حديث الكتب, مع القطبى، فى كتابه، الأعلام باعلام بيت الحرام

Share

"نشرته المكتبة العلمية بمكة المشرفة لصاحبها الشيخ عبد الفتاح فدا واولاده بباب السلام "

(يقع فى ٣٨٠ ص من القطع المتوسط . محلى برسوم نادرة لمآثر مكة ، وطبع بمطبعة السعادة بمصر طبعا فاخرا انيقا )

من قام بطبع كتاب قديم نافع ونشره فكأنما ألفه من جديد ، فهو ومؤلفه سنوان . لذلك ، التكوين والانشاء ، ولهذا . النشر والاحياء ..

ومن قام بتجديد طبع كتاب نفدت طبعته ثم زادبان علق عليه حتى يتصل فيه ماضى التاريخ يحاضره ، فكأنما بعث الكتاب بعثا جديدا ، فقد نشره بعد طى ومد ظله بعد تقلص .

وهذا هو صنيع الشيخ عبد الفتاح فدا فى تجديده طبع تاريخ "القطبى"  لمكة واخراجه مستقلا فى طبعة انيقة ، بعد ان كان هامشا يكاد يكون مهملا على بعض التواريخ المطبوعة بزمن قديم اصبحت الآن فى حكم المفقود .

ولقد احسن حضرة الناشر فى اسناد مهمة التعريف بالمؤلف وبكتابه الى فضيلة الاستاذ السيد محمد امين كتبى . وقد قام هذا الاستاذ بخير تعريف لهما .

وكفاه ان يوضح لنا ان المؤلف (كان عظيم الجاه عند الاتراك لا يحج احد من كبرائهم الا وهو الذي يطوف به) مما ادركنا منه ان مهنة التطويف بمكة كانت تمتد الى القرن العاشر الهجرى ، وان الذين كانوا يتولون امرها اذ ذاك هم النخبة المختارة من العلماء الذين يعرفون كيف يطوفون وكيف يرشدون الحجاج الى واجبات

دينهم فى هذا الركن العظيم من اركان الاسلام ، فيشرفون سمعتهم وسمعة بلادهم ويحتفظون بسمو تعاليم الاسلام ، ويبقون مصابيح وهاجة فى دياجير الظلام . وقد افهمنا "المعرف" ان "المؤلف " ( كان كثير النزهات فى البساتين وكثيرا ما يخرج الى الطائف "مصيف اهل مكة" ويستصحب معه جماعة من العلماء والأدباء وبقوم بكفاية الجميع ) .. وهذا شأن اكابر علماء الحرمين الموسع عليهم فى الرزق الى الزمن الذي ادركناه ..كانوا يحبون الاستجمام ؛ بالتنزه فى الحدائق وكانوا يرافقون طلبتهم واصدقاءهم من العلماء الى الحدائق لتمضية بضعة ايام بها طلبا للراحة من ارهاق الدراسة والتدريس ...

اما مهمة التعليق على الكتاب فقد اناطها الناشر الحصيف بصديقنا الاستاذ محمد طاهر الكردى الخطاط بادارة المعارف العامة ، وكاتب المصحف الشريف "مصحف مكة المكرمة " وصاحب المؤلفات النافعة العديدة عن آثار مكة والخط العربى والكاتب العالم المعروف .

وقد حلى الكتاب برسوم رائعة لمكة المشرفة ومسجدها الحرام ومآثرها ، وأشهد ان بعض هذه الرسوم وصل من الروعة والاتقان الى حد بعيد ، خاصة ذينك الرسمين اللذين وضعهما الاستاذ " المعلق " - للكعبة المشرفة ولزيادات المسجد الحرام .

فإذا دخلنا في متن الكتاب فاننا نجده موضوعا في مقدمة وعشرة ابواب وخاتمة وقد تناول المؤلف باسلوبه السلس المرسل كل بحوثه بروح العالم الأديب المحقق ، ولم يكن قطب الدين الحنفي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ بالناقل المجرد المتهافت .. إن عينا نقادة ، وبصرا نفاذا ، وفهما ألمعيا ، واحاطة بتاريخ مكة . ثم حسن تنسيق ، وحسن تعليق وتصنيف .. انى شبهه فى تاريخ مكة بزميله القريب من عهده ، السيد السمهودى ، فى تاريخ المدينة . والتاريخ هنا ليس معناه تاريخ السكان والمجتمع والسياسة ، والاقتصاد .. انه تاريخ اغلبه اثرى ، وغالبه خبرى ، واقله اجتماعي وسياسي واقتصادى .

وقد خصص الباب الأول لوضع مكة ، اى لجغرافيتها الطبعية ، ولحكم بيع دورها واجارتها وحكم المجاورة بها ..

وقد تعمد المؤلف الى شىء جميل ، اذ اهتم بتحديد بلدة مكة فى عهده جغرافيا اذ يقول ما خلاصته :

" مكة المشرفة بلدة كبيرة مستطيلة ذات شعاب واسعة . لها مبدأ ونهاية . فمبدؤها المعلاة ، ومنتهاها من جانب جدة : الشبيكة ، ومن اليمن قرب مولد حمزة رضي الله عنه لصق مجرى العين ينزل اليه من درج يقال له بازان . وعرضها من وجه جبل يقال له الآن جبل جزل الى اكثر من نصف "جبل ابى قبيس " .. انظر ص ١٩

وبهذا التحديد المضبوط اعطانا المؤلف صوره كاملة لابعاد مكه فى عهده ، اما الآن . فقد تضاعف عمرانها وامتد فى رقع اخرى من الوديان والجبال المحيطة بها ، ويمكننا ان نحددها فى سنة ١٢٧١ هـ اى بعد نحو اربعة قرون من عهد المؤلف بما يلى :

"تمتد مكة من قرب منى شرقا وبعد الشيبية على التحديد ، الى الرصيفة غربا ومن قرب التنعيم شمالا الى ما يقرب من قوز المكاسة جنوبا .

وقد شاهد المؤلف حالتى بؤس ونعيم لمكة ؛ ففي أول حياته كانت متعبة مرهقة من الناحية الاقتصادية ، وكانت خلوا من الناس حتى انه كان " يرى سوق المسعى وقت الضحى خاليا من الباعة . ويعلل لنا ذلك : "بقلة الناس" وهذا فى الحقيقة امتداد للعصر الذي سبق عصر المؤلف . فقد روى له بعض المعمرين من اهل مكة انه شهد الظباء تنزل من " جبل ابى قبيس " الى الصفا ، وتدخل من باب الصفا الى المسجد ثم تعود لخلو المسجد من الناس "... ايضا ..،

وفي الحقبة الوسطى والاخيرة من حياته تطورت الحالة الاجتماعية والعمرانية بمكة من بؤس الى نعيم ، ومن قلة إلى كثرة ، ومن خوف الى امن ودعة وهناءة . وفي ذلك يقول لنا : " اما الآن فالناس كثيرون ، والرزق واسع ؛ والخير كثير ، والخلق مطمئنون آمنون ، فى ظلال السلطنة الشريفة ".. والسلطنة الشريفة هي سلطنة مراد ، صاحب المشروعات العمرانية الاسلامية الخالدة .. وما اشبه حياة الناس الآن فى مكة وفي المدينة ، بهذا الذي رواه المؤلف لنا عن حياة عصره ..فقد كان الناس قبل ولاية ( جلالة الملك عبد العزيز آل

سعود ) فى خوف واضطراب وكان العيش قلقا قاسيا ، وكانت الحياة واجفه والعمران نزرا متقلصا فلما استولى جلالته على ربوع الحجاز دب الأمن فى شرايين البلاد ، فدبت بها الحياة من جديد ، واستمر دبيبها يقوى حتى عاد عصر الشباب الفياض الى مكة ، فامتدت واتسعت واستبحر عمرانها ، وكثر سكانها حتى ما يكاد يعرفها من كان يعرفها قبل هذا التطور الجديد .. لقد كاد سكان مكة يبلغون اليوم ربع مليون نسمة او هم يزيدون . والعمران فيها ممتد والخيرات متزايدة ، والسعادة وارفة ..

ويكشف لنا المؤلف ؛ مشكورا ، عن ان مكة كانت ، كغيرها من مدن الجزيرة المهمة المحاطة بالاعراب . محاطة بسور ، وكان هذا السور يحيط بمعمورها السابق ذكره ، وقد انقطع عنه التعمير فتهدم ، وبقيت بقايا منه شاهدها المؤلف .. هذا السور " كان جدارا عريضا يمتد من طرف جبل عبد الله بن عمر ، الى الجبل المقابل وكان فيه باب من خشب مصفح بالحديد اهداه ملك الهند الى صاحب مكة . ويمتد السور ايضا بناحية الشبيكة ، بين الجبلين المتقاربين اللذين بينهما الطريق السالك الى خارج مكة "... أى الى ما قبيل ربع الرسان .. ويصف لنا المؤلف شكل السور وما اعتراه من خراب وتقويض اما ناحية المسفلة فقد كان بها سور انحطم قبل عهد المؤلف ".

