حديث الكتب, تحفة المحبين والأصحاب فيما للمدنيين من الأنساب

Share

كتب هذا الفصل في ١٤ رمضان ١٣٧٤ هـ وهو هنا مستل من كتاب : ( تاريخ المدينة المنورة ) ومن الجزء الخاص عنه بـ (( تواريخ المدينة ومؤرخوها )) . وهذا الكتاب يعتبر بحق موسوعة فريدة فى بابها ولا يزال مخطوطا . . وقد ألفه الاستاذ الكبير السيد عبيد مدنى مؤرخ المدينة المنورة ، ويقع في ثمانية أجزاء . . ونأمل ان يرى نور النشر عما قريب ان شاء الله . . وقد رأينا ان ننشر هذا الفصل الممتع القيم فى هذا العدد خاصة ، لامرين ، أولهما : انه ذو اهمية خاصة في تاريخ ذلك الرجل الذى أرخ لأنساب المدينة فى القرن الهجرى الثانى عشر وفى تحليل كتابه تحليلا دقيقا حصيفا . وثانيهما بمناسبة صدر هذا الكتاب اخيرا مطبوعا طبعا انيقا محققا في تونس الخضراء الشقيقة ، وقد قام باخراجه وتحقيقه علم من اعلام الادب والفكر في تونس : الاستاذ السيد محمد العروسى المطوى التونسى . . وأهدانا نسخة منه مشكورا مقدرا . .

هذا الكتاب : يقع في ٢٨٨ صفحة عدا الفهرست (١) . أرجح - ان لم اعتقد - انك ستقرنى اذا ما قرأت هذا الكتاب أو قسما منه على أن موضوعه مبتكر في نوعه وان المؤلف نحا به نحوا جديدا فهو ليس على غرار كتب الانساب التى بين أيدينا ولا على نسق كتب التراجم

التى عرفناها بل انه جمع بينهما وأضاف اليهما مواد أخرى فى اطار الصورة التى حاول رسمها وان لم يكن جلها مما يهتم به النسابون والمترجمون فانها مما تعنى المحققين من المؤرخين ، فهو يحدثك عن أول من هاجر من بيت فلان وتاريخه وحالته وصفته ثم يأتى على تاريخ مواليد الاسرة ووفياتها وما اقتنوا من عقار وبساتين وتواريخ ما وقفوه منها - غالبا - وجهة الوقف وشئ من تراجم الاعيان منهم والوظائف التى تولوها والمهن التى كانوا يزاولونها وتعيين ثروات بعضهم ومصادرها ، ولا ينسى ان يخبرك بصلات العوائل بعضها ببعض وان فلانا تزوج بنت فلان وولدت له فلانا وفلانة ثم يعود فيذكر لك من ولد فلان وفلانة وهكذا حتى يوفى الموضوع حقه أو أكثر من حقه . والى جانب ذلك كله تجد نبذا تاريخية ونتفا ادبية - وان كانت قليلة - فأصبح الكتاب بما اشتمل عليه من هذه العناصر التى تألف منها كتاب نسب وتراجم وتاريخ وسجلات عائلية . ولهذه الاسباب كانت للكتاب على ما فيه قيمة خاصة بالنسبة للمدنيين او من يعنيه أمر المدينة وتاريخها (*) . فقد عرفنا بكثير من الاسر الموجودة اليوم وكثير من الاسر التى انقرضت وخلفت وراءها آثارا لا تنقرض وعرفنا بتطوراتها وتاريخها فاكتشفنا اسرارا وعلمنا عجائب وزاد ما اكتشفناه وعرفناه من حبنا للمدينة وتقديرنا

لخصائصها ورحابة صدرها واكد لنا ان طبيعة الايثار فى أهلها التى شرفهم الله تعالى بذكرها لم تتقلص ولم تذهب مع السلف بل لا زالت متمثلة في المدنيين على جدتها واشراقها فقد آوت هذه البلدة الطيبة فقراء فأغنتهم ومجهولين فأبرزتهم كما تلقت علماء فقدرتهم قدرهم واثرياء فنمت ثرواتهم وهيأت لهؤلاء وأولئك ميادين العمل على اختلاف مناحيه ولم تفرق بين من قصدها وان فرقت بينهم الاصول والمبادئ

لغة الكتاب :

