معاهدة باريس بين بريطانيا وايران سنة ١٢٧٣ ه - ١٨٥٧ م :
أجبرت الفتوحات البريطانية في جنوب ايران وعدم قدرة القوات الايرانية على الثبات امامها ، أجبرت ناصر الدين شاه القاجاري على الرضوخ لمطالب الاستعمار البريطانى ، فقبل التخلى عن المناطق التى استولى عليها في أفغانستان ، وكلف السفير الايرانى في فرنسا أن يدخل مع السفير البريطانى في باريس في محادثات لتوقيع معاهدة بين ايران وبريطانيا تتعهد فيها بايقاف حملاتها على جنوب ايران مقابل تنازل الاخيرة عن الاراضى الافغانية التى استولت عليها ، واليك ما جاء في تلك المعاهدة التى عرفت بمعاهدة باريس النكدة المنحوسة كما تحدث عنها المؤرخ الايرانى الكبير المرحوم عباس اقبال آشتيانى حين تعليقه على كتاب " الحرب البريطانية الايرانية في الجنوب " للكابتن البريطانى هنت الذى ترجمه اقبال إلى اللغة الفارسية :
" قام الامبراطور نابليون الثالث ، امبراطور فرنسا ووزير خارجيته سنة ١٨٥٧ م الموافق لشهر رجب سنة ١٢٧٣ ه بدور الوسيط في ابرام تلك المعاهدة بين بريطانيا وايران ، وقد مثل الجانب الايرانى سفيرها في باريس فرخ خان أمين الملك ، وعن الجانب البريطانى اللورد كوفلى سفير بريطانيا في باريس . وقد أبدت بريطانيا في أول الامر رغبتها في ان تقوم روسية بدور الوسيط في تلك المعاهدة بدلا من فرنسا ولكن كانت
فرنسا حريصة على جلب مودة ايران ، ورأت في تلك الوساطة فرصة مواتية لاظهار نياتها الطيبة نحو ايران الى جانب أن السفير الايرانى في باريس ، فرح خان ، كان موضع ثقة السلطات الفرنسية واحترامها لذلك فقد رحب بالوساطة الفرنسية بين بلاده وبريطانيا ، واقنع ايران بذلك ، وكان من بين المبررات التى قالها لسلطات بلاده لحملها على قبول وساطة فرنسا أن فرنسا دولة ليست لها اطماع في ايران ( في ذلك الحين على الاقل ) وبعد جلسات متعددة عقدها وزير الخارجية الفرنسية مع سفيرى بريطانيا وايران ،
اقترح السفير البريطاني اللورد كوفلى على السفير الايرانى فرح خان أن تعقد المعاهدة فى لندن ، ولكن السفير الايرانى رفض ذلك وأصر على عقدها فى باريس تحت اشراف وزارة الخارجية الفرنسية ، وفى شهر مارس سنة ١٨٥٧ م الموافق السابع من شهر رجب سنة ١٢٧٣ توصل الجانبان البريطانى والايرانى الى عقد معاهدة عرفت بمعاهدة باريس اشتملت على خمسة عشر فصلا ، وقعها الجانبان الايرانى والبريطانى .
وارسلت نسخ منها للمصادقة الى كل من لندن وطهران . وفي شهر مايو سنة ١٨٥٧ م تبودلت النسخ المصدقة فى بغداد بين ممثلى بريطانيا وايران .
وقد تعهدت ايران فى الفصول الخامس والسادس والسابع من تلك المعاهدة المشؤومة بسحب قواتها من هرات وكل الاراضى الافغانية ، وانها لن تطالب بعد ذلك بأى حق لها فى تلك الاراضى وانه لا يحق لها أن تطالب
أمراء هرات وافغانستان بأى نوع من الولاء لايران من قبل سك النقود والخطبة للملوك القاجاريين أو اداء الخراج ، كما تعهدت ايران بعدم التدخل فى شؤون أفغانستان الداخلية بأى شكل من الاشكال ، واعترفت باستقلالها التام . وأنه فى حالة وقوع خلاف بين ايران وافغانستان فان ايران ستحيل الخلاف الى بريطانيا لحله ، وانه اذا أجبرت الظروف السلطات الايرانية على الحدود الافغانية على تجريد حملة تأديبية لرعاياها المقيمين على الحدود المشتركة مع امراء افغانستان فان على ايران بمجرد القضاء على التمرد ان تعيد قواتها الى قواعدها فى داخل ايران ، وليس من حقها الاستيلاء على أى جزء من الاراضى الافغانية او ادعاء ملكيتها وضمها للاراضى الايرانية .
وكما نرى فإن حق ايران الشرعي في افغانستان قد سقط للابد ، بموجب تلك المعاهدة الغاشمة النكدة ، واقتطعت مدينة هرات من ايران ، وحصلت افغانستان على استقلالها التام .
