .. والفوز من الغنيمة بالفرار .. مذموما ميئوسا مغلوبا على أمره !! ..
اذا كنا فى هذا الصعيد الحر .. وفى هذا الهواء الطلق .. نقول الحق بملء حريتنا أقول : ان ساعة عزوبة واحدة لخير من ألف ساعة من جحيم ما أنا فيه .. مهما كانت مخاطر العزوبة وكبتها وعقدها !! ..
واننى أرى أنك هاجمت العزوبة هجوما ايجابيا .. ولم تكن ايجابيا فى توضيحك فضائل الحياة الزوجية اذا كان فيها فضائل .. مع أننى أستطيع ان أعدد لك مائة من مساوئها على الأقل !! ..
- اسمع يا أخى .. كفانا واياك الشر والسوء .. سأجيب على تعليقك هذا ببعض مقتطفات من مذكراتى :
* اليوم ١١ يناير ١٩٤٦ أتزوج . فأشعر أننى أملك امرأة لى وحدى .. وأننى ملك امرأة واحدة ..
* فى ١٥ يناير أسافر مع زوجتى الى أوروبا ..
والفرق بين هذه المرة والمرات التى سبقتها شاسع واسع .. فى المرات السابقة كنت كلما تعرفت الى امرأة لا اعرف متى أكون فى قبضة البوليس .. أو فى قبضة أخيها أو
عشيقها أو زوجها ..
أما الآن .. فللمرة الأولى فى حياتى لا أخشى البوليس وأنا فى صحبة امرأة هى زوجتى ..
كنت حين أتعرف الى امرأة . . تحاول جهدها أن تجعلنى فاقد الوعى والشعور .. لتمتد يدها اما الى جيبى .. أو لتستطيع الحصول منى على أفخر أكلة أو أثمن هدية أو تجرنى إلى ورطة تلو أخرى .. تكلفنى أكثر مصروف ممكن ..
أما الآن .. فللمرة الأولى فى حياتى أشعر أن كل قرش يصرف زيادة عن لزومه يسبب لى الحساب العسير ، وكأنه يخرج من قلب هذه المرأة التى هى زوجتى .. وان أية محاولة أو التزام اجتماعى لغير ذلك يبوء بالفشل ويسبب لى متاعب وصدودا واعراضا من زوجتى الحازمة التى تغار فعلا على سمعتى وشرفى ومركزى ..
اننى بالقرب منها .. أشعر بالحنو الحقيقى غير المزيف .. بالحب الحقيقى الذى لا مصلحة من ورائه .. وأشعر بالقوة الدافعة التى تدفعنى الى الامام. الى مراقى النجاح .. الى معارج الرقى .. وبكل شجاعة أقتحم كل عقبة .. وأذلل كل صعب .. وأصل الى أى هدف ..

