ولد في القدس سنة ١٩١٤ وتعلم في المدرسة الرشيدية الثانوية ثم في الكلية العربية في القدس ،
ثم علم سنة واحدة في مدرسة حيفا الثانوية ، وعندها ارسلته الحكومة في بعثة الى جامعة بيروت الامريكية حيث تخرج بشهادة بكلوريوس آداب في التاريخ العربى
ثم ذهب في بعثة دراسية الى جامعة لندن حيث تخرج بشهادة بكلوريوس في التاريخ والدراسات السامية ، ثم التحق بمعهد التربية العالى وحصل على شهادة التربية العليا من جامعة لندن .
ثم رجع الى فلسطين حيث عمل استاذا في المدرسة الرشيدية ثم في الكلية العربية حيث كان يعلم علم النفس واصول التربية والتعليم وكان يشرف كذلك على جميع الامتحانات التى كانت تجريها ادارة التعليم . وكذلك على الكتب المدرسية المقررة . ثم بعد نهاية الانتداب ذهب الى ليبيا حيث عمل مديرا للمعارف ثم ذهب الى العراق حيث عمل مدة سنة وعاد بعدها الى الاردن حيث علم في المدارس الخاصة وقام بواجبه الوطنى في مدارس اللاجئين مدة ست سنوات .
وفي عام ١٩٥٩ التحق بقسم البحوث العربية في أرامكو حيث لا يزال يعمل للآن .
كتب عدة مقالات في موضوعات مختلفة نشرت في عدد من الصحف والمجلات . وله عناية خاصة بالخليج العربي وتاريخه من جميع النواحي كتب في ذلك عدة مقالات كما ألقى عدة محاضرات . .
حتى اصبحت على ما هي عليه الان . وفي مدى السنوات العشر الاخيرة تأكدت تدريجيا هذه النظرية . وتوالت الاثباتات المختلفة حتى غدت هذه النظرية امرا مسلما به الان .
وباختصار ، تقول هذه النظرية : ان اليابسة بدات قطعة واحدة ضخمة شاسعة ثم تفسخت وتكونت القارات ، وفي أول الامر فان آسية وأوروبة وافريقية كانت ملتصقة بالعالم الجديد وامريكة الشمالية مع اوروبة وبينهما بضع بحيرات ، وامريكة الجنوبية مع افريقية ، بينما استرالية والهند وقارة القطب الجنوبي كانت جميعها ملتصقة باقصى جنوب افريقية . وفي وسط هذه القارات كان محيط ضخم شاسع واسع ، سماه العلماء بحر تيثوس ، وهذه الخرائط تبين كيف تشكلت القارات ثم انفصلت عن بعضها . وكان هذا البحر يتسع ويضيق عدة مرات على مدى مئات من السنين وفي أقصى امتداداته كان يغطى المنطقة الاسلامية الممتدة من السند حتى المغرب بما فيه البحر الابيض المتوسط ولذلك فان هذه المنطقة الاسلامية هي عموما منطقة رسوبية تكونت في قاع المحيط ولذلك فهي قليلة المعادن عموما الا حيث برزت الجبال كما في افغانستان مثلا وتركيا والمغرب في جبال الاطلس ، غير ان الله سبحانه وتعالى عوضها باعظم كنز رسوبي ألا وهو ما يسمونه بالبترول او الزيت وانا اسميه باسمه العربي الصحيح وهو النفط .
دعونا الان نركز اهتمامنا على الخليج . قلت ان بحر تيثوس كان يمتد احيانا امتدادا شاسعا ويضيق جدا احيانا اخرى .
غير ان بحر تيثوس تركز في اواخر الامر على الخليج والمنطقة المحيطة به وتشمل ايران والعراق والقسم الشرقي من شبه جزيرة العرب ، ولذلك تعتبر هذه المناطق بانها قاع بحر تيثوس تكشف عن معظمها في عصر جيولوجي متاخر نسبيا . ولذلك يمكننا ان نعتبر ان جزيرة العرب تتألف من قسمين رئيسيين يفصل بينهما خط دائري يبدا عند خليج العقبة شمالا ويتجه شرقا باتساع حتى يصل غربى الرياض ثم يعود
فيضيق تدريجيا حتى ينتهى شرقي اليمن الجنوبي فالقسم الغربى يسمي (( الدرع )) لانه يتألف من صخور نارية متحولة تعتبر بقايا سلاسل جبال قديمة جدا قضت عليها عوامل التعرية المختلفة وجرفتها السيول الضخمة حتى ساوت قسما كبيرا منها بالأرض . وهذا القسم بلا شك جزء من الشمال الشرقي لافريقية المجاور له . وقد فصلهما البحر الاحمر في عصور جيولوجية متأخرة نسبيا .
اما القسم الشرقي من جزيرة العرب فهو عبارة عن صخور رسوبية حديثة جدا جيولوجيا بالنسبة الى (( الدرع )) في تحركه شرقا شمالا ضغط على القسم الرسوبي مما أدى الى ميلانه من الغرب الى الشرق فنرى ارتفاعه عند سلسلة جبال طريق المواجهة للغرب وانخفاضه عند العدوة الشرقية للخليج حيث نجد ان سمك الصخور الرسوبية تحت سطح الخليج هناك تصل الى اكثر من ٤٠ الف قدم . وكذلك ادى هذا الضغط على هذه القطعة الرسوبية الى تكوين تحدبات وقباب جوفية في غاية الاتساع والامتداد اشهرها اطلاقا وأكبرها تحدبا منطقة الغوار . كما أتى ضغط جوفي شديد نتيجة لتكون جمال هملايا في شمال الهند مما أدى الى تكون جبال ايران وجبال عمان .
كان بحر تيثوس لوقوعه في منطقة مناخية ملائمة يعج بالحيوانات الصغيرة والنباتات البحرية بصورة لا يتصورها عقل ولا يتخيلها فكر . فهذه الحيوانات والنباتات - كما يعتقد - كانت المواد التى تكون منها النفط . ومع موافقتى لما يقول به العلماء من تكون النفط من الرسوبات التدريجية لهذه المواد العضوية الا اننى اعتقد ايضا بالرسوبات الفجائية لها . لأن الارض في تلك العصور الجيولوجية القديمة كانت لا تزال شابة فتية هائجة مائجة . فالبراكين الكاسحة الحارقة والزلازل المدمرة العاتية والامطار التي تدوم ليس أشهرا ولا سنين وانما قرونا متطاولة متلاحقة لا تخف ولا تكف فهي طوفان عارم دائم . وكثيرا ما يحدث ان تثور عدة براكين فترمي بالحمم الحارقة والسموم الناقعة المهلكة مما يؤدى الى قتل الحيوانات والنباتات
البحرية على مئات الآلاف من الاميال المربعة في لحظة واحدة فتسقط طبقة كثيفة تتجاوز الاميال في ارتفاعها وسمكها . ثم لا تلبث ان تغطيها الرسوبات الهائلة بطبقة كثيفة تزداد ارتفاعا مع القرون وتزداد صلابة مع السنين ، أو ان يحدث بركان ماحق أو زلزال ساحق يؤدي الى سد اجزاء من هذا البحر وعزلها ، فسرعان ما تبخر الشمس اللافحة مياه هذه الاجزاء بسرعة عظيمة فتزداد ملوحتها الى ان تصل درجة لا يستطيع معها أي كائن او نبات الحياة معها ، فتسقط جميع أنواع الحياة كسفا تغطى جميع قاع ذلك الجزء على ارتفاع شامخ كالجبال وسرعان ما تأتي الرسوبات فتغطيها طبقات فوق طبقات . واكبر دليل على ذلك جبال الملح الهائلة في صحارى ايران وطبقات الملح تحت قاع الخليج اذ يعتقد العلماء ان معظم جزر الخليج عبارة عن نافورات ملح ارتفعت تحت الضغط الشديد فرفعت اقساما من قاع الخليج معها . ومعروف ان الملح يذوب تحت الضغط الشديد . ليس هذا ، أيها السادة ، نسج خيال او حديث خرافة او رجما بالغيب ، وانما هو الحقيقة المبنية على عديد من الشواهد والاثباتات العلمية . فلنترك الان جبال الحيوانات المدفونة بين طبقات الارض تختمر تدريجيا وتطبخها حرارة الارض وثقل الصخور فوقها ، وطبخها وتحويلها الى نفط يحتاجان ليس الى ايام أو سنوات أو حتى قرون بل الى عدة ملايين من السنين ، وعندما تنطبخ تنساب في باطن الارض فما وقع في المصايد التي تهيأت لها وهي القباب والتحدبات الارضية الهائلة بقي هناك ليصبح نفطا ومركباته : يأتي في الوقت المناسب الى انقاذ الخليج بعد ان شاخ وكاد ان يذهب بهاؤه ورونقه ليعيد اليه حيويته وغناه القديم بأشد مما كان عليه .
