هذا هو الجزء الرابع من حلقات " المكتبة الصغيرة " ويصدره الاستاذ الكبير والاديب الباحث المعروف عبد العزيز الرفاعي عن هذا الصحابي الجليل .
وقد استهله بحديث من الشعر . . قال كعب بن مالك : يا رسول الله هذا ترى في الشعر ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ان المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه .
وكب بن مالك هو احد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ( ص ) في غزوة العسرة . . وقد دفع كاتبنا القدير الى التوسع في ترجمة حياة كعب رضي الله عنه امور مهمة تشد العزم وتقوى التصميم . . من اهمها : ان الامة العربية والاسلامية اليوم في ظرف استنفار . . يجب ان نستشعره بعمق بالغ وان نجند له طاقاتنا الادبية ونبرز في طريقه البطولات . فقد حشد الرسول الكريم (ص ) لخصوم الاسلام الرجال والسلاح . وشهر في وجوههم ايضا سلاح الاعلام ، فجند شعراء الانصار وكان من بينهم كعب
اسرائيل " وهذه كلمة حق يجب ان نترك لها مكانا واسعا من قلوبنا ندوى فيه وتفعل فعلها الايجابي المشود .
وقد مضى بنا المؤلف . يعرفنا بنسب كعب في الانصار ، فهو خزرجي الاب والام والزوج الاولى وله اولاد واخوة . ونسب بني سلمة الذين ينتمى اليهم وذكر مزاياهم فى الاسلام . وعرفنا باسرته وخاصة والده في الجاهلية الذي هو شاعر ، واسرته ذات مجد عريق . أما سيرته فقد كانت وضيئة ماجدة . وكعب عن اوائل المسلمين شهد بيعة العقبة وروى ثمانين حديثا عن الرسول (ص) وشهد كل المشاهد عدا غزوتى بدر وتبوك . وقصة تخلفه فى غزوة تبوك مشهورة اوردها المؤلف ، وقد تاب الله عليه وعلى زعيلبسه فى آيات قرآنية تتلى . وعاش طويلا وشهد حادثة الخليفة عثمان بن عفان (ض) وكان له وفيا وبه حفيا ، وفي خلافة ، معاوية كف بصره ومات بالشام ربما فى سنة ٥١ ه بعد ان عاش نيفا وسبعين سنة .
وقد حدد لنا المؤلف ابعاد شخصيته الفنية في فصل - حيث -
ونحن يعنينا دراسة هذا الجانب في كتاب الحيوان لنلقى الضوء على ما فيه من كنوز لغوية وأدبية رغم أنه يحمل هذا الاسم الذى قد يصرف البعض عن معاناة النظر فيه ! وكذلك ان كتاب الحيوان كان من آخر ما كتب الجاحظ ، فهو يمثل قوله الاخير ، ويعبر عن رأيه الذى أمن به بعد طول البحث والتفكير .
ونستطيع أن نصنف جانب النقد الادبى فى كتاب الحيوان الى ثلاثة أنواع :
أولها : النقد النظرى ، أو مبادىء النقد ، وهو مقدار يسير .
ثانيها : النقد التطبيقي الذي يهتم بالاستحسان أو التفضيل أو التخطئة ، وهو المقدار الاكبر في نقد الجاحظ .
ثالثها : النقد التاريخي الذي يتجه الى تحقيق نسبة الشعر الى عصره وقائله وكشف المصنوع منه ، حتى لا يترتب عليه حكم يخالف البيئة والتاريخ .
ونبدأ بالنقد النظرى لنرى جهد الجاحظ في تقرير الحقائق وطريقته في الاحتجاج لآرائه والاستشهاد عليها ، ثم لنحدد قيمتها وأثرها فى اتجاه النقد الادبى عند العرب .
اللفظ والمعنى :
أول ما يلفت أنظارنا في نقد الجاحظ النظرى فى كتاب الحيوان ، نظريته في المفاضلة بين اللفظ والمعنى وبيانه للعلاقة بينهما ، وهي " مسألة من مسائل علم الجمال الحديث ، شغل بها الأقدمون قبل أن يعالجها العرب (١) " .
وكان الجاحظ أول من اهتم بتوضيح النظرة اليها ، وأكد ذلك فى مواضع كثيرة من كتبه وخاصة فى كتابيه : " البيان والتبيين " و " الحيوان " .
وكان في عصر الجاحظ من يفضل المعنى على اللفظ ، أو من يرى أن مدار الحسن في القول انما هو معناه ، ومن هؤلاء ، أبو عمرو الشيبانى الذى ذكر عنه الجاحظ انه استحسن بيتين من الشعر ، لا حظ لهما من جمال اللفظ ، أو رونق العبارة ، أو براعة التصوير ، وكل ما فيهما معنى غريب يقرر أمرا لا يتبادر الى الأذهان ، والبيتان هما :
لا تحسبن الموت موت البلى
فانما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا
أفظع من ذاك لذل السؤال
وبلغ من استجادة أبى عمرو لهذين البيتين ، وكان فى المسجد يوم الجمعة ، أن كلف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتى كتبهما له !
أما الجاحظ فيرى : " أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ، ولولا أن ادخل في الحكم بعض الفتك ( أى المجون ) لزعمت أن ابنه لا يقول شعرا أبدا (٢) " !
ويؤدى ذلك بالجاحظ الى أن يعلن رأيه فى تفضيل اللفظ على المعنى وقصر الحسن على الألفاظ دون المعاني ، ما دام التعبير
الادبى ضربا من التصوير والصياغة :
" وذهب الشيخ ( يريد ابا عمرو الشيباني ) الى استحسان المعنى ، والمعاني مطروحة في الطريق ، يعرفها العجمي والعربى والبدوي والقروي والمدني ، وانما الشأن في اقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع وجودة السبك ، فانما الشعر صناعة ، وضرب من النسج وجنس من التصوير (٣)" .
ويستدل على ذلك بأن كثيرين من الحكماء والعلماء لم يستطيعوا قول الشعر مع أنه لا ريب فى وقوعهم على المعانى واهتدائهم لكثير من الأفكار .
" وقد قيل للخليل بن احمد : ما لك لا تقول الشعر ؟
فقال : الذي يجيئني لا أرضاه والذي أرضاه لا يجيئني !
فأنا استحسن هذا الكلام كما استحسن جواب الأعرابي حين قيل له : كيف تجدك ؟ قال : أجدني أجد ما لا أشتهى ، وأشتهي ما لا أجد . وقيل لابن المقفع : ما لك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة ؟ قال : ان جزتها عرفوا صاحبها ! (٤) " .
ومعنى ذلك أن مدار الجمال فى الشعر انما هو فى اختيار ألفاظه والتفنن فى تراكيبه " مما يدل على انه لم يرد الألفاظ مفردة عن تراكيبها ولا التراكيب المتكلفة أو الخالية من المعانى (٥)"
ويمكن القول بأن الجاحظ قد أنصف اللفظ في جعله موطن الحسن في التعبير الأدبي ، ما دامت المعانى مشتركة بين الناس ومطروحة في الطريق ، على حد تعبير الجاحظ ، والا لضاع جهد الشاعر في الانتقاء ، وفقدت مزيته في التخيل والتصوير .
غير أنه لم يفصل اللفظ عن المعنى فى حقيقة الامر ، ولم يفقد الصلة بينهما ، فلا بد أن تكون بين الألفاظ والمعاني مناسبة تظهر فى الملاءمة بينهما أو رعاية مقتضى الحال في التعبير ، كما قال : " ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء ، فالسخيف للسخيف ، والخفيف للخفيف ، والجزل للجزل ، والافصاح في موضع الافصاح ، والكناية في موضع الكناية ، والاسترسال في موضع الاسترسال (٦) " .
