عالم تونسى : امام في الفقه ، أمام في الادب
منزلته :
من أراد الانتقاء من الرجال الفقهاء الافارقة - وعين الله تحرسهم - تعاصوا على العد ، وتجاوزوا الحد ، ولم يعد مع ذلك انتقاؤه مالكا الصغير " الشيخ ابا محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني " مفخرة القطر التونسي ، بل مفخرة هذه القارة الافريقية من غير استثناء .
والشيخ ابن ابي زيد قد تجمع فيه ما تفرق في غيره ، فقد أضاف الى الفقه ، الادب ، وتكفينا شهادة القاضي عياض في مداركه ، وهو الفقيه الاديب ، ولا يعرف الفضل الا ذووه ، اذ قال القاضي فيه : " يقول الشعر ويجيده " . والقاضي عياض ممن تذوق الادب ، وأجاد حبك ما يحبره ، ويكفيه أنه المغربي الاندلسي ، والاندلسيون أهل أدب وذوق ، واذا ما وصف ابن أبي زيد بالاجادة في قول الشعر لم نرتب في أن ابن أبي زيد امام في الادب كما هو امام الائمة في الفقه .
وقد ضم الى تينك الفضيلتين ، فضيلة الصلاح والدين والتقوى ، وتلك منزلة قل أن تبوأها عالم الا نفرا قليلا عصموا انفسهم عن أهواء الدنيا فعصمهم الله .
ومنزلة صلاحه وعفته بلغت به مبلغا عظيما ، ووصلت به الى شهرة بالغة ، فتوارث
الناس حبه منذ أزمان ، ولا فرق في ذلك بين اهل العلم وغيرهم .
فقل من قصد القيروان ولم يخطر بباله الشيخ ابن أبى زيد ، فكأن القيروان تمثلت فيه ، فالشيخ ابن ناجي القيرواني صاحب " تكميل معالم الايمان " كان قد اتخذ بيته محلا لدراسته ، فعنده حفظ مختصر ابن الحاجب الفقهى .
ولما زار العبدري القيروان ، وهو صاحب الرحلة المشهورة تحدث عنه كثيرا وأجرى تحقيقا حول قبره الذى هو فى بيته ، وكذلك لما زار تونس العلامة المحدث عبد الحي الكتاني بطلب من العلامة المرحوم محمد الصادق النيفر أشاد بابن أبي زيد ، حسب ما ذكره في معجمه الحافل " فهرس الفهارس والاثبات " .
وأكثر الناس في المشارق والمغارب انما يعرفه بكتاب " الرسالة الفقهية " وهي أول اتصال بين المتعلمين للفقه المالكى ، وبين الفقه ، فهى أول كتاب تقع عليه أعينهم من كتب الفقه اذ كانت الكتاب المدروس في المعاهد الاسلامية .
ولم ينتشر كتاب كانتشارالرسالة الفقهية بدليل أن شراحها في كل صقع ، فقد شرحها من أهل بغداد القاضي النظار عبد الوهاب ، ومن أهل مصر الكثير ، منهم أبو الحسن الشاذلي الازهري والنفراوي ، ومن المتأخرين : الشرنوبي والأبي ، ومن أهل طرابلس الشيخ زروق ، ومن أهل تونس القلشانى وابن ناجى ، ومن أهل المغرب يوسف بن عمر .
ولم يقتصر انتشارها على الناطقين بالضاد بل انتشرت بين غيرهم حتى ترجمت الى الفرنسية ، وطبعت في باريس ، والى الانكليزية وطبعت الترجمة بلندرة عام ١٩٠٩ م
وعالم هذه نزلته حقيق بالترجمة ، ولكنه مع هذا لم تفرد ترجمته بتأليف خاص ، وهذا العمل المتواضع لبنة في نشر ترجمته .
ومما امتاز به أن ترجمته لم يتعلق بها الخاصة فقط بل شاركتهم العامة فى ذلك . فحتى من لا يعرف القراءة والكتابة يدور اسمه على لسانه ، ويشترى نسخة من كتابه " الرسالة " تبركا بالكتاب ، لأن قارئه يخرج به من ربقــة التقليد في التوحيد ، كما أنه من حيث المادة الفقهية يكفى قارئه .
وقد أفاض ابن ناجي في تكميل معالم الايمان بذكر ما له من الكرامات ، وهي ان دلت على شئ فانما تدل على أن الشيخ ابن أبي زيد يتمتع بمكانة مرموقة في أعين الناس ، حتى تناقلوا عنه ما تناقلوا ، فالشيخ ابن ناجي فيما ذكره كان ناقلا ، وليس هذا البحث موضوعا للمناقشة التاريخية لتطلب ذلك بحثا مستفيضا يتصل بعدة بحوث ، وربما تكون جولة فى ذلك ان سمحت الظروف .
وكل المتناقل فى ذلك يشهد بأن معاصريه كانوا يقدرونه لعظيم منزلته في أعينهم ، وماذا وما ذاك الا لما اشتهر به من تقوى وصلاح امتاز بهما عن بقية أهل عصره ، فكان فى تقواه لا ينازع ، وفي علمه الامام البارع .
والراغب في الوقوف على ذلك عليه ب" معالم الايمان " وزيادات ابن ناجي على ما ألفه الدباغ مؤلف الاصل . .
وترشدنا هذه المنقولات حتى على عدم فرض صحتها الى أن مكانته في قومه ، وهم أعرف الناس به مكانة ممتازة فلولا أنهم مغالون فى حبه ما اندفعوا الي ذلك ، واندفاعهم
لما علموا منه علما يقينا من أن باطنه كظاهره وأضافوا لذلك زيادات فاختلط التاريخ بغيره وهذه آفة المؤرخين الذين لا يتحررون فيما ينقلون ، فيأتون بما وصل الى علمهم دون تمحيص .
ولعل من الاسباب التى بوأته هذه المكانة ، حسن خلقه مع جميع أهل عصره فقد كان يواصل العامة بماله ، والخاصة حتى العلماء منهم ، مع أن أهل العلم مع بعضهم فى عداء مستحكم لا يفصل الا عند الله تعالى الذي تجتمع عنده الخصوم ، وما كان متعارفا فى المتقدمين قد برأه الله منه وحلاه بخلافه .
ومن صلاته لأهل العلم ما أعطاه للقاضى عبد الوهاب فانه بعث اليه بألف وأربعمائة دينار عينا ، كما جهز ابنة الشيخ أبى الحسن القابسي بأربعمائة دينار ، كما بعث الى الفقيه أبي القاسم بن شبلون بخمسين دينارا ذهبا في مرضة مرضها ، فعطاياه عمت اهل بلده وأهل بغداد ، وأهل الاندلس .
وحدث ابن سيد الناس اليعمرى بأن بعض طلبة الاندلس ، وصل اليه للقراءة عليه فأكرمه ، وأنزله ، وأجرى عليه ما يحتاج اليه من نفقة ، وجعله امام مسجده فبينما هذا الاندلسي الوافد ذات يوم خارج من داره ، وكانت داره التى انزله بها الشيخ قبالة حمام ، فصادف أن وقع بصره على امرأة فقيدت بصره وأخذت من نفسه فاقتفى أثرها فلم يلبث أن وقع بصره على الشيخ ، والمرأة تدخل داره فارتاع لذلك ، ولم يحر أمرا ، لكن الشيخ هدأ روعه وزوجه منها .
وهذا شاهد قائم على كرم خلقه ولين جانبه ، وأن ليس هو من الفقهاء الغلاظ الشداد الذين لا يعرقون للصفح عن الزلات
معنى ، ولا لالتماس المخارج أثرا ، إذا كانت هناك نية حسنة ، أو ضرورة لا طاقة بحملها .
قد بينا منزلة الشيخ وما بلغته عند الناس وانهم في صلاحه ودينه كرجل واحد ، رغم اختلاف المشارب وتباين المنازع وذلك يدل على أنها منزلة فريدة قل أن يظفر بمثلها النابغ .
ولادته ووفاته :
ونأخذ بعد ذلك في ذكر ولادته ووفاته ، ولد الشيخ فى حدود سنة عشر وثلاثمائة وتوفى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، فقد عاش ستا وسبعين سنة ، هذا أمر متفق عليه ، اذ المؤرخون مطبقون على سنة الوفاة ففى " المعالم " انه كانت يوم الاثنين الموافق لثلاثين من شعبان ، ومثله في كتاب " مفاخر البربر " في القطعة التي طبعها بعض المستشرقين .
وفي " رحلة العبدري " : ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شعبان ويقرب الى الصحة ما ذكره العبدرى ، لانه ذكر أنه نقل تاريخ وفاته من رخامة قبر الشيخ . أما صاحب المعالم فلم يسند ذلك الى سند يعتمد عليه ، ولا ينافى هذا أن أهل مكة أدرى بشعابها ، لأن العبدري قد زار القيروان ، فهو من أهل مكة نسبا ولم يكن قيراونيا ( ١ ) كابن ناجى ، ولان الغرباء ، قد يتطفلون الى أشياء لا يتفطن لها أهل البلد ، فتكون خافية على أرباب الدار دون الغرباء .
وقد رثى ابن أبى زيد بمراث كثيرة أنشد منها صاحب المعالم قصيدة أبى زكريا يحيى والد عبدالله الشفراطسى صاحب اللامية ، وجاء فى مرثية أبى زكريا قوله :
خطب ألم فعم السهل والجبلا
وحادث حل أنسى الحادث الجللا
ناع نعى ابن أبي زيد فقلت له :
أشمسنا كسفت أم بدرنا أفــلا ؟
أم مادت الارض وارتجت بساكنها ؟
أم الحمام بعبدالله قد نزلا ؟
فان يكن صدرنا حام الحمام به
فالصدر صاد ومن نار الأسى شعلا
كل البسيطة بسط الحزن قد بسطت
وقبره بسنا أنواره ابتهـــــلا
وقد صلى عليه الشيخ أبو الحسن القابسي بالريحانة ، ودفن بداره داخل سور القيروان وهى الى اليوم لا تزال تحتفظ بكونها مدفن ابن أبى زيد القيروانى ، فهى من معالم القيروان التاريخية المذكرة بمفاخر القيروان التى كانت حاضرة افريقية ورأت من العز ما رأت ورأت من النكبات ما تتفتت له الاكباد .
* * * وهنا بحث لا بد من اثارته وهو تعيين قبر الشيخ فى البيت الذى هو دفين فيه وهو بحث آثاره بعض الراحلين الى تونس .
ذكر العبدري في رحلته انه لما ذهب الى قبر الشيخ أرشدته عجوز الى أنه القبر الذي في الوسط ، لكنه لم يكتف بارشادها ، وبحث بنفسه ، شأن المنقب الباحث فقرأ رخامة القبر الذي في الوسط فوجده قبرا لغيره ، ثم عطف بالقراءة الى القبر الذى على اليسار
فوجد عنده رخامة فقرأها فاذا القبر قبر الشيخ ابن أبى زيد ، فحينئذ يكون المتعارف خطأ .
لكنه ذكر أنه لقى الشيخ أبا زيد عبد الرحمن فأخبره ، فحقق له أن القبر الذي في الوسط هو قبر الشيخ ابن أبي زيد غير أنه لما جدد السقف كرهوا أن يكون البناء عليها ، ثم لما تم البناء ، وأرجع البناءون الرخامات وقع فيها تغيير .
وما نقله العبدرى عن الشيخ أبي زيد لا يستغرب ، لما نعرفه من جهل البنائين وطمسهم للآثار .
وليس بالبعيد أن يكون الشيخ أبو زيد المخبر للعبدرى دفع بذلك عن نفسه وأهل بلده أفدح خطأ راج عليهم جميعا ، لأن تلك العجوز لا بد أنها سمعت ذلك من رجال البلد .
وعلى كل فعلماء القيروان مؤاخذون باللوم اذ كان عليهم أن يراقبوا البنائين وقت انتزاع الرخامات ووقت ارجاعها ، حتى لا يختلط الامر .
وهذا أمر جدير بالتنبيه لان كثيرا من آثارنا لما تصلح ، إذا لم نسند الى علماء ذوي اختصاص فى الآثار تشوه ، وهذا ما كان متعارفا من قبل . والبادرة الطيبة انه إذا رافق العملة فى عملهم أحد من أهل العلم العارفين بالتاريخ أرشدهم الى المحافظة على الآثار فلا تطمس ، وتوضع الأشياء فى مواضعها، فلا يترك الحبل على الغارب ويختلط الحابل بالنابل ، كما وقع فى رخامة الشيخ ابن أبى زيد ، هذا العلم الافريقي فى العلم الفقهى وحتى غيره ، والمبرز في التمسك بالدين ، وحسن الخلق .