فلنترك النفط ينضج لنعود اليه عندما نتفرغ لذلك .
٢ - فجر التاريخ في الخليج
إذا رجعنا الى الوراء خمسمائة ألف سنة أو اكثر نجد ان الجزيرة ومنطقة الخليج قد اخذتا شكلهما
الحاضر جغرافيا ، أما من حيث المناخ فقد كان يختلف في ذلك الزمن تمام الاختلاف عما هو عليه الان لأن تقدم الجليد على فترات متتالية من القطب الشمالي وتغطيته اجزاء كبيرة من آسية واوروبة وامريكة الشمالية حقبا طويلة وعلى علو كبير اديا الى هطول الامطار بشدة وبصورة متلاحقة على البلاد الواقعة جنوبي خط الجليد وهي شمال افريقية وبلاد العرب واواسط آسية . فهذه البلاد التى تعد الان حزاما هائلا من الصحارى يحيط بالعالم ، قد كانت - على عكس ذلك - مروجا خضراء يانعة حتى فقط قبل مائتي ألف سنة أو أكثر وبعدها .
فالمنطقة المحيطة بالخليج كانت بلا شك مروجا خضرا ، تتخللها الغابات الشاسعة ، وهذه القطعة من الشجر المتحجر قد التقطت من قرب الهيدروك (على مسافة مائة كيلومتر الى الشمال الغربي من الظهران قريبا من الطريق الى ثاج) وهذه الاشجار المتحجرة ليست وقفا على الجزيرة بل أن في صحراء مصر و ليبيا مساحات شاسعة اذا رأيتها من بعد حسبتها حطبا متكسرا فاذا اقتربت منها عرفت انها بقايا متحجرات لغابات كانت تغطى مساحات واسعة في ارض الان هى اسوأ ما عرف الانسان من الصحارى القاحلة الجرداء (١) وهنا في الجزيرة من دراسة مجرى وادي الباطن الذي يبدأ من اواسط نجد استنتج العلماء انه كان نهرا ضخما كثير المياه يسيل من نجد إلى الشمال الشرقي حتى يصب قرب كاظمة والزبير ، وكذلك كان يسيل
من نجد نهر كبير يجرى الى الشرق الجنوبى في وادى السهبى نحو الجنوب من قطر وكذلك كانت هناك انهار اخرى لم يبق الان الا اوديتها التى كانت تجري فيها مثل وادي حنيفة وغيره كما لا بد انه كانت انهار زاخرة تصب في المكان المسمى الان بالربع الخالى مكونة فيه بحيرة كبيرة . وقد وجدت العظام المتحجرة لحيوانات الديناصورص في مكان يبعد حوالى ٧٠كم الى الجنوب الغربي من النعيرية .
أول آثار للانسان نجدا حول منطقة الخليج هي الادوات الظرانية ، والظران هي الفؤوس الحجرية اليدوية التي كان يستعملها الانسان الاول للحفر عن جذور النباتات ولقتل الحيوانات الصغيرة كالارانب وغيرها ، وللفاس اليدوية اسم آخر وهو الفهر ، الذى لهذا السبب كان يسمى به العرب ابناءهم ، كما سموا بعد ذلك صخرا وحجرا . وقد وجدت بعض هذه الاثار التى ترجع إلى ما لا يقل عن ١٠٠.٠٠٠ عام ، هنا ، في الداومى ، وفي قونسة ابن غضيان (على بعد ٦٥ ميلا شرقي السليل على حدود الربع الخالي) وفي حبروت وهي على بعد سبعين ميلا شمال المكلا وعلى حدود الربع الخالي من الجنوب ، وكذلك على جبل المذرى الشمالى قرب الظهران وكذلك في مغارة في جبل دخان وسط جزيرة البحرين ، كما وجدت طبعا هذه الأدوات في جميع مناطق الشرق الادنى وكذلك في الصومال وشمال السودان ومصر وايران وشرقي تركيا والعراق . . ما يدل على وحدة الثقافة البشرية ولربما ايضا وحدة السكان وتنقلهم المستمر في جميع هذه المنطقة الشاسعة . كما وجدت الأدوات الحجرية من مختلف الاشكال ومختلف العصور الحجرية التي مر بها الانسان .