احسب ان المؤلف قدر ما سيكون لكتابه من اثر وان قراءه لا ينحصرون في الطبقة المتعلمة فقط فعمد الى التبسيط بكل معانيه حتى جعله مفهوما بينا عند العامة من القراء فلا تكلف ولا اغراب ولا تقعر بل سهولة ووضوح وانطلاق وقد انتشرت فى الكتاب اغلاط واخطاء حتى يخيل لك ان المؤلف ربما كان لا يعرف الكثير من القواعد العربية وهذا يتنافى مع ما أثر عنه من فضل وادب . وفيما ستقرؤه في ترجمته مما أوردناه من نماذج من شعره ونثره بل ما جاء فى مقدمة هذا الكتاب نفسه ما يشف عن اضطلاعه بالعلوم العربية من قواعد وبلاغة وبديع ولغة وان عزونا تلك الاغلاط الى رغبته فى التبسيط فالتبسيط انما يكون فى الاسلوب والاداء والعزوف عن التعقيد واستعمال الغريب .

القرمية ؟

ويبدو ان هذا الضرب الجديد من التأليف دعا المدنيين لان يسموه تسمية جديدة ايضا تمييزا له عن كتب الانساب والتراجم والتواريخ فدعوه بـالقرمية ( بضم القاف وسكون الراء وكسر الميم وتشديد الياء )

وقد حفزتنى غرابة هذه الكلمة الى البحث عن أصلها أهى محرفة عن جذم عربى ؟ أم مرتجلة ؟ فلجأت الى المعاجم العربية القديمة والحديثة ورجعت بنتيجة ربما كانت صحيحة أو أقرب الى الصحة ما لم أظفر بخير منها . . وهي انها محرفة عن الارومة أو عن كلمة أربية .

قال العلامة اللغوى أحمد بن فارس : ( الارومة أصل كل الشجرة وأصل الحب أرومة وكذلك أصل كل شئ ومجتمعه ) (٢)

وجاء فى تاج العروس ( الارومة الاصل والاروم أصل الشجر والارومة بالضم القبيلة ) (٣)

واكتفى بهذين النصين ففيهما غناء عن سرد ما قاله اللغويون الآخرون عن الارومة فى معاجم شتى فهو لم يخرج عن المعنى الذى جاء فيها .

وقد عبر القدامى عن تسلسل النسب فى بعض كتبهم الموضوعة فى الانساب بالشجرة ودرج الناس على اطلاق الشجرة على وثائق أنسابهم الخاصة التى يحتفظون بها .

أما الأربية فيقول ابن منظور عنها : ( اربية الرجل أهل بيته وبنو عمه لا تكون الأربية من غيرهم ) (٤)

بقى علينا بعد ان عرفنا معنى هاتين

الكلمتين والصلة الوشيجة بينهما وبين القرمية أن نعرف كيف كان التحريف وفى الحق ان الاستاذ أحمد رضا العاملى ، عضو المجمع العلمى العربى بدمشق قصر علينا المسافة بما ذكره في كتابه : (( رد العامى الى الفصيح )) فقال عن الارومة وتحريفها الى الارمية :

( وكأنهم الحقوا بالاروم باء النسبة ثم حذفوا الواو واسكنوا الراء بكثرة الاستعمال فصارت أرمية ) (٥)

وقال عن الاربية بعد ان سرد النص الذى نقلناه عن اللسان :

ومن هذه التى تسميها العامة أرمية العيلة أى أصل النسب ويقول القائل منهم اذا أراد ذكر نسبه ارمية عائلتنا فلان اى الجد الأعلى الذى تتفرع منه الاسرة ) (٦)

وأشار قبله الاستاذ حليم دموس في كتابه (( قاموس العوام )) الى ان ما يستعملونه من قرمة أو قرمية الشجرة استعمال فاسد والصحيح ارمة وأرومة (٧) . واستعمال كلمة الارمية على ما فيها من تحريف شائع فى مصر كما هو شائع فى الحجاز ولبنان وسورية . ويقول الدكتور أحمد عيسى فى كتابه (( المحكم في أصول الكلمات العامية )) :

( أرمة تسمع بعضهم يقول : لعن فلان أرمة أبو جده : الارومة الاصل او تكون من السريانية (قورما) وهى القرمة أى أصل الشجر ) (٨)

ولا ندرى بالتحقيق من الذى سبق الى استعمال القرمية فى المعنى الذى ذاع استعمالها فيه ؟ فقد ظهر لنا انها معروفة في الحجاز ولبنان ومصر وسورية بمعنى واحد تقريبا .

