هما فريقان فريق نجح فى حياته الخاصة، وظل سادرا فى الوهم . ذلك انه يرى نفسه الخبير بمطالب الحياة وبمقوماتها ... وقد سار فى حياته الخاصة والعامة ، بما توحيه اليه مصالحه ومصالحها ، وبما تكيفهما به اطماعهما وتوازعهما ، فهو لا يتورع عن امتطاء النفاق والغش والملق والزور وزائف الاخلاق ما كان ذلك وسيلة الى نيل مبتغاه . انه يرى الواسطة مبررة للغاية ... ويرى هذا من حسن السياسة ومن براعة الكياسة والفطنة ، ومن المهارة المحمودة العواقب .
وقد يخزه ضميره وخزات خفيفة هينة فى بعض الاحيان ولكن سرعان ما يصمتها ضوضاء الهوى الغلاب ، والمصلحة الآسرة ، والغاية المنشودة القاهرة ..
وفريق دون ذلك قعدت به خلائقه القويمة دون اللحاق بقافلة الحياة الحثيثة الخطوات، فى طرق متعرجة ملتوية هوجاء، وهو - لما فى فطرته ومبدئه - لا يريد أن يساير هذا الركب المأفون السارب في اغوار الظلام إلى غاياته الدنيئة الملفقة ، وانما يريد ان يخطط سبيلا جديدة قيمة وان يعبر هذه السبيل وان تعبرها معه القوافل الماضية لطيتها، ليصلا معا الى الغايات السعيدة الحميدة من الطريق السديد الحميد .
وقد مزجت ظروف الحياة ، بين الفريقين وكانت ميول كل منهما ، حيال النظر الى الحياة الناجحة ، تختفي احيانا فى ضوضاء الحياة المدلهمة حتى ما يكاد يبين لها ركز، وكانت فى بعض الاحيان تبرز للعيان حتى ما يكاد يختفى لها صوت مجلجل.
واذا قدر للفريق الاول أن ينجح، وأن يبلغ بوساطة سبله الخاصة التى سلكها الى الغايات التى كان ينشدها .. فقد اعتبر نجاحه نجاحا وتوفيقا لخططه ما بعدهما من نجاح أو توفيق .
إذا كان الفريق الثاني قد ناله من خيبة الآمال .واخفاق الرغبات ما ناله، فقد عد الفريق الاول، ذلك خيبة ممضة لسبيل ذلك الفريق الثانى، فى انشاء الحياة ومزاولتها والناس فى حياتهم تبع للناجح، لا يسألون متى نجح؟ وانما يتساءلون كيف نجح؟ فاذا عرفوا طريقه الى هذا النجاح، هفوا اليها غير ناظرين الى استقامتها أو التوائها .. بحسبهم الوسيلة ال هذه الغاية ..
فى ساعة من ساعات الحياة الساخرة؛ جمعت الظروف بين شخصية من الشخصيات الواهمة، وأخرين من الشخصيات الفاهمة، وقد هيىء لهما اذن ان يخلوا الى بعضهما، وان يتبادلا الحديث ذا الشجون بهذه الخلوة، وقد طرقا فيما طرقا من الموضوعات، موضوع سبل النجاح وغاياته وأهدافه، وأفضى كل منهما بوجهات نظر فريقه، الى الآخر ...
وقد بدأ الواهم الحديث بقوله : - لا يكاد ينقضي العجب منكم يا معشر من تدعون أنفسكم زورا وباطلا بالفاهمين .. مع أنكم فى حقيقة الامر انتم الأغبياء الواهمون، ومن تدعونهم بالواهمين هم التبهاء الفاهمون ... انكم لقد بلغ بكم الوهم وفسولة الرأى وبلادة الطبع الى أن تعبثوا عليا فارغة بالهواء والخواء .. ثم تزعموا أنكم تعبؤونها بما يشبع ويغنى من جوع .. أنتم تحاولون تغيير دوران عجلة الحياة الضخمة السريعة الدوران الى اتجاه معاكس لدورانها الواقعي، وباصابعكم الضئيلة الكيان والطاقة فكيف تنجحون ؟ وكيف لا تخفقون ؟ !...
فأحابه الفاهم : - لا تخل - يا صاحبى - اننا لا نعي أكثر ما تشير اليه فى حديثك كلنا وعى لذلك .. ولكننا مع ذلك ندرك ان هذه الحياة السائرة فى غير اتجاه صحيح لا تنتج الانتاج الصحيح .. ولهذا نحاول ما امكننا قلبها الى الوضع الصحيح .. ولابد للمجتمعات الصاخبة السائرة فى ظلمات الحياة المدلهمة من أضواء تهتدى بها ... وتريد أن
نكون هذه الاضواء .. وسوف ننجح إن شاء الله .. وبحسبنا من النجاح اننا ارضينا ضمائرنا، واننا قمنا بواجبنا موفورا، فمن سار على الدرب وصل ولا يصح الا الصحيح.
قال الواهم : - لا . لا .. ليكن رأيكم قصدا ، وسبيلكم الى النجاح صحيحة ابن الثراء والغني والجاه والنفوذ من معشركم ايها الفاهمون الواهمون ؟! واني لا مثالكم المفاليك من اصلاح وانجاح ؟ لم تنجحوا فى حياتكم بأنفسكم، فانى لكم ان تنجحوا غيركم ؟!! ان من احكام العقل البدهية، أن فاقد الشىء لا يعطيه فسيروا مع التيارات؛ والاجرفتكم من طريقها كغثاء مندوف ..
قال الفاهم: - حسن هذه محاولة ماكرة منك لنفتنا عن مبادئنا المثلى ثق باننا لن نعدل عنها، وباننا - مهما رغبت ومهما حاولت - لن نعدل طريقنا القويم الى طرقكم الملتوية وما النجاح المادى الذى تخلب بروقه بصائركم بالنسبة لنجاحنا المعنوى المتمثل قبل كل شىء فى راحة ضمائريا وايمانا بمستقبلنا الأمثل، الانجاح مزيف والغني والثراء والجاه والنفوذ معان موقونة وحظوظ مقسومة، وما علينا الا ان نعمل فى سبيل الصالح وان نمتثل المبادىء المثلى، غير مبالين بذى الحظوظ العابرة، فان حقيقة هذه الحظوظ هي كما قال الشاعر:
سبحان من قسم الحظو ظ فلا عتاب ولا ملامه
اعمى واعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامه

