صحبته في رحلة ورحلة ، وكنت في كل مرة أزداد ايمانا بطيب شمائله ، وسمو آدابه وسعة ثقافته ، وايمانا بوقد لهفته الى قطف جنى العلم وان مس سرحه السماء .
وشاهدته لا يهبط مدينة الا وأول عمل يباشره - قبل سكونه الى الراحة - الذهاب توا الى المكاتب العامة الرسمية والخاصة للبحث والتنقيب عن ألوان جديدة من المعرفة . .
وكم كان فرح مديرة مكتبة المخطوطات الظاهرية في دمشق السيدة أسماء الحمصى حين زار المكتبة ، وأخذ يتفقد الاسفار ويدرسها دراسة وقد نسقت المكتبة كمدينة لها طرقها الخاصة وأزقتها الضيقة , فهذا طريق الفقه ، وذاك زقاق التاريخ , وثالث معد للحديث ورابع للمصاحف والتفسير . وهكذا انطوى في هذه المدينة الصغيرة العالم الأكبر . ومهما يكن شأنها فهى أحفل من مدن الاحياء بالحياة ، وسر الحياة الخلود ، فان زال زالت .
وقد افتتن بها ، وعهد الى السيدة أسماء أن تأخذ له بعض الصور الشمسية لبعض المخطوطات فلبت بخلق كريم ماجد ، واخالها أدركت ان اخوتها أبناء الجزيرة العربية النبلاء قد وثبوا وثبتهم الصاعدة المرتقبة الى القمة . وأنهم اعتزموا أن يشيدوا أمجادهم فوق أنوف الاعداء بعزائهم بتضحياتهم بإراداتهم الحرة ، بصدق ايمانهم واخلاصهم . وان أنضر الساعات لديهم وأزهاها هى الساعة التى
ينفقونها من أجل ذلك . والذى أكد لها هذا . . . هو اهتمام هذا الباحث المهذب المتحفز بكل امكاناته لدراسة المخطوطات القديمة ، التى هى أرفع مواريث العروبة والاسلام .
وهل توزن عظمة الشعوب وأمجادها في مختلف أدوارها التاريخية الا بموازين العلم وما تترك من مواريثه للناس جميعا . وهل للامة من روح قوى يصرع الموت ويغالب الداء ويكسب الشوكة والشباب الدائم سوى العلم ؟ ولن تباد أمة عالمة ذات اخلاق كريمة أبدا .
وحين زرنا المجمع العلمى بعد ذلك واجتمعنا إلى المؤلف البحاثة الاستاذ عمر كحالة ، تحدثنا أحاديث الثقافة وخضنا في ذكر المجامع والجامعات ، وذيوع الطباعة والصحافة والتأليف وما يكسبه من حياة حرة مجيدة ذات شوكة مرهوبة . قال الاستاذ عمر : (( انه يدرك عظمة أقدار الامم العلمية ، بمثل هذه الزيارات التى يقوم بها الوافدون بطواعية للتعرف الى صروح العلم وذويه . ))
وهذا حق فانى أجد في صميم عواصمنا العربية المكاتب الخاصة بالمؤلفات الاجنبية ، وانها لا تقل عن المكاتب العربية ذاتها . وهذا يدل على أن الشعوب الراقية أنما كان رقيها بتفوقها العلمى أولا وأخيرا . وانك تجد وفودها حتى في رحلات الاستجمام لا يدعون المطالعة وابتياع الاسفار العلمية الجديدة والأدبية الراقية المهذبة ، ولهذا لا
تكاد تدخل مطارا من مطارات العالم الكبرى الا رأيت فيه باعة الكتب والصحف والمجلات باللغات الغربية ، وفي يوم سألت الوراق في مكتبة مطار بيروت الدولى : لم لا يضم الى المكتبة نخبة من الكتب العربية الحديثة ؟ فقال ما حز في نفسى وجعلنى آسى وأنكس رأسى خجلا : (( ان أول عمل التاجر هو جلب السلع النافقة وعرضها للربح . فلو كانت المؤلفات العربية الحديثة لها سوق نافقة هنا لجلبنا منها الكثير . قف ساعة وانظر من هم الذين يسعون الى المكتبة من هؤلاء المسافرين الوافدين أو الظاعنين ألا تشاهدهم جميعا من الغربيين أو ممن استظهروا ثقافتهم ؟ . . ))
وما رأيت في فريق - يرون العلم ، سبب حياة وثروة ، ومجد فن وصناعة ، ووسيلة عزة وكرامة وأساس شوكة وتفوق ، وباعث كفاية ورفاهية ، في عصرنا هذا - ما رأيته في الغربيين .
وما خلت أمة من الاشواق العلمية الحافزة المضحية الا التهمتها النزوات الشاعلة وتخاطفتها الادواء حتى تجعلها أثرا بعد عين .
ومن أنعم نظره في الامم البائدة عرف يقينا أن أفراد الامم اذا لم ينصرفوا الى أشواق العلم وأمجاده انصرفوا الى الشهوات المنحطة التى تحمل في تضاعيف لذاتها المهالك المحتومة .
