تنظيم الداخل

Share

تنظيم الداخل فى جهازه ومرافقه وسائر أعماله وأحواله ، مصدر قوة دفاقة ، ومبعث طاقة هائلة من النهوض والسمو .

وما اشبه ( جسم الدولة ) من هذه الناحية ، بجسم الانسان . . وما اشبه ( داخلية الدولة ) بداخل ( جسم الإنسان ) وأجهزته ومعامله الكامنة وراء بشرته الظاهرة من شرايين ، وعروق ، وأعصاب ، وقلب ، ورئة ، وكبد ، ولحم ، ودم ..

فإذا كان الجهاز الداخلى لجسم انسان ما . . سليما صحيحا سويا ، يؤدي كل جزء ، من اجزاء معامله ، مهامه بانتظام ، قوي ( الإنسان ) ونشط عندها على اداء كل المهام التى تدخل تحت نطاق قدرته الفكرية والجسمية ، كإنسان مثالي .

وقد قيل فى المثل السائر : ( العقل السليم فى الجسم السليم ) . وإذا ضعف الجهاز الداخلى ، أو شلت بعض أدواته ، فإن ذلك ليؤثر حتما فى طاقة الإنسان الفكرية والجسمية ، على قدر ما حصل فى جهازه من خلل أو تعطيل.

وكذلك شأن الدولة تماما فى ناحيتي القوة والضعف ، والسلامة والاختلال . فقد بان إذن  أن تنظيم الداخل ، وتركيز المسؤوليات الجسام ، وتوزيع المهام والاختصاصات فيه ضمان لصلاح الأمر ، واستقامته . . فباستطاعة كل وزارة أن ترسم لنفسها الخطط القويمة المفضية الى تحقيق الآمال الضخام ، وأن تتجنب عقبات الفوضى

والارتباك و الارتجال ، فى الشؤون التى تقتضي بحثا وتأملا ، ودراسة وفحصا . . قبل الإقدام على تنفيذها ، والمضي فى مزاولتها.

وهكذا تضخم النتائج ، على قدر ضخامة الجهود الموفقة المنظمة لدى كل وزارة. فإذا ضم محصولها هذا ، المشبع درسا وبحثا ، وتدقيقا وتحليلا ، الى محصول زميلاتها الأخر المماثلة فى الكم والكيف ، ووضع كل النتاج على بساط البحث ، فى هيئة عليا يساهم فيها الوزراء أنفسهم ، ونالت هذه النتائج من الدراسة ما تستلزمه أهميتها لمستقبل البلاد وحاضرها فإن " القرارات " التى ستتخذ . ستكون ، بحول الله، ناجحة منجحة ، لتنظيم الداخل ، تنظيما من شأنه أن يجعل من الأمة والدولة - اذا نفذت القرارات المتخذة على الوجه المنشود - طاقة خارقة من طاقات التقدم فى المجالات الثقافية والاقتصادية والدينية والعمرانية والاجتماعية ، والحربية ، والسياسية . وبذلك تصبح المملكة مهيبة فى الخارج ، لأنها مدعمة الكيان الداخلى ، بكل ما تستند اليه الممالك الحديثة من تدعيم وتنظيم.

تمثلت لي كل هذه المعانى ، وأنا أتلو خطاب العرش الذى تفضل به جلالة الملك ( سعود ) المعظم ، فى حفل افتتاح " اول مجلس للوزراء " فى هذه المملكة . . وأدركت من خلال سطوره المشرقة ، والمشعة بالانبعاث المرجو ، تلك الأهداف السامية التى يهدف إليها جلالته ، فى تنظم " الجهاز الداخلى للمملكة " على نمط من انماط " النظام الذي برزت مزاياه للعالم . . بإنشاء مختلف الوزارات ، لتزاول كل منها اصلاح ما يدخل فى نطاق اختصاصاتها من اعمال ومشروعات ، ومهام وواجبات ، على نحو قمين بالنجح والنهوض ، جدير بارتفاع مكانتها حتى تضاهي مكانتها فى مقدماتها ونتائجها ، مكانة زميلاتها ، لا فى العالم العربى المتوثب فحسب ، وإنما فى العالم الخارجى أجمع . خاصة أن الظروف مواتية ، والإقبال على تسنم ذرى النهوض يشمل انحاء البلاد ويعم سائر الأفكار .

ولا غرو فإن بلادنا بكر ، وانها لتزخر بالمعادن القيمة ، وتزخر بالاراضى الخصبة ، وتزخر كذلك بالأذهان الخصبة ، وبالذكاء التليد ، وتزخر بكل ما من شأنه أن يرتفع بمستواها ، من مواد بناء ، ومن ثراء ، ومن قبول للتصنيع والتعمير ، بكل ما فى هذه الكلمات من معان وضاءة عميقة . . وكما قلنا ، فإن الشغف بنهوضنا ونهوضها ، عام وشامل ، والاستفادة من الفرص واجب ولازم . . ونتاج استنباط الثروات الكامنة رهن بمدى الاستفادة منها لصالح الحاضر ، وصالح المستقبل معا ، وبوسعنا أن نضيف إلى هذه الثروات المحدودة ، ثروات غير محدودة ، على اساس من العلم والدراسة والتنظيم . . وبذلك نقوم على رعاية المصالح العامة ، على أساس من التدقيق والفحص والتقدير المبنى على التدقيق وبذلك لا يكون مجال للارتجال ، ولما ينشأ عن الارتجال من اختلال فى الموازين والمقاييس والمقدمات والنتائج.

والوزارة التزام ، وعقد مسجل مرموق النتائج ، مضمون الأهداف . . وفوائد هذه العقد ، ومزاياه ، عائدة للملتزم ، ولمن يلتزم له بالعقد معا .

ولاشك أن رائد مليكنا ، حفظه الله وأيده ، هو ان تعود الجزيرة العربية الى ممارسة وظيفتها الكبرى التالدة الخالدة من جديد ، وأن تصبح " عملاقا " جبارا يحمل للورى ( النور ) بيده اليمنى . . ( والنار ) بيده اليسرى . . فالنور لمن يريدون الاستضاءة بإشعاعه الساطع المنير ، والنار لمن تسول لهم أنفسهم ان يكيدوا للعروبة والإسلام ، فى أى موطن من مواطن العروبة والإسلام.

و ( المنهل ) إذ يصدر هذا العدد ( الخاص ) بمجلس الوزراء فإنما يقوم بذلك ، مساهمة منه فى الاحتفا بهذا الحادث الجلل ، الذى يراه " نقطة تحول " بارزة فى كياننا الداخلى والخار جى معا . . وتسجيلا منه لهذه الوثبة المباركة ، وهذه الظاهرة التى هي بادرة جديدة تضاف الى مجد تليد إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية