الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

تفنيد وتجديد

Share

يقول جون جاك روسو احد اعلام المدرسة الطبيعية فى التربية : " من لم يسطيع القيام بواجبات الابوة ليس له الحق فى ان يصبح ابا " وهو فى اتخاذه لهذا الموقف انما يعبر عن مشاعر الاثم وحزازات الاسى التى تعروه كأب شاعر باهماله تربية اولاده وتقصيره فى اداء واجباته الانسانية ازاء من تسبب فى ايجادهم وما تعنى لاسعادهم

وانه لمن املاءات الضمير  ان تعزف المرأة الناضجة التكوين بالمجتمعات المتمدنية عن الحمل بتناولها موانعه ومعيقاته حتى لا يخزيها الضمير - كخزية للاديب الفرنسي - فى انجابها اطفالا قد لا ينتظر لهم - فى يقينها - الا الجوع والمرض او العراء والتشرد ، نظرا لتدهور اخلاق زوجها او تخلف امكانياته الشخصية - ولعلنا بتملينا رأى مثل هذه المرأة فى استفسار وتطلع عن دواعي نفسها المأزومة - ازاء صدها الحمل اجابتنا قائلة : اننى تسببت في شقاء نفسي بعدم توفيقي في اختيار الزوج المثالى الذى داعبته احلامي ، وكفاني هذا الشقا شقاء . . . فلماذا يراد منى وينتظر ، ان اضعف شقائى وازيد فى عنائر بتسببي فى شقاء اطفال اعد نفسى مسؤولة عن اختيار ابيهم ومعيلهم الكفء . . .

ولقد يشبه موقف هذه الزوجة الفاشلة موقف الشاب الذى اهلته بيئته النيره لفهم طبيعة الحياة على وجهها الاكمل - انه ولاغرو ان رايناه ممسكا عن الزواج فلانه لم ير فى نفسه المقدرة ولا الاهلية الكاملة للقيام باعباء ومسؤوليات الزوج والاب - ولقد يتساءل المرء ازاء هذا الافراط فى الحيطة الى المستقبل قائلا الم يكن الانسان العوبة الاقدار بحيث لا يستطيع التنبؤ بمصيره المجهول فلماذا اذن هذا الوسواس وهذا التردد عند عتبة الحياة الزوجية ؟ ! . . نعم نجد الشباب اليقظ وقد توفرت له اسباب التزوج وبسطت له الحياة يدها رخاء فى ظل محبة صادقة الاحساس خالصة المقصد ولكنه بأبى على نفسه الانسياق وراء عواطفه العتية ومشاعره الحية لكي لا يضلل بالحياة عن فهم الحياة نفسها مثل هذا الشاب يتأبى - وحقا له التأبى - على ان ينجرف وراء الرغبة العاجلة فتسحقه الحياة تلك الحياة التى هى فى نظره الواعي

ذات ناموس وان لم يكن للانسان معه نفوذه وارادة مطلقة الا انها - على اهلته عليه بيئته التربوية - يراها اسلس انقيادا واطوع شكيمة لانصار المنطق السليم والتقدير الحكيم منها الى ذوى النزعات العفوية او الارتجالات التلقائية واننا لنجد من بين فقرات " اميل " لروسو جملة مؤداها : " لاعائق الفقر ولا شغل الشواغل ، والتقدير والهيبة الانسانية بمعفية للاب من مسؤولياته فى تغذية وتربية اطفاله بنفسه "

ففي هذا الموقف الذى اتخذه روسو ازاء مسؤوليات الاباء ما يشير الى تفطنه آخر الامر الى فداحة الخطا الذى وقع فيه باهماله اولاده وايكال مهمة تنشئتهم الى من سواه ، كما انه بهذا الموقف يفصح ويبين عن اعتقاده الجازم في حتمية الرعاية الابوية لشخصية الطفل تلك الرعاية التى لا تدانيها رعاية اني كانت فضائلها وشرائطها الانسانية

وهكذا تمشيا مع هذا المعتقد الحي يحجم عدد ضخم من المفكرين وذوي الاعمال عن انجاب الاطفال او حتى الزواج بالمرة . . لماذا ؟ ! لا لانهم منطوون على انفسهم او متشائمون فى نزعتهم وامزجتهم بل لانهم فى ادراكهم الصاحي - لم يأنسوا فى انفسهم الصبر او المقدرة على اداء الرسالة على الوجه الذى يرضى ضمائرهم وبالتالى فانهم يفضلون التراجع عن اقتراف اثم لافى حق الخالق بل في حق عباده .

وتمشيا مع هذا المنطق ايضا تتجه بيئات اجتماعية كثيرة - في القديم والحديث - الى الاخذ بفكرة تحديد النسل فى مقابل تجويده صنعه واتقان تكوينه - لماذا ؟ لان مثل هذه المجتمعات يممت وجهتها شطر النوعية والكيفية بدلا من الكمية والعددية لا غير

اشترك في نشرتنا البريدية