عندما وصلت نسخ المعاهدة الى طهران لم يكن يهم رئيس الوزراء الميرزا آقا خان نورى سوى الاطمئنان على كرسى الصدارة ، فكان يبحث فى فصولها عن اسمه وهل ما زالت السلطات البريطانية مصرة على عزله أو هى قد رضيت عنه ، أما ان تنتزع مدينة هرات وكل افغانستان عن ايران ، وأن تحرم ايران والى الابد من جزء عزيز من أرضها فالى الجحيم ما دام قد اطمأن رئيس الوزراء على أن كرسى الصدارة ما زال تحته ، وأظنه فى قرارة نفسه قد مجد العدل والانصاف البريطانيين . ولكن سعادة هذا الصدر الأنانى لم تتم فقد شعر ناصر الدين شاه القاجارى بأن كل الويلات التى حلت بايران على يد بريطانيا هي ثمار سياسة هذا الصدر الانانية العوجاء . فعزله عن كرسى الصدارة وتولى ناصر الدين شاه كل زمام الامور بعده ، وكتب على الميرزا آقا خان نورى ان يقضى بقية حياته فى بؤس وشقاء متصلين لم ينل خيرا ، ومات فقيرا معدما بعد ان عاش حياة الموتى .
لقد وجهت معاشدة باريس ضربة مميتة الى السيادة
الإيرانية ، وقيدت استقلال ايران السياسي وسيادتها واقتصادها باغلال مهينة . ومعاهدة باريس لا تختلف فى روحها عن معاهدة التركمان جاى بين روسيا وايران ، وبعقد معاهدة باريس انكمشت الحدود الإيرانية فى الجنوب ، بعد أن كانت قد سلبت اجزاء من الشمال الايرانى على يد روسية .
لقد استطاعت بريطانيا ان تفرض وجودها في جنوب ايران ، فى الوقت الذى بدأت الثورات المطالبة بالتحرر والاستقلال تندلع فى وجهها فى شبه القارة الهندية ،
وتهدد الوجود البريطانى فى الشرق ، وليت السلطات الايرانية حاولت أن تعرف موقف بريطانيا ذلك فى الهند ، اذن لنالت بعض الخير ، فقد استغلت بريطانيا عوامل الضعف والانحطاط الكثيرة فى الجو الايرانى ،
فمن ملك ضعيف ذليل خانع لا يهمه أن تقتطع كل أجزاء بلاده واطرافها ما دام قد ظل قائما على العرش ، فالامارة ولو على حمارة هو مبدأ ناصر الدين شاه وشعاره فى ذلك العصر ، الى جانب رئيس وزراء عميل مثل آقا خان نورى ، لم يكن يهمه فى معاهدة باريس عندما تسلمها فى طهران سوى ان السلطات البريطانية قد أبدت شبه الرضا عنه ، فهي لم تطالب فى فصول المعاهدة بعزله عن كرسى الصدارة ، الى حكام فى الجنوب جبناء أمثال محمد على خان شجاع الملك وخانلر ميرزا احتشام الدولة اللذين لم يحاولا حتى مجرد المقاومة أمام القوات البريطانية الغاشمة .
لقد استطاعت بريطانيا في هذه المعاهدة الملعونة ان تنتزع أفغانستان من ايران والى الابد . وأن تفرض سيطرتها الكاملة على موانىء الخليج ، الباب البحرى الوحيد لايران ونافذتها البحرية الوحيدة على العالم الخارجى ، واستحكم النفوذ البريطانى في بحر عمان والخليج .
بسط النفوذ السياسي والاقتصادي البريطاني في ايران :
بعد النجاح الكبير الذى حققه الاستعمار البريطانى خلال معاهدة باريس شرعت بريطانيا ودوائرها
لاستعمارية تعمل للمحافظة على كسبها الحرام فى ايران ذلك الكسب الذى املاه لسان القوة والمدفع . ووقعه مداد الغدر والخيانة ، والجدير بالذكر أن السياسة البريطانية كانت جاهدة كل الجهد للحصول على مثل تلك الامتيازات فى ايران منذ عهد فتح على شاه القاجارى . وظلت تواصل مجهودها لبسط نفوذها السياسى والاقتصادى الى ان استطاعت اخيرا تحقيق حلمها الذهبى .
واذا شئنا استعراض مكاسب بريطانيا فى جزر وموانئ الخليج التابعة لايران فى تلك الفترة من التاريخ ومدى العدالة التى قام بأدوارها شيوخ العشائر وزعماء القبائل هناك فان ذلك سوف يقتضينا تسويد صفحات وصفحات ، ولكنا سنحاول أن نختصر بقدر الامكان ، لنبرز مدى فداحة تلك المكاسب السياسية والاقتصادية التى حصلت عليها بريطانيا .
