يروم الاستاذ الانصاري أن تكون مجلة " المنهل " النيرة ، وسيلة من وسائل احياء التراث العلمي العربي القديم ، تجدد الذكري ، وتحفز النفوس وتصل الماضى بيمن الحاضر ، وتقوى الصلة ، وتعزز الأصرة بما تنشر على صفحاتها من آثار ابطال العروبة في الاداب والفنون والمعارف ، ويروم من كاتب هذا الفصل مشاطرته ، مجهوده الوطني الثقافي بكتابة مقال عن " تقي الدين الحسنى " على أن لا يتجاوز سبع صفحات ، وكأن الاستاذ علم أن مجال القول عن هذا المؤرخ الجليل ذو سعة ، وان ايفاءه حقه يستلزم كتابة مجلد ضخم ، لا صفحات معدودات ، فاشترط ذلك الشرط المجحف بحق ذلك المؤرخ الذى كتب في تخليد آثار عاصمة " الاسلام "وتجديد مجد عظمائها اكثر من خمسة آلاف صفحة ، أما أنا فسأحاول التوفيق بين الوفاء بهذا الشرط ، وبين إيفاء هذا المؤرخ حقه ، من بيان حاله ، والاشادة بفضله معولا على المؤرخ نفسه ، فيما كتب ترجمة له في كتابه " العقد الثمين " مع زيادة بعض ايضاحات تتعلق بمؤلفاته .
مولده ونشأته ورحلاته
ولد الامام المؤرخ الحافظ ابو الطيب نقي الدين محمد بن الامام العلامة لقاضى شهاب الدين ابي العباس احمد بن على الحسنى المكى المالكى ، الشهير
كأسلافه " بالفاسى " ( ١ ) فى ليلة الجمعة ٢٠ ربيع الأول سنة ٧٧٥ ه بمكة ، من أسرة علوية النسب ، كريمة الحسب ، اشتهر كثير من أفرادها بالعلم والفضل وتولى كثير منهم المناصب العلمية من قضاء وإفتاء وإمامة فى مكة والمدينة ، فوالده من مشاهير العلماء الأجلاء ، وقد تولى القضاء مدة طويلة ، وجده لأمه قاضى مكة وعالمها ابو الفضل النويري ، وخاله قاضى الحرمين محيى الدين النويرى ، ثم بعد اربع سنوات من ولادته نقل مع والدته واخيه عبد اللطيف الى المدينة ، لأن خالهما قاضى الحرمين النويري ، كان مقيما بها قاضيا ، ولما بلغ من العمر ثلاث عشرة سنة عاد ، مع أهله إلى مكة ، وبعد احدي عشرة سنة من عودته اليها سافر الى الديار المصرية لطلب العلم وعمره اذ ذاك اربع وعشرون سنة ثم رحل من مصر الى دمشق ومنها عاد الى مكة وبقي فيها اقل من سنة ثم رحل الرحلة الثانية الى مصر فى سنة ٧٩٩ ومنها زار المسجد الاقصى ، ثم عاد الى القاهرة وفي سنة ٨٠٠ رحل الى دمشق الرحلة الثانية وعاد منها الى القاهرة فالاسكندرية ، وفي سنة ٨٠٢ سافر الى دمشق للمرة الثالثة هو والحافظ ابن حجر العسقلاني ، وبعد سنة واحدة عاد الى القاهرة بعد ان زار كثيرا من مدن فلسطين كالقدس ونابلس وغيرهما ، ثم سافر الى مكة فى سنة ٨٠٤ واقام بها إلى ما بعد حج سنة ٨٠٥ حيث رحل الى اليمن ودخل مدينة عدن وغيرها من مدن اليمن ، ثم عاد الى مكة فبلغها فى آخر عام ٨٠٦ وبعد الحج رحل منها الى دمشق الرحلة الرابعة برا مارا بالمدينة ، فوصل إلى دمشق فى ٢٤ المحرم سنة ٨٠٧ ثم توجه منها فى جمادي الاولى الى القاهرة فوصل اليها فى جمادي الآخرة ، وهي سادس مرة يزور فيها هذه المدينة ، وفي سنة ٨١٧ سافر الى اليمن بحرا مارا بجزيرة كمران بعد رحل عدة رحلات الى كثير من البلدان العربية لطلب العلم ، واجتمع بمشاهير علماء تلك البلدان فى ذلك العصر ، وكان فى اسفاره دؤوبا على الاستفادة والافادة ، مشتغلا بالتأليف ، وقد ذكر في آخر كتاب " شفاء الغرام " أنه
زاد فى هذا الكتاب فوائد كثيرة وهو بمرسى جزيرة كمران وفيما بينها وبين المندب من البحر الملح ببلاد اليمن ، وانه اختصر كتابه " العقد " وهو في اليمن ، ثم اختصر المختصر واكمل تأليفه وهو فى دمشق
مشايخة وتلاميذه :
أما مشايخه الذين أخذ عنهم فقد وصفهم بأنهم كثيرون جدا قال : ( ولعلهم يبلغون خمسمائة ) وقد عددت من مشاهيرهم ممن ترجمهم فى " العقد " اكثر من ستين عالما جليلا ، منهم الحافظان العراقى وابنه ابو زرعة صاحبا المؤلفات المعروفة فى علم الحديث ، ومجد الدين الشيرازي اللغوي مؤلف القاموس وغيره ، وكمال الدين الدميري المؤرخ ، وابو بكر المراغي مؤرخ المدينة ، وشرف الدين ابن المقري اليمنى العالم الاديب الشاعر ، وعمد بن الجزري المقرى الشهير ، وغيرهم من أفاضل العلماء وقد يجد الباحث في ثبت العلماء الذين روى عنهم كثيرا من فضليات النساء ممن اشتهرن بالعلم والفضل والصلاح في ذلك العصر الذي يصمه بعض اهل عصرنا بالجهل ، ويصفه بالظلمة ، مثل السيدة أم الحسن فاطمة بنت مفتى مكة الجرادى ، ومريم بنت احمد الأخرجي ، وعائشة بنت عبد الهادى ، وام عيسى بنت احمد الحنفي ، وفاطمة بنت عبد الهادى وغيرهن ممن ترجمهن فى كتابه " العقد الثمين " ومن شيوخه الذين تلقي العلم عنهم ، فيلسوف المؤرخين العلامة ابن خلدون ، ومن أقرانه الذين استفاد منهم ، الحافظ المحدث ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري وغيره من المؤلفات الجليلة ، واما تلاميذه الذين رووا عنه فكثيرون من علماء القرن التاسع الهجرى من أهل مصر والشام واليمن والحجاز . ومن أشهرهم العلامة نجم الدين عمر بن محمد بن فهد المكى ، ذو التأليف الجليل فى تاريخ مكة ، وهذا التلميذ البار قد نشر كثيرا من مؤلفات شيخه ، واستنسخها واعتني بها نقلا وتدريسا وتكميلا
الاعمال التى تولاها
١ - في سنة ٨٠٧ ولاه الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق قضاء المالكية بمكة منفردا وهو أول من وليه بالانفراد وقرىء توقيع ولايته في ذي الحجة فى المسجد الحرام خلف المقام الحنفي بحضور امير الحج المصرى وغيره من الوجهاء والاعيان ، واستمر في هذا العمل حتى صرف عنه في ٢٤ شوال سنة ٨١٧ ه .
٢ - وفي سنة ٨١٤ ولى تدريس المالكية في المدرسة السلطانية الغياثية ولعل من المناسب أن نذكر شيئا عن هذه المدرسة من كتاب " العقد الثمين " قال فى ترجمة السلطان اعظم شاه بن اسكندر شاه غياث الدين ابو المظفر صاحب " بنجالة " من بلاد الهند : " وصاحب المدرسة التى بمكة على باب ام هاني من المسجد الحرام كان ملكا جليلا له حظ فى العلم والخير ، بعث الى مكة والحرمين بصدقات طائلة غير مرة ففرقت بهما ، وعم بذلك النفع ، وبعث مع ذلك بمال لعمارة مدرستين ، مدرسة بمكة ومدرسة بالمدينة ، وشراء عقار يوقف عليهما ، ففعل له ذلك من ندبه اليه ، وكان ابتداء عمارة المدرسة بمكة في شهر رمضان سنة ٨١٣ ولم تنقض هذه السنة حتى فرغ من عمارة أسفلها وغالب علوها ، واكملت عمارتها فى النصف الاول من سنة ٨١٤ وفي جمادى الآخرة ابتدأ فيها التدريس في المذاهب الاربعة ، ودرست فيها لطائفة المالكية ، وكان وقفها فى المحرم من هذه السنة ، وفيه وقف عليها أصيلتان ( ؟ ) أحداهما تعرف بسلم والأخرى بالخلى بالضيعة المعروفة بالركاني ( ١ ) واربع وجبات من قرار عين هذه الضيعة ثنتان منها تعرفان بحسين منصور ( ؟ ) ليلة ونهاره ، وثنتان تعرفان بحسين يحيى ( ؟ ) ليله ونهاره ، وجعل ذلك خمسة اقسام ، قسم للمدرسين الاربعة بالسوية بينهم ، وثلاثة أقسام للطلبة وهم سبعون نفرا ( ٢ )، عشرون من الشافعية ، وعشرون من الحنفية ، وعشرون من المالكية ، وعشرة من
الحنابلة ، بالسوية بينهم ، والقسم الخامس يقسم أثلاثا ، قسمان لسكان المدرسة وهم عشرة رجال ، وقسم لمصالحها ؛ وكان شراء هذا الوقف وموضع المدرسة باثني عشر الف مثقال ذهبا ، وكان المتولى لشراء هذا الوقف والمدرسة وعمارتها خادم السلطان المذكور ياقوت الحبشى وهو الذي تولى تفرقة صدقة السلطان بمكة سنة ٨١٣ ووقف المذكور على مصالح المدرسة دارا مقابلة لها اشتراها بخمسمائة مثقال وعمرها سنة ٨١٤ . وفي موسمها أشيعت بمكة وفاة السلطان المذكور غياث الدين ، وفي سنة ٨١٥ جاء الخبر من عدن فى البحر بصحة وفاة السلطان المذكور ، وفي ربيع الاول منها توفى خادمه ياقوت المذكور بجزيرة هرموز وهو متوجه الى مولاه ولم يقدر له لقاؤه ، والمدرسة التى بنيت في المدينة هى بمكان يقال له الحصن العتيق عند باب المسجد النبوى المعروف بباب السلام ، وترتيبها فى المدرسين والطلبة والوقف يخالف ما وقع بمكة في هذا المعنى " ا ه
٣ - وفي سنة ٨٠٨ ولي التدريس والافتاء في المسجد الحرام
٤ - وفى ذي القعدة سنة ٨١٧ أعيد الى ولاية قضاء المالكية ، وبقي فى عمله الى شهر المحرم سنة ٨٢٠ حيث ولى غيره هذا العمل .
٥- وفي أول جمادي الأولى أعيد الى اعماله التى كان قد تولاها من قضاء وغيره
( البقية في العدد الآتي )