ومعنى ذلك : أن الألفاظ لا توصف بالشرف أو الضعة لذاتها ، بل يتوقف ذلك على الموضع الذي تستعمل فيه ، فاذا ناسبت الموقف وجرت مع مقتضى الحال فلا تعاب ولا تقبح ، واذا نبت عن ذلك فهي معيبة مستكرهة . فهناك علاقة لازمة بين الألفاظ والمعاني ، بحيث لا يمكن القول بانفصال بعضها عن بعض ، وهذا ما يؤكده الجاحظ بقوله : " وانما الألفاظ على قدر المعاني ، فكثيرها لكثيرها ، وقليلها لقليلها ، وشريفها لشريفها ، وسخيفها لسخيفها (٧)"
وهذا هو التصور الحق لعلاقة اللفظ بالمعنى ، فليس الجاحظ اذن بالذي يرى فضل اللفظ لذاته ، ولو خلا عن معنى
الصلة بين اللفظ والمعنى هذا الاحكام الذي يقطع السبيل على المتكلفين والمتصنعين ويبين أن مراده من تفضيل اللفظ : أن وجه التفاوت بين الأدباء والشعراء انما هو فى التعبير والتصوير الذى يتضمن معنى أما المعنى لذاته فلا فضل فيه لشاعر أو أديب ، ان ام يفلح في صوغه في قالب جميل من الألفاظ المصورة .
ومن الخطأ ما فهمه بعض الباحثين من أن الجاحظ اعتنق مذهب الصنعة ، ودعا اليه وكان تشيعه للفظ مظهرا من مظاهره !
كيف ؛ وهو كما نرى لم يتكلم عن اللفظ لذاته ، ولم يجر على مذهب الصنعة في أسلوبه ، وانما يحدد فى بحثه فى الصورة الأدبية مقاييس الجمال التي يتفاوت بها قول عن قول : أهى في المعنى فحسب ، ولو خلا من التصوير الجميل ، وشابه لغة التخاطب بين الناس ؟ أم هى في جمال اللفظ وحسن السبك وجودة التركيب في الأسلوب بالاضافة الى المعنى ؟
فالجاحظ لا يناظر بين معنى مجرد من اللفظ ، ولفظ مجرد من المعنى ، بل هو بسبيل تحديد موطن الجمال فى التعبير الأدبي . وليس هناك شك في أن جمال التعبير الأدبي انما هو فى صورته اللفظية مهما يكن المعنى الذي يحويه !
ولا يمكن اعتبار الجاحظ ، بحال ، من دعاة الصنعة فى الشعر أو النثر ، وهو الذى جرى على الاسترسال في أسلوبه وأطلق الزمام لمعانيه .
وقد كان رأي الجاحظ في قضية اللفظ والمعنى والعلاقة بينهما أعدل مذهب فى هذه المسألة التي أثارت كثيرا من الجدل فى القديم والحديث .
وقد كان لنظريته هذه تأثيرها فى النقاد من بعده ، وظلت هى النظرة المثلى لعلماء البلاغة ونقاد الأدب في العصور الزاهية
ويكفى أن نرى موقف آخر النقاد القدماء الذين يعتد بهم في هذه القضية ، وهو عبد القادر الجرجانى ، ليتضح لنا تأثره بالجاحظ ، وايمانه بمذهبه ودفاعه عنه . فلم يكن عبدالقاهر ممن يقفون عند حدود المعنى ، متجاهلين شأن الصياغة ، بل وافق الجاحظ فى أن العبرة فى الحكم بالجمال أو القبح على اللفظ وحده دون نظر الى مغناطيسه ، فان سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة ، وسبيل المعنى الذي يعبر - بضم الياء وفتح الباء - عنه سبيل الشئ الذي يقع التصوير والصوغ فيه ،
كالفضة والذهب ، يصاغ منهما خاتم أو سوار ، فكما أن محالا اذا أنت أردت النظر فى صوغ الخاتم وفي جودة العمل أو رداءته أن تنظر الى الفضة الخاملة لتلك الصورة أو الذهب الذى وقع فيه العمل وتلك الصنعة ، كذلك محال اذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه .

