ثقافيات, الملاحظات على التجربة السوفيتية

Share

لم تتعرض تجربة انسانية للنقاش والجدل مثلما تعرضت تجربة الاتحاد السوفيتى في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

ولعل مرد ذلك الى أن التصدي لتقويم هذه التجربة غالبا ما يغفل عدة عوامل هامة وخطيرة نرى وجوب أخذها في الاعتبار اذا ما أردنا استخلاص نتائج موضوعية في هذا الشأن .

ويمكن ايجاز هذه العوامل فيما يلى : ١ - ان كل تقويم سديد للتجربة السوفيتية - او غيرها من التجارب لا يـجوز أن يعتمد سوى معيار الرفاهية الانسانية أي مدى ما تحققه التجربة للفرد من تقدم وازدهار في كافة الميادين . ومن هنا يخرج عن بحثنا المعايير الاخرى التى يستلهمها أصحاب الغرض المزدوج حكما في صالح هذه التجارب ، ونعنى بها معيار القدرة على الصمود في وجه الاستعمار ، ومعيار القوة التدميرية العسكرية ، تلك المعايير التى طالما أفسدت تقويم النماذج الاقتصادية اذا أخرجتها عن أغراضها وجعلت كل تقدير لها خاضعا في الكثير من الحالات للاعتبارات السياسية والعاطفية .

فالقدرة على الصمود في وجه الاستعمار ومقاومته التى يقول بها البعض لا تشكل معيارا صالحا للحكم على النظام الذى نـحن بصدده ، ذلك أن الصمود في وجه الاستعمار ومقاومته لم يكن في يوم من الإيام حكرا على هذه النظم ، فقد عرف التاريخ البعيـــــــــــــــــــــد والقريب نماذج رائعة على هذا الصمود لعل أبرزها الثورة المهدية ضد الاستعمار الانكليزى في السودان والثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسى في الجزائر .

أما اذا سلمنا بـمعيار القوة التدميرية العسكرية فيمكننا أن نصفق مثلا لما أحرزته الولايات المتحدة في هذا الميدان ، اذ يأتى النظام الامريكى في الصدارة من حيث انتاج أجهزة الدمار كما وكيفا ، ولا أدل على ذلك من الدقة التى تطلق بها الصواريخ الموجهة الى القمر والدقة التى تستقبل بها إلى الارض ، وهذا ما لا يمكن قبوله .

٢ - لا يجوز النظر الى النتائج الإيـجابية التى توصل اليها الاقتصاد السوفيتـى دون النظر الى الثمن المادى والانسانى الذى دفع مقابلا لـها . فمقارنة النتائج المتحصلة بالتضحيات المبذولة عنصر هام من عناصر التقويم ، وذلك تأسيسا على أن اعتبارات النجاح تقاس أيضا بما حققه النموذج للمجتمع من تقدم وبأقل تضحيات ممكنة .

ومن هنا يلاحظ أن فداحة التضحيات قد لا تبرر النتائج في بعض الحالات خاصة اذا ما اتسمت هذه النتائج بالتواضع أو القصور .

٣ - ان موضوعية التقويم تفرض علينا اعتبار العناصر الاساسية التالية :

أ - أن الاتحاد السوفيتى لم يبدأسياسة التصنيع انطلاقا من نقطة الصفر كما تذهب الدعاية السوفيتية ، فقد تمكنت روسيا

القيصرية حتى عام ١٩١٤ م من ارساء دعائم الجانب الأكبر من البناءات الاساسية

L' Infrastructure  ووضع اسس الصناعات الكبرى ، كما تؤكد الدراسات الاحصائية التى أجريت في ذلك الحين .

ويقول Gerschenkron  بحق : ان معدل الزيادة في الانتاج الصناعى السوفيتى فيما بين عام ١٨٩٠ وعام ١٩١٤ كان اعلى من المعدلات الاخرى التى سجلتها دول اوروبا الصناعية في تلك الفترة .

ب - أن الاتحاد السوفيتى واسع المساحة وغني بموارد التربة وما تحت التربة وخاصة مصادر الطاقة من بترول وفحم . كما انه يمتاز بمواهب انسانية ضخمة ، لذلك يعتبر من هذه الزاوية بلدا غنيا ، يصعب مقارنته بالكثير من البلاد المتخلفة .

ولا يخفى أن الثورة التكنولوجية التى استشرت في أوروبا قبل الثورة البلشفية قد أصابت جانبا من الاتحاد السوفيتى ، وان ظلت ضعيفة الانتشار والتأثير . كما لا يخفى أيضا أن جزءا هاما من الاتحاد السوفيتى يقع فى القارة الاوروبية وان سكانه يتمتعون بثقافة أوروبية وهم بالتالى مهيئون ذهنيا ونفسيا وثقافيا لتقبل الكثير من عناصر التقدم الفنى .

أضف الى ذلك انه انطوت تحت لواء الاتـحاد السوفيتى بعد الحرب العالمية الثانية دول أخرى عديدة وخاصة دول أوربا الشرقية .

فقد ترتب على ذلك قيام تكامل اقتصادى واسع بين الاتحاد السوفيتى وهذه الدول ولا يخفى أن من بينها من كان قد وصل قبيل الحرب العالمية الثانية الى مراتب من التقدم الصناعي ، تفوق ، بكثير ، الاتحاد السوفيتى ذاته .

وتمثل تشيكوسلوفاكيا أهم هذه الحالات

وجدير بالذكر أن الاتحاد السوفيتى ــــــــــــــان يعتمد اعتمادا أساسيا وحتى عهد قريب على الكثير من الصناعات التشيكية الدقيقة ، بل ما زال يعتمد عليها الى اليوم في مجال صناعة الالكتروات .

جــــ - أن الاتحاد السوفيتى - وهذا امر هام جدا - قد استفاد من حصيلة الاكتشافات والاختراعات العلمية التى سبقت قيام الثورة البلشفية . فقد وضع كل هذه التجارب والخبرات في خدمة نموه الاقتصادى ، اذ استفز خلاصة تـجارب عصرين كاملين : عصر البخر وعصر الكهرباء ، في انـماء جهازه الصناعي واللحاق بعصر الذرة . ومن هنا تختلف التجربة السوفيتية من حيث الزمن الذي استغرقته عن المراحل الاولى للتنمية الاقتصادية في الدول الغربية . ذلك أن جهود ــلمية في هذه الدول قد بدأت فعلا من الصفر تقدمت ببطء ، مع اختراع الآلة البخارية وتطورها الى أن دخل العالم عصر الكهرباء . ولعل في هذا العامل الجوهرى ما يفسر طول المدة التى استغرقتها عمليات التنمية في هذه ، الدول .

د - ان أرقام التقدم واحصائياته على افتراض سلامتها وصحتها لا تنبئ الا عن التقدم الكمي . اما التقدم الكيفى فلا يمكن قياسه الا على ضوء التجربة والاختبار العمليين مع اجراء المقارنات اللازمة بين المنتجات السوفيتية ونظيرتـها في الدول الصناعية الكبرى . وغني عن البيان ان هذه التجارب والمقارنات ليست ميسورة في كل الاح . مما ينبني عليه صعوبة الاخذ بالارقام والدراسات الإحصائية السوفيتية كاساس فعال للتقويم .

كل ما         من اعتبارا

وعناصر يجدر بنا تحديد أبعاد التجربة السوفيتية وتقويـمها مسترشدين بـمعيار الرفاهية الانسانية الذى حددناه .

فاذا كان الهدف الأسمى لكل تنظيم انسانى هو رفاهية الفرد المادية عن طريق التقدم الاقتصادى ورفاهيته الاجتماعية عن طريق العدالة في توزيع ثمار الانتاج والأعباء العامة وأخيرا رفاهيته السياسية عن طريق كفالة حقه في ممارسة الحريات الأساسية .

اذا كان ذلك كذلك كان لزاما علينا أن نـجرى التقويم . انطلاقا من هذه العناصر وقياسا عليها .

* بالنسبة للرقاهية المادية نقول :

انه على الرغم من الاربعة والخمسين عاما التى انقضت على التجربة السوفيتية ( ١٩١٧ - ١٦٧١ م ) فان الاتحاد السوفيتى يعتبر من هذه الزاوية في عداد الدول النصف متقدمة .

وليس معنى ذلك أن التجربة لم تحقق تقدما ماديا يذكر في ميادين الانتاج المختلفة فما من شك في أن الاقتصاد السوفيتى قد حقق تقدما ملحوظا في العديد من فروع الصناعة الا ان هذا التقدم يتضاءل اذا ما قورن بالثمن الفادح الكبير الذي دفعه الشعب السوفيتى من جهده وحريته ودمه . وخاصة ابان الحكم الستالينى . ولعل في جسامة التضحيات التى تكبدها السوفييت ما يقلل من أهمية النتائج التى انتهى اليها النظام وخاصة إذا ما قورنت من هذه الزاوية بنظم أخرى أشد فاعلية وأقل كلفة .

* وبالنسبة للعدالة الاجتماعية

والملاحظ بعين الواقع ليدرك بما لا يدع مجالا للشك أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تجد تطبيقا يذكر في المجتمع السوفيتى المعاصر .

والنظرة الفاحصه المدققة للوضعية الاجتماعية في الاتحاد السوفيتى تسجل بوضوح لا مراء فيه اختلالا اجتماعيا خطيرا لصالح فئة جديدة بدأت تبرز الى الوجود من خلال كبار الموظفين ورجال الدولة وأصبحت تشكل اليوم طبقة عليا تتمتع بكل الامتيازات الطبقية التى كانت تنعم بها الارستقراطية الروسية في عهد القياصرة .

والمتتبع لتاريخ الثورة البلشفية يلاحظ كيف أن مصادرة السلطة من جانب البلاشفة قد مهدت لميلاد طبقة جديدة . . اذ تقلصت ديكتاتورية العمال ، وانسلخت عنها فئة جديدة تجمعت في أروقة السلطة بوازع من ضمير طبقى ، واصبحت مرتبطة في وجودها واستمرارها بوشائج المصلحة المادية والمعنوية . تلك الطبقة الجديدة التى برزت بصورة سافرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية هي وحدها صاحبة الامتياز في كل ما يتعلق بمراكز القيادة في الدولة . فمن بين أعضائها يتشكل الحزب الشيوعى الحاكم ، ومن بين اعضائها تتكون الاطارات العليا للجيش الاحمر .

وغني عن البيان أن المواطنين السوفييت ليسوا جميعا اعضاء في الحزب الشيوعى . فهذا الحزب لا يضم الا نسبة ضئيلة جدا عن الشعب السوفيتى ، لا تتجاوز بضعة ملايين من الأعضاء ( بلغ سنة ١٩٦٤ م : ١١ ونصف مليون عضو طبقا لتقدير البرافدا السوفيتية - العدد ٢٧-١٠ ستة ١٩٦٤ الصفحة الاولى )

ولعل ما يصدق على التجربة السوفيتية بصدق ايضا على التجارب الأخرى التى نقلت عنها واقتدت بها وخاصة في دول أوروبا الشرقية . كما تبين كتابات جيلاس بالنسبة لميلاد الطبقة الجديدة في يوغسلافيا .

وبالنسبة للحرية :

فمهما قيل عن مفهوم الحرية وفلسفتها ، في ظل النظم الاشتراكية فلا يسعنا الا القياس على المعانى الأصيلة لها وهى ثلاثة أساسية : حرية الرأي والعقيدة ، حرية الاختيار والعمل ، حرية الحركة والانتقال .

وبالنسبة للأولى : فمن المعلوم أن لا حرية فى ممارسة العقيدة غير الماركسية ، فلا حرية في اعتناق الاديان أو متابعة العبادات ، أيا كان لونها ، ولا حرية فى ابداء الرأى أو الاجتماع أو التظاهر الا في اطار التعاليم التى يقضى بها الحزب الشيوعى وتقرها الدولة السوفيتية . ولا حرية فى تكوين التنظيمات الجزبية أو النقابية . فالحزب الوحيد المسموح به هو الحزب الشيوعى ، وحق الانضمام اليه مقيد بشروط عديدة . كما أن حق تكوين النقابات العمالية يعتبر وقفا على الدولة ، ولا يجوز للعمال المبادأة في شأنه .

وامتناع حرية الرأى وحرية التنظيمات الجزبية هنا يتمشى فى الواقع مع منطق أنصار النظرية الماركسية الذى يقوم على احتكار الحقيقة ، فمتى كانت هذه النظرية في يقينهم مانعة جامعة صالحة لكل زمان ومكان ، مؤدية في تطبيقها بالحتم والضرورة إلى مجتمع الوفرة والرخاء فانه يكون من الخطأ البين اعتناق آراء اخرى أو المناداة بمذاهب أخرى تعطل من سير التاريخ .