ولا شك ان الانسان في هذه المنطقة الشاسعة انتقل من دور الاعتماد على الحشائش والحيوانات الصغيرة الى دور الصيد ، غير ان الخطوة الاولى الهامة في سلم المدنية ، وما تلاها من الخطى كما سنرى ، حدثت في منطقة الخليج . فمن الثابت الان ان الانسان عندما تحول تدريجيا من دور الصيد والرعي الى دور الاستقرار أسس أولى القرى البشرية حوالى الألف
العاشر ق . م أي قبل اثني عشر ألف سنة على سفوح جبال زاغروس المحيطة بالخليج من الشرق الشمالى وكذلك شمال العراق وبعضها غرب تركيا ، وما كان لتلك القرى ان تستمر وتتقدم وتثبت لولا ان الانسان في تلك القرى حوالى الخليج تمكن ان تدجين معظم الحيوانات التي تعيش عليها البشرية اليوم وكذلك معظم الحبوب والخضراوات بل كذلك ايضا معظم اشجار الفاكهة ، ولولا جميع هذه لما كانت لتقوم للانسان مدنية او حضارة . فقد كتب اخيرا الشئ الكثير حول هذه الموضوع واخذه العلماء بالاثبات والنفي الى ان انتهوا اخيرا الى القول بان تدجين هذه الامور الثلاثة في المنطقة التى تشمل الخليج العربي . ويغلب على الظن ان الشعير والقمح قد دجنا شمال الخليج لان القمح والشعير لا يزالان منتشرين في حالتهما البدائية في شمال العراق وغرب ايران . وعلى سفوح جبال زاغروس في منطقة تشمل الخليج دجن الانسان أول ما دجن البقر ، منذ الالف السابع ق . م في شرقي الاناضول ومنذ الالف السادس ق . م في شمال العراق حيث ايضا دجنت الاغنام والماعز ، والخنزير ، ويعتقد العلماء ان الهجين ، وهو الجمل العربي ذو السنام الواحد قد دجن في أواسط بلاد العرب أو في جنوبيها الشرقي أى في المنطقة الواقعة حوالى واحة يبرين حوالى الألف الثاني ق . م أي قبل حوالى ٣٨٠٠ سنة بينما كان الفالج ، وهو الجمل ذو السنامين ، قد دجن في أواسط آسية قبل ذلك بألف سنة . وكان لتدجين الجمل أهمية عظمى اذ مكن الانسان من اقتحام الصحاري والقفار ، اذ كان قبله يستعمل الحمار بصورة واسعة .
نستطيع ان نقول : ان موجة بشرية كانت قد خرجت من حوالى منطقة الخليج في هذا الوقت واتجهت شمالا شرقا نحو الصين واخذت معها من النباتات المدجنة الارز ومن الحيوانات المدجنة الحنزير ، والارز والخنزير يعطيان اضعاف اضعاف ما يعطيه القمح والشعير والأغنام والابقار . وكذلك في منطقة الخليج دجنت معظم اشجار الفاكهة كالتفاح والكمثري (الاجاص) والرمان كما ان الفصيلة اللوزية اهدت
الانسانية زيادة على اللوز ، المشمش والبرقوق والخوخ, كما يعتقد ان العنب دجن ، وفي أرمينية . ويرجع العلماء الفصيلة اللوزية الى اصول كانت في تركستان او حوالى ذلك واكبر سبب يدعونا الى هذا القول هو ان البقايا البرية لمعظم هذه النباتات والحيوانات والاشجار لا تزال موجودة في المنطقة الواقعة حوالى الخليج . فقد رايت بعيني حقولا واسعة جدا على رؤوس الجبال الشامخة وفي بطون الاودية الشديدة الانحدار في شمال العراق من الشعير والقمح البريين ، وفصيلة الورد بالإضافة الى الوردة الجميلة أعطت الانسانية الاجاص والسفرجل ، ولا تزال للآن غاباتهما البرية منتشرة على سفوح جبال زاغروس . انما مصدر الغذاء الاساسي النباتي - وهو الحبوب من قمح وشعير وذرة وغيرها - دجنها الانسان حوالى الخليج . واهم ما يميز المدجن منها عن غير المدجن هو ان المدجن لا تنفجر سنابله عندما ينضج ، بل ينتظر الانسان حتى يحصده .
