الساعة الكيل تدور في خمول . . الوقت بترنح في أعماقى ، خطواته رتيبة . .
أف أصابني الكلال . . عيناى تبحثان عن مجهول وفي مغاور الزمن . .
خطواتى أصبحت سريعة . . أكاد أسبق ظلي . . قدماى تسبقانه . . المستشفى يلوح لناظرى ، أملى الوحيد بداخله ، عساى واجدها . . ليتها لا تكون مشغولة . . ترى ماذا سأقول لها ؟
هه . . سأطلب منها أن تاتي معي . . والى البيت . . لا بد أنها ستعرف بالطبع فعملها هو التوليد .
زوجتى المسكينة فى الدار تنتظر . آلامها تتزايد ، أفديك يا حبيبتى ، هيه . . ليتني أستطيع أن أتحمل آلامها . . ولكنني لست امرأة فأنا لا الد . . زوجتي ستلد . . سيكون فى حضنها طفل ، بكاؤه سيدمرني أخذه فى أحضاني . . أعتصر العطف من قلبي له . . وجنتاه ستحمران . . قبلاتى ستلذعهما وسيكبر ، وغدا يقولها : بابا . . ماما . . ويكبر ويكبر ثم المدرسة ألحقه بها
. . وينجح . . لن أخيب له رجاءا . . الدفاتر ، الاقلام ، الحبر . . فى كل شئ ، لن أرد له طلبا ، كيف لا . . انه ابنى الوحيد ، هيه لا بد أن أعينه فى المذاكرة . . أوه هذا واجب على ، والا فكيف أجعله من الممتازين . .
وسيصبح كبيرا فى سنه . . فى نفسه وفي مركزه . . هه . . يومها سأعتزل الحياة والضجيج . . ويكون هو معتمدى . . ها ، الحياة . . الضجيج . . أعتزلهما لا . . لا ، هذا ليس معقولا ، لن أستسلم للخمول . للكسل والاتكال على ابني . . اذن لا بد أن اعمل . . واذا جاءني وقال :
- أبي أرجوك أن ترتاح وتترك العمل . ساعتها سأقول له : راحتى يا بنى فى راحتك . .
وإذا حاول اقناعى بترك العمل فسأقنعه أنا بفائدته لى . . سيرضخ . . ويؤمن أنه لا حياة مع الاتكال والخمول ، هيه ، ولا بد لا أنسى فلقمة باليد أجنبيها ألذ من لقيمات اجدها بعد اغفاءة وأحلام
أوه كدت أنسى . . هذا هو المستشفى ، الهدوء الطرى يكاد يغرقه . . الممرضات رحمة الله في ثياب حواء ، هه ، لأبد أني سأجدها ، تلك التى أريدها ، زوجتى لا أريد غيرها . . لا بد أنها طيبة رحيمة هاه ، هذه التى تقف هناك قد تعرفها . .
- تسمحين يا سيدتى ! - نعم أى خدمة ؟ - الست الست ( ٠٠٠ ) ؟ - أيوه أنا . . ماذا تأمر ؟
- زوجتى ضرورى ان تريها ، انها تعبة جدا . . تعبانة . .
- حاضر يا عم . .
حقا هي طيبة . . سأحمل الحقيبة وستمشى ورائى لنصل الدار . . وتلد المسكينة . . ويخرج إلى العالم انسان جديد عيناه صغيرتان نقيتان كالسماء . . أنفه مدبب كالسيف مثل أنفي . . ووجهه دائرى مثل القمر . . لونه كالذهب . . صوته رنين الاجراس الفضية . . بكاؤه تراتيل البراءة على شفتيه . . وسيصرخ ليقول للدنيا : اني قد أتيت
ويرتعش قلبي ساعتها . . وتخفق جوانحى . . وتبرق للحياة صورها أمام ناظرى . . حينها سأصفق فى خفقات فؤادى . .
ها . . لقد وصلنا . .
- هيا تفضلي . . فى هذه الغرفة . . - رحماك يا رب . . زوجتى حبيبتى . ساعدها على الآلام . . يا رب . .
ها . . القابلة تخرج من الغرفة . .
- بشريني . - خير ان شاء الله . . اسمع لا بد لها من عملية لانها تعبانة جدا .
- طيب متى ؟ - الآن !
" اللعنة للشيطان . . معاذ الله منها . . اللهم اني أسألك الخير لزوجتى والعون "
هيه . . ما كنت أظن هذا . . هيه . . ولكن القابلة قالت ذلك
هيا . . الى المستشفي . . لتحملها رعاية الله . . لا . . يا زوجتى لن أتركك سأبقى الى جانبك حتى تلدى . . وتنتهي الآلام . .
ونفرح معا بالانسان الصغير . . لا . لا تخافى فلن أغار منه عليك ، بالطبع سيسرق العطف منك على . . ولكنني لن أحسده فى شئ فهو منى . . وهو ابنى . حبك له كأنه لى . . وحبي له هو لك . لك أنت يا من حملته تسعة أشهر . . واعتصرك الالم ، وامتصك الوهن . . سأحبك وأحبه . . وسنعيش فى ظلال الحب الهنيئة .
أوه . . ها هو المستشفى . . هنا سترقد زوجتى . . ستلد طفلنا الاول فيه . . هه . . ها هو الطبيب ، سيخبرني متى ستكون العملية . .
- بعد غد باذن الله . . - بعد غد ؟ لماذا . . انها متعبة جدا ؟ - لاجل ذلك أخرت العملية حتى تستريح وتستعيد بعض قوتها . .
- قواك الله يا دكتور . آه . . - هذا يعنى أنها ستمكث أربعة أو ستة أيام . . مسكينة زوجتى حبيبتى ٠٠ ليتني أتحمل عنك الآلام وتلدين أنت فقط . . ومن غير ألم . .
هيه . . الايام ثقيلة الانفاس . . لو كانت لى قوة لجمعتها كلها وألقيت بها فى الجحيم . . المهم أن تخلص زوجتي من العملية ويخرج الينا الطفل الصغير .
ها . اليوم ستكون نهاية الالم . وتومض الفرحة فى عيني طفلنا الحبيب . المستشفى سيضمني الى جانب زوجتي . سأراها والابتسامة تتفتح على شفتيها كالزهرة رشيقة . . لا بد أنها ستقول فى فرحة : ها
هو الصغير يا حبيبي . . خذه الى قلبك .
فأقول لها : بل سأخذكما معا الى قلبي بعدما سنخرج الثلاثة من المستشفى ويضمنا البيت معا . .
أوه . . المستشفى . . لقد وصلت . هذا هو الطبيب ثيابه البيضاء . . بكل تأكيد سيجرى العملية الآن . . سأتبعه بصمت . . الكلمات تتراقص فى أعماقى . . الفرحة تقيدها . . لن أطلق لها القيد حتى تنتهى الآلام . .
الدقائق كسلى تترنح على عتبات الزمن . . عشرون دقيقة . . ثلاثون . . خمس وثلاثون . .
ما . . الباب تفتحه الممرضة . . تبحث عن . . نبحث عنى
- أنا هنا يا ست ( ٠٠٠ ) بشريني
- خير ان شاء الله . . نفضل . . انظر بنت ما شاء الله . .
" بنت . . بنت .. ؟ "
وها لتنبي . . تحطم الأمل . . ذابت الفرحة في خضم الحريق . . هاهى الصغيرة زوجتى نائمة . . حتى الصغيرة مثلها . .
- هيا تعال انظرها . . بسم الله . . ما شاء الله . .
" بنت ! . . ولكن ليست كالذهب . . أنفها ليس كالسيف . . وجهها ليس كالقمر .
مسكين أيها الامل . . ذبلت شمعتك . . أظلمت دنياك في نفسي . . ذوى ضياؤك في أعماقى . . كل هذا . . ولم ينته الالم . .
(مكة المكرمة)