وبالنسبة للثانية : فلا حرية في اختيار العمل والمهنة ولا حرية في قبول الأجر او رفضه أو حتى مجرد المناقشة في تحديده ، بل ولا حرية في اختيار نوع الدراسة او التخصص الذي يتجه اليه الطالب اذ تخضع كل هذه الامور لأوامر الدولة وتوجيهاتها من خلال جهاز التخطيط المركزي الذي يقوم بتنفيذ السياسة العلية للدولة .

فالعامل في ظلال هذا النظام مكره في كل الاحوال على قبول الاجر الذي تفرضه الدولة اذ معنى رفض هذا الاجر من جانبه هو الموت جوعا ، ما دامت الدولة هى المصدر الأوحد لمنابع الرزق فوق أقليمها .

أما الثالثة والاخيرة : فيصعب التسليم بوجودها في الاتحاد السوفيتى . فحرية الانتقال داخل اقاليمه مقيدة وحرية الهجرة الى خارجه ممتنعة . فالستار الحديدى الذى ضرب حول الاراضى السوفيتية منذ الثورة البلشفية ما زال قائما حتى اليوم ، وان خفت شدته في السنوات الاخيرة . وغني عن البيان أن أعضاء الحزب الشيوعى وكبار الموظفين والحكام هم أصحاب الحق المطلق في الانتقال داخل البلاد والسفر الى خارجها طبقا للقواعد والاجراءات المنصوص عليها في هذا الشأن .

ومع كل ما تقدم فقد علمتنا التجربة السوفيتية بأبعادها الايجابية والسلبية ، حقائق ثلاثة :

الأولى : أن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادى وتماكها كافة وسائل الانتاج لم يؤديا في كل الحالات الى زيادة الفاعلية الانتاجية في المشروعات المختلفة ، فدرجة تأثر الانتاج بتدخل الدولة تتفاوت في الواقع من قطاع الى آخر ، اذ ثبت من التجربة ان هناك قطاعات انتاجية تتقبل هذا التدخل ، وأخرى تلفظه . ذلك أن طبيعة التكوين الهيكلى لبعض القطاعات تتنافر مع محتوى الاستغلال العام ، أيا كانت درجة اتقانه . فالحياة الاقتصادية لا تحتمل لونا واحدا من الوان

الاستغلال ، بل تتطلب ألوانا متعددة متنوعة تستجيب لطبيعة القطاعات والفروع الانتاجية في تعددها وتنوعها . ولقد كان اهمال هذه الحقيقة سببا في سقوط التجربة السوفيتية في عدد من القطاعات الانتاجية ، وخاصة تلك التى يطغى فيها العنصر الانسانى على غيره من العناصر .

الثانية : أن أسلوب التخطيط الاقتصادى الذى أخذ به الاتحاد السوفياتي يمكن أن بشكل أداة ناجعة من أدوات التنمية الاقتصادية اذا ما احسن توجيهه وأتقن تنفيذه . فطابعا الشمول والاكراء اللذان يتميز بهما هذا التخطيط يقللان كثيرا من فاعليته فى العمل . ولعل فى الأخذ بمبدأ المرونة والملاءمة بالنسبة لظروف كل دولة ما يجعل من التخطيط أداة محركة لعجلة التنمية الشاملة .

الثالثة : أن الانسان لا يعيش بالخبرة فقط . . فالجوانب المعنوية من حياته تلعب دورا له خطره فى بنائه الحضارى كله ، وهو ليس (( كما )) يخضع للعدو والاحصاء . ولكنه (( كيف )) يمتاز بالروح والادراك والمشاعر .

ومن هنا سقطت تجربة المادة فى نظام لا يرى فى الانسان الا معدته . . وما تحت معدته لتبقى الحقيقة ساطعة . . حقيقة هذا الوجود . وهى أن الخلق أو الابداع ليس رهن الخبز فقط بقدر ما هو رهن الروس في تحررها وانطلاقها وسموها على قيود ـــنادة .

الرباط

اشترك في نشرتنا البريدية