ومن المعروف ايضا ان اخواننا السوريين

واللبنانيين والمصريين لا ينطقون القاف كما ننطقها نحن فى لهجاتهم الدارجة فهم يقولون في قال مثلا آل وفي قرمية ارمية .

ولا بد من التساؤل هل ان الانصارى هو مبتكر هذا النوع من التأليف في المدينة المنورة أم سبقه سواه ؟ وأنا لا أملك من الادلة ما يخولنى البت في الجواب لاننى لم أقف على ما يمكن الاستناد اليه بيد ان المتردد على الالسنة وما سمعناه من المعمرين ان الانصارى هو الاول على ان الذى وصلنا من القرميات اثنتان فقط قرمية الانصارى هذه وقرمية الحجار التى جعلها تذييلا لقرمية الانصارى وتعليقا عليها واخبرنى بعض من أدركت من المعمرين ان لبعض الافاضل من آل الياس قرمية ولكننى لم أر من ذكر ذلك فى تراجمهم فيما ذكروا لهم من مؤلفات ولم اسمع من غيره عن هذه القرمية شيئا وعلى فرض وجودها فهل الفت قبل قرمية الانصارى أم بعده ؟ وعلى أى حال لا استطيع أن أنفى نفيا قاطعا وجود شئ من القرميات لا زال مغمورا في المكتبات الخاصة او ذهب فيما تسرب من الكتب الى الخارج وان كنت استطيع القول اننا نعتبر الانصارى هو الاول حتى يظهر لنا ما ينقض أوليته ان كان موجودا .

المآخذ :

لا تصرفنا طرافة هذا الكتاب وما حواه من فوائد عن الالمام بما فيه من مآخذ فلا بد من الاشارة اليها أو الى بعضها على الاقل :

١ - أهمل المؤلف أسرا كانت موجودة في المدينة المنورة عندما وضع كتابه ولا يمكن القول انها كانت من تفاهة الشأن وضآلة المركز بحيث لا تستحق الذكر بل كان لها

مقام وبروز ومما يثبت ذلك ان المرحوم الداغستانى ترجم لبعضهم وذكرهم بعض الرحالة الذين زاروا المدينة فى تلك الحقبة ونحوها وكتبوا عنهم كالسيد العباس المكى والشيخ النابلسى وغيرهما مع ان المؤلف ذكر اسرا لا تضارع من أهملهم ولا تبلغ مستواهم .

٢ - يقول المؤلف عن بعض البيوت . . أصلهم من الترك أو من السند او من . . الخ مع ان من هذه البيوت من كانوا علويين أو عربا اقحاحا (*) أصلهم من المدينة ونزح أجدادهم عنها لاسباب مختلفة وتناسلوا فى المهاجر التى ساروا اليها ثم عاد من أحفادهم من عاد الى الوطن الاصلى - المدينة - فمثل هؤلاء يعتبرون مدنيين على كل حال وكان على المؤلف ضرورة ملاحظة ذلك ونحن لا نطالبه بأن يروى لنا تاريخ هجرات كل اولئك فهذا مطلب عسير وليس من السهل الاحاطة به ولكن كنا نرغب في ان لو أشار اشارة عامة لينبه القارئ الى هذه الملاحظة الدقيقة .

٣ - زيف المؤلف نسب بعض الاسر وعلل القاب بعضها بما يخدش كرامتها كما نال بعض الاشخاص بالتجريح وكان فى امكانه تفادى مثل هذا وذاك فمجال القول ذو سعة والطعن فى الانساب مركب صعب لا ترسل الاقوال فيه على عواهنها .

٤ - اشار الى أحداث كان لها اتصال مباشر ببعض من ترجمهم اشارة عابرة وكان عليه أن يفسر أسبابها وعلاقة من تناولته منهم ولسنا نطالبه أيضا بالافاضة فى تاريخها فنشتط عليه بل كنا نود لو اتحف القراء بالقدر الذى يتطلبه البحث .

٥ - أغفل المؤلف ذكر انتاج من وصفهم بالادب ، وبأن لهم ( نثرا فائقا وشعرا رائعا ) ولو فعل لأفادنا كثيرا .

