بين الكلام والصمت

Share

تكلم العلماء والادباء من قديم الزمان في آفات اللسان ، ودعا كثير من الوعاظ وعلماء الاخلاق الى الاقلال من الكلام ولزوم الصمت،وحفلت كتب الصوفية بذم الكلام ومدح السكوت وقالوا انه أدعى الى الفوز والنجاة والسلامة وأوردوا الشواهد على ذلك .

وجاء قوم آخرون مدحوا الكلام وأنزلوه المقام الأول وقدموه على الصمت . ومن نظر في هذا الامر وأعمل فكره قليلا علم أن الكلام هو الأصل وأوضح دليل على ذلك أن الصمت يوصف بالكلام ولا يوصف الكلام بالصمت، وعلم أيضا أنه بالكلام لا بالصمت أرسل الله أنبياءه . وذكر الله سبحانه داود فقال :   ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) .

تذاكر بعض الادباء مرة فى مجلس أبى مسهر وتطرقوا إلى موضوع الكلام والصمت فقال أبو مسهر : ليس النجم كالقمر انك تمدح السكوت بالكلام ولا تمدح الكلام بالسكوت وما عبر به عن شيء فهو أكبر منه . وأعجبتني كلمة لبعض العلماء يقول فيها : ما اعلم في الدنيا شيئا من البيوع يستطاع شراؤه بالسكوت ولا حزمة بقل ويستطاع شراء الجنة من رب العالمين بالكلام وهو ذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .

ويقول سهل بن هارون : ان الله رفع درجة اللسان فوق جوارح الجسد وشرف منزلته على سائر الأعضاء فأنطقه بتوحيده وتمجيده فهو أداة يطهر بها البيان وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الأشياء ومعز يرد به الحزن ومؤنس يذهب بالوحشة وواعظ ينهي عن القبيح ومزين يدعو الى الحسن وزارع يحرث المودة وحاصد يذهب بالضغينة ومفصاح بمعالى الامور ودليل على ما بطن القلوب ومخبر عما بطن من الأخبار ان سألته أوضح وان استنطقته أفصح وهو رسول العقل الى السامعين وأداته التى تجمع بين مفترق الحكم .

وقال آخر : لسان المرء أنجح شفعائه وأنفذ سلاح له على أعدائه وشاهد العقل ودليله .

وكان الشاعر كثير عزة دميما ودخل يوما على الخليفة عبد الملك بن مروان فقال لما رآه: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه فقال يا أمير المؤمنين كل عنده محله رحب الغناء شمل البناء عالي السنا ثم أنشده :

ترى الرجل النحيف فتزدريه

وفي أثوابه أسد هصور

ويعجبك الطرير فترتجيه

فيخلف ظنك الرجل الطرير

فما عظم الرجال لهم بزين

ولكن زينهم كرم وخير

وقال المتقدمون : ان المرء مخبوء تحت لسانه . وفي هذا المعنى يقول يحيى بن خالد ما رأيت رجلا فط الا هبته حتى يتكلم فان كان فصيحا عظم شأنه في صدري وان كان مقصرا سقط من عيني .

وقال الشاعر

وكائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق الا صورة اللحم والدم

وهذه الاقوال التي أوردناها انما تصح في الكلام الحسن الجميل واللفظ البليغ المسدد الصائب الذى يفيض بالحكمة ويشع بالخير ، أما اللفظ السخيف المرذول والكلام الفاسد المنكر فالصمت خير منه .

قال الشاعر :

اذا أنت لم تنطق بحق ولم تقل

صوابا فعن عي لسانك فاستر

ويروى أن رجلا تكلم بين يدي معاوية رضي الله عنه فهذر فلما أطال قال يا أمير المؤمنين أأسكت ؟ فقال له وهل تكلمت ؟ ثم أقبل على جلسائه فقال أما ترون هذا يعثر في كلامه بلسانه ويعثر لسانه بكلامه ؟ ويروى أن رجلا كان يجالس الاحنف بن قيس وكان يطيل الصمت حتى أعجب به الأحنف ثم انه تكلم فقال للأحنف يا أبا بحر هل تقدر أن تمشىي على شرفات المسجد ؟ فتمثل الأحنف بالبيت المتقدم : وكائن ترى من صامت لك معجب . . .