وفي بزوغ التاريخ اخترع الانسان شيئا كان له الاثر البالغ الاهمية في تاريخ المدنية الا وهو العجلة . بدا الانسان بدحرجة الاشياء الثقيلة جدا على جذوع الاشجار ومن هذه أخذ فكرة العجلة التى كانت أول الامر قطعة مدورة صلدة من جذع غليظ ثم بعد قرون تطورت الى العجلة التى نعرفها الآن . واختراع العجلة عظيم الاهمية جدا يكاد يعادل اختراع الانسان للكتابة فيما بعد ، ويقال الآن : ان بدء اختراعها كان في شمال العراق في السهول التي بين بحيرتي أرمية وفان . وقد ساعد على تطوير العجلة وانتشارها ان الابقار كانت في طليعة الحيوانات التي دجنها الانسان فاستخدم الانسان الابقار لنقل الأشياء الثقيلة ولنقل اثاثه وعائلته من مكان الى آخر في عربات على عجلات تجرها الثيران . والغريب ان جميع سكان الامريكتين من الهنود الحمر كانوا حتى اكتشاف كولمبس لهم سنة ١٤٩٢ لم يتوصلوا بعد الى اختراع العجلة ، وكان هذا مع عدم توصلهم الى صنع الحديد والفولاذ مما أدى الى تاخرهم فلم يستطيعوا الصمود فيما بعد امام الأسبان والاوروبيين الذين احتلوا بلادهم .
وكان الانسان قد استقر في أول القرى البشرية على سفوح جبال زاغروس ويدعم العلماء حجتهم على ذلك بالقول بان جبال زاغروس في تلك الاوقات كانت تقدم في جبالها العالية ثم في منخفضات أوديتها ، المرعى للمواشي طيلة ايام السنة ، ولصعوبة الأودية والجبال وكثرة الكهوف كانت صالحة لايواء الانسان البدائي لسهولة الدفاع فيها عن نفسه ليس ضد الحيوانات الضارية فقط بل ضد غزوات الجماعات المعادية من بني البشر ، وكذلك لوجود محصول غذائي للانسان وفير جدا من جوز البلوط الذي كان كثيرا جدا هناك .
وآثار بعض المغارات والاماكن تؤيد هذا .
٣ - السومريون ثم الساميون في الخليج
هذا ، بينما كانت المستنقعات في دلتا نهرى الدجلة والفرات تجف تدريجيا ويساعد ذلك الرسوبات الهائلة التى كان يقذف بها وادى الباطن من الغرب ، من جزيرة العرب ، والتي كان يقذف بها نهر كارون من الشرق من هضبة جبال زاغروس . وهذا ما كان يحدث ايضا في دلتا نهر النيل واواسط نهر السند . وكان الانسان لجهله بالزراعة وعدم استعماله السماد يهلك الارض سريعا فكان لا بد لتقدم البشرية من الاستقرار في امكنة تخصب ذاتها بذاتها مثل مصب الانهر التي تأتي بالغرين الثمين الذي يحيى الارض سنة بعد سنة ويجعلها قادرة على اعالة مجموعة كبيرة من البشر لاول مرة في التاريخ .