٦ - تكرار النعوت فى كثير من التراجم .

٧ - قال انه رتب الكتاب على حروف المعجم ولكنه لم يتبع المألوف فى مثل هذا الترتيب فيما بعد الحرف الاول .

وعلينا قبل قفل الكلام عن هذا الكتاب التنويه بتحرى المؤلف فيما يرويه فهو اذا لم يتأكد من تاريخ قدوم شخص او مولده أو وفاته قال لك انه فى حدود كذا . واذا شك في خبر ابان عن شكه بطريقته الخاصة . ولا يتحاشى ان يصارحك بعدم وقوفه على بعض الأشياء التى لم يعلمها . كما لا يفوتنا التنويه أيضا بالجهد المضنى الذى بذله فليس يسيرا جمع كل هذه المعلومات وتسجيلها والله وحده العليم بما تكبده من ارهاق وعناء .

النسخ الموجودة من هذا الكتاب على ما علمت :

١ - نسخة كتبها السيد جعفر هاشم الحسيني المدنى رحمه الله بخطه الرائع المتقن ولا زالت موجودة فى مكتبته القيمة .

٢ و ٣ - نسخة في المكتبة الآصفية بحيدر آباد برقم ٤٢٦ تراجم وهى بقلم معتاد كتبت عام ١٣٥٦ هـ ومنها صورة فتوغرافية فى مكتبة الجامعة العربية .

٤ - نسخة لدى الصديق الفاضل الشيخ محمد سعيد دفتردار المدنى كما أخبرنى ولم اطلع عليها .

٥ - نسخة فضيلة الشيخ الخيال وهى التى نقلت منها نسختى .

٦ - نسخة كانت عند صديقنا الشيخ نجم الدين ظافر ولا أدرى أين صارت بعد وفاته .

٧ - نسخة مخرومة ينتهى الموجود منها الى حرف الباء - بيت البلخى - في المكتبة التيمورية بالقاهرة برقم ٢٥٤٥ تاريخ وخطها عربى واضح .

٨ - نسخة مخرومة عندى خطها رقعة معتاد والموجود منها ينتهى بترجمته ( بيت بيض ) .

المؤلف :

آل الانصارى - أو آل الزرندى كما كانوا يدعون فترة من الزمن - من الاسر العريقة فى المدينة المنورة وتعدد من برز منهم فى العلم أو الادب أو فى كليهما معا فى عصور مختلفة وفي بعض كتب التراجم ذكر من نبغ من هؤلاء كالضوء اللامع والتحفة اللطيفة للسخاوى واعلام أهل الصنف الآخر للسيد محمد الحسيني السمرقندى المدنى وتحفة الدهر للشيخ الداغستانى المدنى وطبقات الشيخ الزللى المدنى ونتائج الرحلة والسفر للحموى وسلك الدرر للمرادى وغير ذلك . أما المؤلف بالذات فقد ترجمه كثيرون قديما وحديثا كما تولى هو ترجمه نفسه فى القرمية ترجمة مستفيضة عندما ذكر بيت الانصارى ونحن نلخص ما قاله عن نفسه مجتزئين بالنقاط الجوهرية من تاريخه :

نسبه :

هو عبد الرحمن بن عبد الكريم بن يوسف بن عبدالكريم بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن على بن يوسف بن الحسن ابن محمد بن محمود بن الحسين بن محمد ابن يوسف بن الحسن بن محمد بن عكرمة ابن أنس بن مالك الانصارى الخزرجى البخارى .

امه :

وأمه أم هانى بنت محمد سعيد أفندى سيدون كاتب شيخ الحرم النبوى الشريف وكانت كما يقول : ( من أكمل الناس عقلا وصلاحا وشفقة وتوفيت عام ١١٤٧ وقد أرخ وفاتها جمع الادباء الفضلاء ) .

وانقرض الذكور من بيت سيدون عام ١١٩٠ ولم يبق الا بعض البنات .

ولادته :

ولد فى المدينة المنورة فى ١٢ رجب عام ١١٢٤ هـ ( الموافق لسنة ١٧١٢ م )

دراسته :

حفظ القرآن وصلى به التراويح فى الروضة الشريفة وطلب العلم فى المسجد النبوى ودرس فيه وألف رسائل وخطبا وكان من الائمة والخطباء فى المسجد الشريف .