وهذا شان كل فرد في كل عصر ومصر , إذا لم تشتغل مجموعته النفسية بالنافع المحيى من الامجاد اشتغل بالضار القاتل من الرذائل . وتوثب اليها بسعير اللهفة الفاتكة كالمريض بالاستسقاء يهلك بعب الماء وهو ظمأن . . .
ورفيقى الصديق من عرفه عن كتب عرف فيه الشعب الحديث في جزيرة العرب وفي المملكة العربية السعودية بالذات . فالفرد هو مرآة الامة . وصورتها . فمن أراد أن يتعرف الى وضع أمة وأخلاقها وقيمتها فليراقب أعمال أفرادها . وانى كمواطن وصديق لم يكن اعجابى به بأكثر من عجب الآخرين الذين عرفوه عن كثب . فهو لم يكن مقتصرا على حماسته في ارتياد منابع المعرفة في كل بلدة ينزلها بل هو الى جانب ذلك يسارع في دراسة ما يصل الى يده ويتعمقه فهما ووعيا ونقدا .
وكم ابصرته وهو يطالع ما يبتاع من مؤلفات جديدة يسجل على عوامشها تعاليقه الكاشفة للاخطاء ان وجدها . والموضحة نواحي الاجادة والعمق ، وسوى ذلك مما يعنى به كاتب عالم مثله .
وأذكر ان الفضول جرنى في يوم من أيام رحلتنا فسألته عن صنيعه هذا - لانى أعرف من الخلان من يبتاع المؤلفات الجديدة بلهفة لا للمطالعة والدرس والنقد ، انما لتكون بعض الزينة في منزله - فقال : (( ان تعليقاتى على المؤلفات هي قوام حديثى عنها , أعود اليها في الوقت المناسب فأذيعه أو أنشره .
وكان جل مطالعاته ليلا حين يخلو بنفسه ، وأكثر ما رأيته ينظم في الهزيع الاخير من الليل ، وشأنه فيما يكتب شأن المرتجل لا يكثر من معاودة النسخ والنظر من طرس الى طرس مرة ومرة ثقة بنفسه ، ولعل مداولة الانتاج واستمراره ومناسبات العصر أكسبته السرعة في البراعة والوفرة في الانتاج .
وحين وافينا عاصمة الاردن - عمان - طلب الى الدليل المتبرع الذى رافقنا أن ينزلنا فندقا ممتازا ، فأنزلنا (( فندق
بالاس )) فأودعنا حقائبنا في الحجرة التى خصصت لنا ، وكان الوقت أصيلا فسارع وطلب صديقه رئيس المحكمة الكبرى في الاردن الشيخ محمد فال ، الذى خف مستقبلا مستبشرا فاعتنقا طويلا . وتذكرا صباهما في طيبة المباركة وهما يتبادلان كلمات العاطفة المخلصة الوفية ثم طلب اليه أن يزيره المكاتب العامة ، لان غرضه من رحلة هو الاطلاع على تطور الثقافة في البلاد الذى ينزل بها قبل الاستجمام .
والعواصم الكبرى تزدان بالمكاتب الكبرى والمجامع والجامعات والمصانع ، وكل ذلك آية التحليق الصاعد الحضارى لشعبها .
وطوف بنا بعض المكاتب الكبرى وكان الليل ادركنا فاضطرنا أن نكف . وهنا أبى الصديق الشيخ محمد قال باصرار أن نعود الى الفندق قبل أن يمتعنا بمناظر العاصمة الحديثة التى شمخت فوق ثلاثة عشر جبلا كأنها الطاووس بسط جناحية الكبيرين فوق ثلاثة عشر فرخا . فأذعنا لحتمية الامر وجالت بنا السيارة من جبل الى جبل ، وبدت لنا العاصمة من هنا ومن هناك زاهية الالوان ، مختلفة الاشكال ساحرة في صروحها وحدائقها فاتنة في سوارعها المتسقة وميادينها المتسعة وأضوائها الساطعة . . .
وما زلنا في ألطاف الاستاذ ، وبشاشة حياة وسحر حديثه . وجميل شرحه لمباهج العاصمة وغرائبها وعجائبها مما ضاعف بهجتنا وكان هو في أنفسنا أحد آيات جمالها وبدائعها .
وعدنا الى الفندق ، وعلى الرغم من حاجتنا الى الراحة قضينا فيه ليلة ليلاء شدت أنجمها بأمراس كتان الى جبال عمان . وما غفوت الا سحرا . ومن عجب انى فتحت مقلتى اثر رجة عنيفة في الحجرة المجاورة .
واذا بالرفيق الصديق آخذ في نظم هذه القصيدة الرائعة التى جعلتني ألمس ليلتنا الساهمة القلقة في فندق (( بالاس )) ماثلة بكل ألوانها مثولا فنيا سهلا ممتعا . حتى نسيت ما لقيت بعد سماعها ، واليك هى : -
فندق قد نزلت فيه أصيلا
بعد سير قضيته ملتاحا
ونشدنا به ارتياحا ونوما
هادئا نجتوى به الاتراحا
وصفوه لنا وقالوا : (( علي ))
فقصدناه مفعمين انشراحا
فلقينا به العناء وسهدا
وبعوضا وضجة ونباحا
كل باب يصيح ان فتحوه
واذا أغلقوه أن وصاحا
وصنابيره طوال الليالى
مرسلات ، لا قفل ، لا مفتاحا
(( بسط )) فيه قد أكل الدهــ
ــر عليها وجبها واستباحا
قد أصيبت أطرافها باهتراء
وعراها البلى الملح صراحا
وأصيبت أحشاؤهن (( بفتق
مزمن فازدهى (( البلاط )) ولاحا
قد سمعنا فيه الآذان عشاءا
وسمعناه بالمكان صباحا
دأب نزاله (( الكرام )) ضجيج
وعجيج قد أشبعوه صياحا
ما لمسنا فيه ارتياحا مساء
وصباحا لم نلق فيه ارتياحا
وفي الصباح استأنفنا رحلتنا الى الخليل ثم بيت لحم . وحين عننا الى عمان في المساء قصدنا فندق (( فيلادلفيا )) الذى هو ثانى اثنين فيها . وقضينا فيه ليلة ناعمة وادعة واستمتعنا فيه بكل مفاتن الحضارة الخيرة ،
وتناولنا ألذ الطعام وأشهاه . والفندق يطل على حديقة غناء منسقة تنسيقا حديثا . وفيها بركة تنصب فيها المياه من كل جانب . وشاهدنا فيها بعض السابحين . وعلى حافاتها شعب الاشجار حانية على مقاعد جميلة مريحة هزازة والوصفاء يحملون ألوان المرطبات الى الجالسين ، والى جانبهم أنصاب الرياضة وحبالها وعقودها ومعارجها وأثقالها ومناضدها وأكرها . . .
وباكرنا في النوم لما أصابنا من المتاعب وحين نهضت لصلاة الفجر فاذا بالرفيق الصديق قد سبقنى الى ذلك ، واذا هو قد نظم قصيدة جديدة في وصف ليلتنا هذه الممتعة في فندق (( فيلادلفيا )) وما فيه من أسباب الفن والحضارة والمتعة والجمال ومن أراد أن يشاركنا متعتنا في عالم الفن وأن يشرف على فندق (( فيلادلفيا )) فليطل عليه من شرفة قصيدته هذه . فانى كلما تاقت نفس الى نزول هذا الفندق الماتع أعود اليها وأنشدها حالما مسحورا وهذه هي : -
ونزلنا من بعد (( بالاس )) - (( فيلا
دلفيا )) الفندق الرفيع الشأن
قد نعمنا فيه بنوم لذيذ . .
وأطرحنا أعباء ما قد نعانى
وطعمنا فيه غذاء شهيا
في أوان تزهو بكل أوان
لم يرعنا فيه بعوض ولا سهــ
ــد ولا ضجة من (( الجنان ))
(( غرف )) في روائها تشرح النفــ
ــس وتزجى الهناء للانسان
ان فنا من (( الديكور )) بديعا
نسقته هنا يد الفنان
(( سرر )) قد زهت بنور لطيف
وهو فيض من البدور الحوانى
و (( خزاناته )) تميس بهاءا
في (( فساتين )) لونها الارجوانى
صامتات (( أبوابه )) هادئات
كهدوء المتيم الولهان
لم تكن في أنين تلك التى في
(( بلس )) اذ تعج مثل (( السوانى ))
و (( المرايا )) مصقولة باسمات
همها فتنة العذارى الروانى
و (( كراسيه )) ظباء كناس
ضامرات الخصور والابدان
(( مصعد )) فاخر ، وأضواء بدر
تتدلى هنا بكل مكان
(( بسط )) تشبه الحدائق وشيا
وجمالا رفافة الالوان
وهنا (( هاتف )) يسرك منه
انه هاتف بفعل البنان
وهنا (( مسبح )) حبته جمالا
(( بركة البحترى )) رب البيان
قد مكثنا فيه مساءا وصبحا
وارتحلنا بالبر من (( عمان ))
والآن أجد اللهفة آخذة طريقها في أنفس المواطنين لمعرفة الرفيق الصديق الذى أتحدث عنه . ومعذرتى اليهم أن المعرف لا يعرف ، وما هو بنكرة حتى يفتقر الى تعريف المعرفين وله في نفس كل مواطن صورة كريمة رفافة .
الا انه علم من أعلام النهضة الحديثة في جزيرة العرب ، وركن من أركان الشعب السعودى وله من أدبه الرائع وثمار فكره الوقاد . تلكم الصورة الرفافة الواضحة التى تجعلك تهتف قائلا : (( انه عبد القدوس الانصارى )) .