ولا يكتفى المؤلف بذلك بل يحاول ان يذكر لنا شيئا من تاريخ اسوار مكة ومن بناها . فيخبرنا انه لم يتحقق له ذلك . وفى هذه الاثناء يخبرنا عرضا بان بئر جبير بن مطعم كانت عندها نهاية العسران باعلى مكة منذ عهد الرسول عليه السلام الى عهد المؤلف .. على انه قد يتجاوزها بعض الاحيان ثم يتقلص ويستشهد على ذلك ببيتين لعمر بن ابي ربيعة أولهما :

نزلت بمكة من قبائل نوفل       ونزلت خلف البئر ابعد منزل

ثم يبحث لنا عن مسائل فقهية تتصل بالمعاملات والعبادات حول بيع دور مكة وايجارها ، ثم يأتى باسماء مكة ، ويقول ان تسميتها بمكة لقلة مائها من ( أمك الفصيل ما فى ضرع امه اذا لم يبق فيه شيئا ) . هذا وقد حاول المسلمون خلفاء وملوكا وامراء سد هذه الثغرة الرهيبة بمكة ، وكان أهم عمل فى هذا الصنيع هو عمل زبيدة وابنة السلطان سليمان خان فانشات الاولى ( عين زبيدة ) وجرتها الثانية الى داخل مكة .

وها هي حكومة جلالة الملك ( عبد العزيز ) تعنى بزيادة توفير المياه العذبة لمكة بمناسبة ازدياد عمرانها وسكانها فهى الآن بسبيل جر مياه العين الجديدة من منطقة المضيق العالية ، الى مكة لتصل الى الدور جميعا فتملأ مكة ريا ونهلا ومن رأينا ان المناطق المحيطة بمكة ، من مسايل ووديان تشمل تلك التى تقرب من " قوز المكاسة " جنوبا ، وتلك التى فى غرب مكة بالرصيفة ، وتلك التى فى شمالها ( بالتنعيم ) وما يقرب منه - هي مليئة بالبحيرات المائية المطمورة تحت طبقة هذه الأرض السطحية ، فلو ركبت بها ارتواريات بعمل فنى محكم لامكن اذن ان تفيض مكة بغزير المياه التى تحيلها مكة الى بلد مفعم بالمياه والحدائق الغلب ، والغابات الملتفة التى تخفف من وقع الحرارة الاليم ، وتهب السكان فواكه وثمارا وجمالا اخاذا . وقد عمل شيئا من هذا فى طريق الحاج الى عرفة امير مكة الشاب العمرانى الصحابي عبد الله بن عامر.. ويمضي المؤلف إلى تبيان فضل مكة .

ويأتي في الباب الثاني بتاريخ بنايات الكعبة المشرفة ، ويجزم بأن " بناء ابراهيم عليه السلام اول بناء بالنسبة الى من بناها بعده ، لا اول حقيقى "... انظر ص ٣٥ ويذكر وجود بئر زمزم اخرى فى المدينة ، ولكن هذه البئر هى بئر حديقة ، تقع في غرب المدينة قريبا من بناية محطة السكة الحديدية

وفي الباب الثالث يستوفى البحث عن وضع المسجد الحرام قديما الى عهده ويتعرض لانكاره تعديات السلاطين على المسعى بالبناء فى اطرافه ، وهو لا يرى ادخال المسعى الى المسجد الحرام بحال من الأحوال

ويمضى فى الباب الرابع الى بحث زيادات العباسيين فى المسجد الحرام ، وفي الخامس الى الزيادتين الجديدتين فيه ، ويذكر فى السادس عمارات ملوك الجراكسة ويسهب في السابع في عمارات سلاطين آل عثمان به . وفى التاسع ترجمة مسهبة للسلطان سليم وفتوحاته وغزواته . والعاشر فى مناقب السلطان مراد معاصر المؤلف ، وقد اضفى عليه من النعوت الشىء الكثير ، كدأب مؤرخي الملوك فى العصور الخوالى والخاتمة فى المواضع والمساجد المأثورة بمكة . وفي الكتاب اخطاء مطبعية لا يخفى بعضها على القارئى اللبيب .

اشترك في نشرتنا البريدية