اقامته بمكة :

سافر الى مكة المشرفة وأقام فيها نحو سبعة عشرة سنة وحج ٢٢ حجة .

مؤلفاته :

أ - قرة العيون فى الرحلة الى اليمن

ب - نشر كمائم الازهار المستطابة فى نشر تراجم انصار طابه .

٣ - نزهة الابصار فى عدم صحة نسب الخمسة البيوت الى الانصار .

رحلته الى اليمن :

سافر الى اليمن فى سنة ١١٧٣ واجتمع بعلمائها وحظى عند امامها المهدى العباس المتوكل على الله ومدحه بقصيدة ومدح وزيره بأخرى وغيرهما من رجال الحكم فى اليمن وفي سفره هذا ألف الرحلة . وقد تزوج عدة ازواج وله منهن أولاد وبنات استرسل فى ذكرهم وتاريخ ولاداتهم ووفياتهم ومن ولدوا ومن ولدن .

هذا تلخيص مقتضب لأهم ما ذكره عن نفسه .

أما مترجموه فقد اثنوا عليه ثناء حسنا واطنبوا في تقريظه ولنقتطف نتفا مما قالوه ، فيها شئ من أوصافه وفيها تعيين بعض شيوخه :

( جهينة الاخبار وعيبة الاسرار فاضل اعتنى بضبط الوقائع فما له في التفرد بعلم التاريخ منازع يرتجل بحسابه فتجده مصيبا وينظمه ويسكبه سكبا عجيبا وحافظة اذا تكلم تفيض كالنهر اذا طم بمنادمة احلى من ترجيع القمارى ، ومطارحة تتألق تألق الدرارى نطق فصيح وخلق فسيح . . . ) (٩)

( . . . . وأخذ عن جملة من العلماء كالجمال عبدالله بن سالم البصرى ومحمد أبى الطاهر ابن ابراهيم الكورانى وابى الطيب السندى ومحمد بن الطيب المغربى

والشيخ سعيد سنبل . وكان حافظا مثقفا . . . . ) (١٠)

مع السيد العيدروس :

وذكر السيد عبدالرحمن العيدروس فى ديوانه مساجلات شعرية ونثرية تبادل فيها هو والمؤلف التقريظ والثناء (١١) .

اسباب اقامته بمكة :

والمؤلف لم يفصح لنا عن الدوافع التى أدت به الى الاقامة فى مكة المشرفة نحو سبعة عشرة سنة ولكن سبطه عبدالرحمن بن على بن عبد الكريم الانصارى اشار الى السبب فيما أظن بما شف عنه قوله :

( ولما تولى عبد الرحمن آغا الصغير كان كاليهود على المؤمنين . . . وجلا كثير من الناس ما بين ذنب وراس وكان من جملتهم أهل بيتنا لم يبق منهم الا ما ندر . . فتوجه سيدى عبدالكريم ( هو والد مؤلف القرمية ) واولاده الى مكة المشرفة سوى ولديه محمد سعيد ومحمد ابي البركات ) (١٢)

وربما كانت هذه الرحلة الأضطرارية الباعث أو من بواعث اقامة المؤلف فى مكة المكرمة كل تلك المدة .

صفاته :

بالاضافة الى ما قاله مترجمو المؤلف نستنتج من خلال الحوادث التى جرت فى عهده فى المدينة وما رواه هو فى القرمية انه كان متسما بالعلم والادب وليس له فى الشؤون السياسية والادارية مجال وانه

كان ميالا الى السلامة والبعد عن المشكلات والاضطرابات وظهر لنا ايضا انه كان حسن الصحبة كثير الاصدقاء محتفظا بذكريات أصحاب ابيه وآله وان حالته المالية كانت حسنة فقد أنشأ عقارا غير ما ورثه . وكان كما اتضح من القرمية يضيق ذرعا بمن ينتسب الى الانصار حتى أدى به هذا الضيق الى ان يضع رسالته التى أسماها نزهة الابصار الا انه لما ترجم الشيخ مصطفى الرحمتى لم ينكر عليه انتسابه الى ابى أيوب الانصارى وان كان لم يؤيده فقد نقل ذلك عنه بدون تعليق ، والسكوت منه على مثل هذه النسبة اقرار واعتراف لاننا عهدناه شديد النكير على من ينتمى الى الانصار .

وكانت للمؤلف تعليقات وتهاميش على ما يملكه من كتب كما ظهر مما رأيته من تعليقاته التى كتبها بخطه على هامش كتاب التقاط الزهر المحفوظ فى المكتبة التيمورية فى القاهرة .

وفاته :

اما وفاته ففى تاريخها لبس بدت هوة الخلاف فيه بين ما قيل عن وفاته وبين ما اكتشفته انا من تضاعيف كتابه هذا - القرمية -

ان الداغستانى والمحبى اتفقا على ان وفاته كانت فى سنة ١١٩٥ هـ وعين المحبى يوم الوفاة وشهرها وانه فى ١٧ ذى القعدة .

ودعم الداغستانى قوله في ان الوفاة فى سنة ١١٩٥ بما ذكره من الكلمة التى يظهر انها من قصيدة او مقطوعة شعرية وهى ( لقد فقد المؤرخ ) واذا ما حسبناها على قاعدة ارقام حروف الهجاء كان مجموع الارقام ١١٩٥ ويضاف الى ذلك ما وجد

مكتوبا على ظهر كتاب ( التقاط الزهر ) الذى ذكرناه آنفا ففيه خطوط من تداولوا ملكيته ومنهم المؤلف فقد ملكه سنة ١١٩٤ من تركة حيدر الانصارى ثم ملكه بعده ابن أخيه عباس بن على الانصارى سنة ١١٩٥ وهذا كله يجعلنا نطمئن الى ان الوفاة كانت فى سنة ١١٩٥ لو لم يزحزحه ما ستقرؤه .

قال المؤلف في القرمية عن مشايخ الحرم : ( ثم تولى مشيخة الحرم ثانيا على آغا المصاحب ٢٥ ذى القعدة سنة ١١٩٥ وهو موجود بها الآن ) (١٣)

وقال عن زوج من ازواج ابن أخيه عباس بن على الانصارى : ( . . . وماتت نفساء بعد عشرة ايام من ذى الحجة سنة ١١٩٥ ثم تزوج المصونة سعدية بنت المرحوم السيد عبد المحسن أسعد مفتى المدينة المنورة سابقا ) (١٤)

وقال عن السيد عبد المحسن : ( وللسيد عبد المحسن المذكور بنت أيضا تسمى سعدية تزوجها عباس ابن الاخ على الانصارى وهى موجودة الآن . . ) (١٥) فهذه الاقوال تتعارض تماما مع ما قاله المحبى من أن وفاته كانت في ١٧ ذي القعدة فهى تثبت انه كان يعيش الى ١٣ ذي الحجة من السنة نفسها وهو يوم وفاة زوج ابن أخيه وقال أنه بعدها تزوج بنت السيد عبد المحسن . وما قاله عن بنت السيد عبد المحسن هذه بعد ان ذكر زواجها من ابن اخيه - من انها لا تزال موجود ، يفهم منه ضمنا انه مضى على الزواج بعض الوقت .

وفى نصوص أخرى ما هو اكثر وضوحا وأبين صراحة وفيها ما يدل على انه كان يعيش الى سنة ١١٩٦ .

قال عن عمر الطرابلسى : ( وصار قائمقام القلعة السلطانية سنه ١١٩٥ ولاه طاهر آغا لما صار محافظا للمدينة النبوية ثم قبض عليه محمد باشا من جملة من قبض عليهم وسيره معه الى الشام ثم رده من قابل الى بلده ) (١٦)

وقال عن مولاى المغربى الفلالى : ( مولده سنة ١١٦٦ وتوفى سنة  ١١٩٦ ) (١٧)

وقال عن زين موهوب : ( ثم ولاه حضرة محمد باشا والى الشام وامير الحج الشريف ولاه كتخذا الاسباهية سنة ١١٩٦ وهو فيها الآن ) (١٨)

وقال عن محمد سعيد المغيربى انه توفى سنة ١١٩٦ (١٩)

وقال عن أحمد السرائلى : ( وصار فى سنة ١١٥٩ وسنة ١١٩٦ قائمقام اغاة القلعة . . وهو بها الآن) (٢٠)

وقال عن عمر العمادى : ( وقبض عليه الشريف سرور . . . وسار به الى مكة مسجونا فتوفى بها سنة  ١١٩٦ ) (٢١)

وقال عن السيد أحمد بن جعفر البيتى :

( وصار ايضا قائمقام الوزير سنة  ١١٩٦ ) (٢٢)

والآن ! لا بد انك ترى معى ان فيما نقلته لك دلائل قوية تثبت ان المؤلف كان يعيش الى سنة ١١٩٦ أو الى ما بعد ذلك لانه استمر فى تحرير كتابه الى سنة ١١٩٦ وكان من الممكن ان نعزو ما جاء فى هذه النصوص الى مسخ النساخ وتحريفاتهم لو كان ذلك فى نص او نصين ولكننا نقول عدة يعضد بعضها بعضا .