وكان رجل في مجلس أبي يوسف القاضي صاحب الامام أبي حنيفة رضي الله عنه وكان يطيل الصمت فقال له أبو يوسف يوما ما لك لا تتكلم وتسأل عما بدا لك ؟ فقال بلى أيها الفقيه انى سائلك عن شيء . فقال سل قال متى يفطر الصائم ؟ قال أبو يوسف اذا غربت الشمس فقال الرجل فان لم تغرب الشمس الى نصف الليل؟ فتبسم أبو يوسف وتمثل بقول القائل :

وفي الصمت ستر للعيي وانما

صحيفة لب المرء أن يتكلما

وهنا يبدو لنا فضل الصمت وتظهر فائدته لأنه في مثل هذا المقام خير من الكلام لأنه يستره والكلام يفضحه ، وورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( رحم الله امرءا تكلم فغنم أو سكت فسلم ) ذلك لأن التكلم بالخير أفضل من السكوت والسكوت عن الشر خير من الكلام وقال بعضهم : أبلغ الصمت ما يكون الكلام شرا منه . وقالت الحكماء : في الصمت أمان من تحريف القول وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول ، قال أبو نواس :

خل جنبيك لرام

وامض عنه بسلام

مت داء الصمت خير

لك من داء الكلام

انما العاقل من

الجم فاه بلجام

وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : ( يا معاذ أنت سالم ما سكت فان تكلمت فلك أو عليك ) .

وذكر المؤرخون أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز قدمت عليه وفود البلاد وكان من جملتها وفد اهل الحجاز فاشرأب منهم غلام للكلام فقال عمر : يا غلام ليتكلم من هو أسن منك فقال الغلام : يا أمير المؤمنين انما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فاذا منح الله عبده لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار ، ولو ان الأمر بالسن لكان ههنا من هو أحق بمجلسك منك فقال عمر : صدقت تكلم فهذا هو السحر الحلال .

فاذا كان الكلام من جنس ما نطق به هذا

الغلام فهو السحر الحلال الذى يتفتح له القلب وتهفو اليه النفس ويطرب له السمع، والا فالصمت خير لصاحبه وأسلم .

والانسان حيوان ناطق وقد فضله الله على كثير من خلقه ووهب له هذه القطعة الصغيرة من اللحم في فمه ، ورفع سبحانه منزلة اللسان على سائر الجوارح ، ولهذا اللسان آفات كثيرة أفاض الادباء والعلماء ذكرها كالخوض في الباطل والجدال والمراء والخصومة والفحش والبذاءة والطعن واللعن والمزاح المكروه والسخرية والاستهزاء وافشاء السر والكذب والغيبة والنميمة وغيرها ، ولذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله وهل يكب الناس في النار على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم ؟

ومن هذا الباب مدح بعضهم الصمت وفضله على الكلام خوفا من الوقوع في آفة من آفات اللسان . قال أبو حاتم البستي : ما أكثر من ندم اذا نطق وأقل من يندم اذا سكت ، وفي هذا المعنى قال الشاعر :

ما ان ندمت على سكوتي مرة

ولقد ندمت على الكلام مرارا

ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للأحنف بن قيس : يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه .

وذكر الادباء ان الانسان على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قال ، وأنه اذا تكلم بالكلمة ملكته وان لم يتكلم بها ملكها ، وان الكلمة اذا رفعت الى الخالق ربما أضرت بصاحبها وان لم ترفع لم تضره وقالوا : رب كلمة سلبت نعمة ، وهم يهدفون من أقوالهم هذه الى منع المرء من التعجل في القول قبل

التثبت من صوابه ، وان من الواجب على الانسان أن يفكر قبل أن يتكلم لئلا ينطق لسانه بشيء ربما ندم عليه ، ولذلك قال كعب رضى الله عنه : العافية عشرة أجزاء تسعة منها في السكوت وقال ابن مسعود رضي الله عنه : والله الذى لا آله غيره ما شئ أحق بطول سجن من لسان .

وقال الشاعر :

أقلل كلامك واستع من شره

ان البلاء ببعضه مقرون

واحفظ لسانك واحتفظ من غيه

حتى يكون كأنه مسجون

وأختم مقالى بجملتين وجدتهما في ورقتين نزعتهما من التقويم جعلت المصادفة الحلوة موضوعهما متفقا مع حديثنا :

تذكر أولاهما عن الحكيم بزرجمهر قوله : ان فضائل الكلام خمس ان نقص منها فضيلة

واحدة سقط فضل سائرها وهي أن يكون الكلام صدقا وأن يوقع موقع الانتفاع به وأن يتكلم به فى حينه وأن يحسن تأليفه وأن يستعمل منه مقدار الحاجة .

والثانية تنقل عن أحد كبار الزهاد وهو ابراهيم بن أدهم رضى الله عنه وهى قوله :     للكلام أربعة وجوه : فمن الكلام كلام ترجى منفعته وتخشى عاقبته فالأفضل في هذا السلامة منه .

ومن الكلام كلام لا ترجى منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل مالك في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك. ومن الكلام كلام لا ترجى منفعته وتخشى عاقبته وهذا هو الداء العضال، ومن الكلام كلام ترجى منفعته وتؤمن عاقبته فهذا الذى يجب عليك .

الرياض

اشترك في نشرتنا البريدية