كان اشتراك الاسطول البريطانى فى طرد البرتغاليين . من ميناء عباس وجزيرة هرمز فى الخليج فى عهد الشاه الاول الصفوى ، وحصول بريطانيا على امتياز انشاء مراكز تجارية فى موانىء الخليج بداية بسط النفوذ الاقتصادى ومن ثم السياسى لبريطانيا على موانئ الجنوب . ولقد حاول نادر شاه الافشارى فى فترة صحوة الموت الايرانية انشاء اسطول ايرانى قوى يقوم بحراسة موانىء الجنوب من جهة ، ولارعاب التحدى الروسى لايران من جهة اخرى ، فبعد أن استتب الامر لنادر شاه فى الداخل بعد القضاء على بقايا الاسرة الصفوية ، وطرد الروس والعثمانيين من الاراضى الايرانية ، بدا نادر شاه يولى البحرية الايرانية اهتماما كبيرا ، فأمر ببناء احواض لصناعة السفن على شواطئ بحر قزوين ، وأمر بأن تؤمن لها الاخشاب اللازمة من مناطق الغابات في شمال ايران ، وقام بشراء سفينتين حربيتين من بريطانيا وهولندا .
وجعل من ميناء بوشهر على الخليج قاعدة رئيسية للاسطول الايرانى .
والمرج التى اعقبت اغتياله ، والنزاع الدموى الذى نشب بين الطامعين فى حكم ايران كل اولئك حال بين ايران وبين امتلاك قوة بحرية ضاربة ذات شان ، وظلت بريطانيا وهولندا وهما من اعظم القوات البحرية يومذاك تعملان خلال فترة الفوضى والاضطراب التى شملت ايران على تقوية مراكزهما التجارية فى موانىء الخليج ، وقاما بانشاء مراكز جديدة فى كل من شيراز . واصفهان . وعندما استقرت الامور فى يد زعيم طائفة الزندية كريم خان الزندى ، وبسط نفوذه على موانئ الخليج من بوشهر الى البحرين ، التى كانت ولاية ايرانية فى عهد نادر شاه الافشارى تابعة لحاكم فارس ( شيراز ) واستطاع كريم خان الزندى أن يملى السيادة الايرانية على بريطانيا وهولندا فى تلك الموانئ اعترفت البيوت التجارية الهولندية والبريطانية بسيادة ايران المطلقة على موانئ الخليج ولكن ما كاد كريم خان الزندى يموت حتى قامت بريطانيا باستغلال الوضع المضطرب الذى اعقب موت كريم لبسط نفوذها السياسى والاقتصادى فى الخليج مرة أخرى .
كان المنافسون الوحيدون الاقوياء فى نفس الوقت للنفوذ البريطانى فى الخليج هم الهولنديين الذين كانت لهم في ذلك الوقت بيوت تجارية ضخمة في ميناء عباس ، وكانت هولندا تحتفظ بجيش قوى في الموانئ الجنوبية لحفظ ممتلكات الرعايا الهولنديين وأموالهم هناك الى درجة أنه عندما استتب الامر لكريم خان الزندى سنة ١١٧٢ ه - ١٧٥٨ م فى تلك الموانئ واستطاع القضاء على معاقل القراصنة . هناك كان يعامل البيوت التجارية الهولندية والبريطانية في شئ من الحذر .
وعندما نشب الخلاف بين بريطانيا وفرنسا ، وأرادت فرنسا القضاء على المستعمرات البريطانية فى الهند ، قدمت الى ميناء عباس أربع من قطع الاسطول الفرنسى ، وقصفت المراكز التجارية البريطانية
البريطانيين فان البيوت التجارية الهولندية لم تصب بسوء ، وقد أجبرت فرنسا البريطانيين على نقل مراكز تجارتهم الى ميناء البصرة الذي كان تابعا لباشا بغداد التركى ، وبعد نحو من عشر سنين لحقت هولندا ببريطانيا فى البصرة لافتتاح مزيد من المراكز التجارية .
وعندما يئس البريطانيون من العودة الى ميناء عباس ، طلبوا من كريم خان الزندى سنة ١١٧٧ ه السماح لهم بانشاء مراكز تجارية فى ميناء بوشهر فأذن لهم ، وهو لا يعلم بما كانت تضمره بريطانيا لبلاده من نيات سيئة ، واستطاعت بربطانيا شيئا فشيئا أن تحتكر
التجارة فى ميناء بوشهر .
ومن جهة اخرى فقد قام الهولنديون فى سنة ١١٦٨ ه بطلب مماثل من كريم خان الزندى للسماح لهم بتأسيس مراكز تجارية فى ميناء ريك ، وسمح لهم بذلك ولكن منافسة بريطانيا لهولندا أخذت تضعف النفوذ الهولندى فى موانىء الخليج فانكمش نشاطهم التجارى في ميناء ريك وفي سنة ١١٨٠ ه استطاع الامير العربى مهنا خان أن يطرد الهولنديين من ميناء ريك الى الابد ، وهكذا خرجت هولندا من منطقة النشاط التجارى في موانىء الخليج وظلت بريطانيا السيدة الوحيدة دون منازع .