ولعلنا نستطيع الوصول الى نتيجة حاسمة تحدد تاريخ وفاته بالضبط فيما بعد ان شاء الله .

شئ من شعره :

من قصيدة :

زارت تريك الدر والاقحوان

مليحة تزرى بحور الجنان

وهيجت من لوعتى ساكنا

وشاهد الدمع لها ترجمان

عشقتها لما رنت وانثنت

واومأت نحوى بطرف البنان

حوراء من ريقتها قرقفى

هيفاء من قامتها لى سنان

وشعرها الحالك تجعيده

ليل وشمس الفرق في الافق دان (٢٣)

وقال فى مجموع ادبى للسيد عبد الرحمن العيدروس :

ايا لله مجموع بديع

يحاكى الدر في حسن نظام

بالفاظ تخال بها رضابا

الى ترشافها هل انت ظام (٢٤)

ومن قصيدة فى المعنى نفسه :

لابدع أن ابدى لنا

مجموعه الزاهى النزيه

جمعا صحيحا سالما

فى الحسن ليس له شبيه

طالعته متأملا

وأجلت طرف الطرف فيه

فوجدته ورأيته

دانى القطاف لمجتنيه

فجنيت من أزهاره

وثماره ما اشتهيه

من كل معنى رائق

المعنى يروق لمجتنيه

ما شئت من نظم ومن

نثر حواه در فيه

وفوائد وفرائد

وقصائد فيهن تيه (٢٥)

وللسيد العيدروس تقريظ على رحلة الانصارى منه :

أزهر رياض هذه أم زواهر

أم الحب ميطت عن بهاه الستائر

أم البرق قد أبدى الغمام ابتسامة

أم الدر في جيد الظبا ام جواهر (٢٦)

ومن تواريخ الانصارى الشعرية : قال مؤرخا وفاة الشيخ ابراهيم الفرضى المدنى :

هنيته بجنان الخلد يسكنها

فجاء تاريخه حاز الهنا الفرضى (٢٧)

وقال مؤرخا زيارة وهجرة الشيخ مصطفى الرحمتى سنة ١١٨٧ :

بغاية الافراح أرخته

زار الحبيب مصطفى الرحمتى (٢٨)

وقال مؤرخا دار الشيخ عبد الله حموده سنة ١١٨٩ :

دار المكارم والاحسان أسسها

الماجد الندب عبد الله حموده (٢٩)

شئ من نثره :

من كتاب كتبه للسيد العيدروس : (( انى سرحت طرف الطرف في هذا المجموع

الحاوى ظرفه كل ظرف فلا غرو ان كان مطبوع الرواية عن حسن وحسان وما حواه من الرسالة البديعة المسماة بالنفحة المدنية التى هى فى الحقيقة منحة لدنية فسبحان المعطى المنان وما فيه من لطائف نوافح الكائنات وظرائف المدائح والمحاضرات وطرائف الموشحات والالحان ورتعت فى رياضه الاريضة وكرعت من حياضه الطويلة العريضة وجنيت ثمرات الفنون من تلك الافنان فهمت لما فهمت معانيه فلا عجب ان صرت معانيه وعلمت ان ليس في الامكان أبدع مما كان .

ومنه :

(( ولعمرى انه من اغرب ما قرع سمعى من الغرائب وأعجب ما وقع بمسمعى من العجائب التى أملاها علينا لسان الزمان وأقسم ان لو رآه المجد الفيروز آبادى لقال هذا الفيروز بادى من قلائد العقيان او لو رآه القاضى الفاضل لقال ما لصاحبه مفاضل في حلبة ولا ميدان او لو رآه ابن نباته وربيعة لروى كل منهما من فيض ادبه بناته وربيعة المزرى بشقائق النعمان الخ الخ (٢٨)

( المدينة المنورة )

اشترك في نشرتنا البريدية