وكانت بعض القبائل - لربما سامية - قد بدات تستقر في دلتا ما بين النهرين وتبني بعض القرى عندما اتى شعب نشيط ذكي استقر في رأس الدلتا وكون أول مدينة بشرية لعبت دورا هاما جدا ليس في تاريخ هذه المنطقة فقط وانما ايضا في تاريخ العالم . الا وهو السومريون . لا نعرف من أين اتوا ولا الى اي جنس ينتسبون وليس للغتهم شبه بأى لغة اخرى معروفة في العالم . نزلوا رأس الخليج في الالف الرابع ق . م حيث داموا بالمدنية عدة خطوات هامة ، فالبشرية مدينة للسومريين بعدة امور جوهرية هامة ، ابرزها
انهم دفعوا بحياة القرى التى شرحتها الان الى مستوى المدن ، وهذه خطوة جبارة هامة ، والاختلافات بين حضارة القرية وحياة المدينة عديدة كثيرة : اقتصادية وسياسية وادارية وحضارية ، اهمها التخصي (أو التخصص كما يقال خطأ) في المهن والانتاج ليس للاستهلاك الشخصي والعائلي كما في الاقتصاد القروي ، بل للبيع والمقايضة ، ففي القرية ينتج القروي ما يحتاج اليه ينتج ادوات حراثته ويبني بيته ويذبح حيواناته ويعمل ادواته الفخارية ويخبز خبزه وينسج ثيابه ، بينما في المدينة يتخصى بضعة أفراد في البناء لا يعملون غيره ، وآخرون ينسج الثياب ، واخرون بصنع ادوات الحراثة والحصاد وهكذا ، وهذا التخصي يجعل المرء يبدع في مهنته لانه لا يقوم الا بها . ففي المدينة لا يستطيع المرء القيام بجميع حاجياته . ومن مميزات المدن الخضوع لحكومة مركزية تجمع الضرائب وتتولى حفظ الامن ووضع القوانين وتنفيذها وتبعا لذلك يتوفر للناس امران هامان : الامن والتخصي ومن ذلك تنشأ اوقات فراغ واستجمام استخدمها الانسان في تطوير الثقافة والفن والموسيقى . اضف الى ذلك ان كلمة مدنية في اللغة العربية ، وما يقابلها في اللغات الأخرى مشتقة من كلمة مدينة ، فلولا المدن ما قامت المدنية ، ورغم مرور اكثر من ستة آلاف سنة منذ قيام السومريين لا يزال العالم للان يعيش في دور مدنية المدن . وكذلك كانوا أول من تقدم في صنع الادوات المعدنية فهم اول من توصل إلى فكرة خلط النحاس بالقصدير بنسب معينة لانتاج البرونز الذي هو اقسى من الاثنين .
غير ان اغلى ما قدمه السومريون للحضارة البشرية كان اختراعهم للكتابة ، اذ ان نظامهم الاقتصادي الجماعي المرتبط بالهياكل دفعهم الى ايجاد طريقة لتسجيل أموال الهياكل . وقد عثر المنقبون على الواح ترتقي إلى أواخر الالف الرابع ق . م يعتقد بانها أولى المحاولات البشرية للكتابة ، وهي عبارة عن صور لبعض الادوات اليومية العادية وبعض النباتات والحيوانات وبعض اجزاء الجسم البشرى . واستخدموا
الدوائر في أول الامر للتعبير عن العقود (أى العشره ومضاعفاتها ) ونصف الدوائر للتعبير عن الاحاد . ومع اننا لا نستطيع فهمها الا ان العلماء متاكدون من انها عبارة عن تسجيل حسابات الهياكل من دخل لها ومن خرج في مصروفات الجرايات . ثم تدرجت الكتابة خلال فترة طويلة نحو ما يعرف الان بالكتابة المسمارية . ويقول العلماء : انه انتشرت بتاثير السومرين فكرة الكتابة الى المصريين الذين استخدموا وموزا من بيئة مصر المحلية ، والى السند والى سوريا والي العيلاميين فيما يسمى الآن خوزستان . فكانت منطقة الخليج منطقة اشعاع فكرى علمي ادبي . وقد بقى اثر السومريين في جميع من تلاهم من الاقوام في الخليج وما حوله قرونا متطاولة وكانت آدابهم تنقل جيلا وراء جيل ومنها قصة جلجميش بطل الملحمة البشرية الاولى في البحث عن الخلود ، وذلك لان المدنية السومرية كانت راقية اعتمدت على المدارس التى تكاد تشبه احدث المدارس العصرية . انتشرت بين جميع افرادهم ذكورا واناثا القراءة والكتابة على مدى واسع لا مثيل له حتى في كثير من بلاد العالم اليوم . فلا عجب ان السومريين تركوا لنا من غير مبالغة مئات الآلاف من الالواح اطلعتنا على كل صغيرة وكبيرة في حياتهم . اما حياتهم الاقتصادية فكانت زاخرة ، وهنا ايضا اضطر السومريون إلى التجارة اضطرارا ، ومع ان ارضهم كانت في غاية الخصب بسبب الغرين او الطمي الهائل الذي كان يجلبه نهرا دجلة والفرات الا انها مع ذلك كانت خالية تماما من عناصر هامة لا تقوم المدنيات الا بها :
المعادن ، والاخشاب والحجارة . فاندفعوا إلى البلاد المجاورة بحثا عن هذه الامور مما أدى بهم الى القيام بالرحلات البعيدة . وتذكر النصوص السومرية وما تلاها من الالواح الاكادية والبابلية اسماء ثلاثة اماكن على الأخص وهي (( تلمون )) أو (( ديلمون )) و(( ماجان )) و (( ملخا )) . اما الاولى فيعتقد العلماء انها جزيرة البحرين والثانية عمان والثالثة السند حيث نشأت مدنية هائلة في موهنجو دارو وهريا . ولذلك اوصل السومريون
ومن تلاهم من الاكاديين التجارة فى الخليج الى درجة من النشاط والضخامة لم تصلها مرة ثانية الا في العصور الزاهية كالعصر الاسلامي قبل مجئ البرتغاليين وذلك لان السومريين تلاعم تاجروا ليعيشوا بينما كان غيرهم كالمصريين مثلا في حالة اكتفاء ولم يتاجروا الا بالكماليات .
والسومريون أول من جمع القوانين ونشروها على الشعب ليتعرف عليها ويعمل بها وكانوا اول من اهتم بالارملة واليتيم وسنوا القوانين لحمايتهما . ومن قوانينهم هذه ورثنا كلمة (( مسكين )) . ويعتقد كثير من العلماء ان الخليج العربى شاهد أولى المحاولات البشرية للملاحة البحرية كما شاهد تطورها فبعد ان ركب الانسان البدائي الالواح و (( الهورى )) على الانهار والبحيرات خرج الى البحر . فيقول امير البحر بلارد في كتابه (( حكام المحيط الهندي )) : (( لا يوجد مكان على وجه الأرض - باستثناء القطبين - مثل الخليج العربي حيث الارض جرداء قحلة ليس عليها ما يقيم أود الانسان بينما البحر امامه يغلى ويفور كالمرجل بالأسماك والحيوانات البحرية )) . والشاطئ العربي الطويل يمتاز على الاخص بتدرج عمقه ببطء ، بل هناك من العلماء من يعتقد ان الملاحة في الخليج ولدت وسرعان ما تطورت حتى تمكن الملاحون من الخروج بمراكبهم من الخليج الى المحيط الهندى الواسع حيث اكتشفوا الرياح الموسمية التي
تكاد تكون كالساعة في دقة نظام هيوبها فهى تهب في اشهر الصيف من الجنوب الشرقى الى الشمال الغربى فتجلب الامطار إلى الهند وعلى العكس في اشهر الشتاء وكذلك استعان الملاحون الساميون في ملاحتهم بالنجوم : (( وهم بالنجم يهتدون)) .
ثم اتى بعد السومريين الامم السامية كالاكاديين الذين امتزجوا بالسومريين واخذوا عنهم الكتابة المسمارية بعد ان حوروها لتناسب لغتهم السامية واخذوا عنهم حضارتهم وكثيرا من معتقداتهم وكثيرا من تعابيرهم وكونوا مملكة سموها مملكة سومر وأكاد ووسعو التجارة ثم اتى بعدهم اشقاؤهم الاشوريون في الشمال في نينوى قرب الموصلى ومن هناك كونوا امبراطورية واسعة شملت سورية وفلسطين ومصر وكانت تجارتهم نشطة جدا وعلى الأخص مع آسية الصغرى حيث كانت لهم جالية تجارية هامة . ثم خلف هؤلاء البابليون الذين كانوا مضرب المثل في الغنى لاستيلائهم على تجارة الهند المربحة .
ولم تكن بلاد ما بين النهرين طيلة هذه القرون مركز العلم والاشعاع الفكرى والديني وحسب وإنما ايضا اعظم مركز انتاجي استطاع ان يسند عدة امبراطوريات متتالية بالمقومات المادية والبشرية . (البقية في العدد القادم ان شاء الله)

