يولد الإنسان مزودا بحركات وميول فطرية يأتيها الطفل من تلقاء نفسه لمناسبات معلومة دون أن يكون لإرادته دخل فيها ؛ ويقال لهذه الحركات : الافعال المنعكسة فاذا وخزت الطفل بدبوس بكى ، واذا حملته على يديك ثم تركته يهوى دون ان تسنده كانك تريد تعريضه للوقوع خاف وارتعدت فرائصه - وكثير من هذه الأفعال المنعكسة نشاهدها فى الأطفال والبالغين .
انظر إلى صديقك وحدق النظر في عينيه تجد جفنيه انطبقا بضع مرات ثم عادا فانفتحا أو خذ سكينا من الحديد المحمي وأدنه من جارك تجد يده تنكمش دون أن تتعرض ارادة الشخص لهذه الحركة ، أو ضع تفاحة شهية وردية الوجنتين أمام صائم أو جائع ودعه يطيل النظر فيها تجد لعابه يسيل فى فمه كالرضيع أمام ثدى أمه
غير أن هناك أيضا حركات أو نزعات من نوع آخر يطلق عليها اسم الغرائز كالغريزة الجنسية وحب النفس والحنو الأبوي وحب الاجتماع والميل الى القتال دفاعا عن النفس والجوع والعطش والرغبة فى اقتناء الاشياء والنزوع الى الزعامة والسيطرة والحل والتركيب وحب الاستطلاع وغيرها ما لا يعد ولا يحصى .
وينمو معظم هذه الغرائز فى الطفل كلما كبر وترعرع ، وبعضها لا يظهر فى الإنسان إلا فى سن المراهقة ، وبعضها لا يظهر إلا فى سن الرجولة ، ولو أنها تولد مع ولادة وتبقى فيه الى ساعة موته .
والفرق بين الافعال المنعكسة السالفة الذكر والحركات الآلية كدقات القلب وهضم الطعام والتنفس وبين الغرائز ، هى أن الأولى لا دخل للإرادة فيها فتقع
رغم أنف صاحبها ، فى حين أن الأخيرة خاضعة لقدرة الإنسان وإرادته فهي إذا قابلة للتربية والتهذيب ، والفرق بين الجاهل والمتعلم أن الأول لم تتح له الفرص لتهذيب عواطفه وميوله ونزعاته أو غرائزه التهذيب الكافي في حين أن الآخر مهدت له الوسائل .
كذلك نرى غرائز الهمجى خشنة لم يطرأ عليها تغيير ولا تبديل ولا تهذيب ولا زخرفة ولم يتناولها صقل ، ولم تتعهدها يد الصانع الحاذق فتزيل ما تراكم عليها من أدران الزمان وأقذار الايام - على أن غرائزه قد تكون لؤلؤه نادرة الجمال ثمينة القيمة ، ولكنها مخبوءة فى طبقات سميكة من الأصداف والأقذار ، فتظهر للعيان قبل أن تعمل فيها يد الصانع الماهر كقطعة من الحجر المعتاد
وخليق بنا أن نحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا على ما هيأ لنا من الوسائل وأعد لنا من الفرص لتهذيب غرائزنا وتربيتها وترقيتها - وكم كانت تصير النتيجة شنيعة لو بقيت تلك الغرائز فطرية خشنة ساذجة . انظر الى غريزة الجوع لولا تهذيبها لانقض الجائع كالحيوان على متاع جاره ، وربما انقض على جاره نفسه فمزق جسمه ونهش لحمه نهشا .
وانظر الى غريزة الغضب ، لو تركت على ما كانت عليه منذ الفطرة بغير تهذيب لهجم المرء على عدوه كلما تأججت فى نفسه نار الحقد وحطمه تحطيما
وتأمل فى غريزة الحزن لو لم تهذب فى الانسان لاستسلم لنوائب الدهر كلما حلت به النوازل ونزلت به الكوارث ، ومات كمدا رغما ؛ كلما أناخ عليه الزمان بكلكله وعضته أنياب المحن .
وتامل فى الغريزة الجنسية وما وصلت اليه من الترقية والتهذيب ، ولولا ذلك لرجع الناس القهقرى ، وعاشوا عيشة البهائم ، فلا زواج ولا زوجة ولا عفة ولا اباء ولا حياء ، وربما وثب الرجل على المراة كالوحش الضارى او كالطير الكاسر فى رابعة
النهار ، أو على قارعة الطريق إرضاء لشهواته السفلى وإشباعا لغريزته الجنسية ، كلما أحس بتيارها يسري فى جسمه كما تسرى موجات الكهرباء بين جوانح الأثير
يرى القارئ من هذا ان مثل الغريزة كمثل الجواد الجموح أو الحيوان الشارد أو الطير المستوحش وما اخضاع الجواد الا بترويضه وكبح جماحه ؛ وما ارجاع ذلك الحيوان الى معقله إلا بتهدئة خاطره وتهذيبه وتربيته ، وما استئناس الطير إلا بتدريبه وتهذيبه أيضا .
وللوراثة تأثير ضعيف فى تهذيب الغريزة أى أن شطرًا يسيرًا مما اكتسبناه من الغرائز المهذبة مصدره ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا والبيئة هي أكبر مدرسة تهذب فيها الغرائز وترقى .
وأقصد بالبيئة الأوساط التى تضطرنا المصادقات والمقادير للعيش فيها .. فالاسرة هي أحد هذه الاوساط وفي مقدمتها جميعًا ، والمدرسة من أشد الأوساط تأثيرًا فينا ، ويليها نوع التربية ومقدارها ، والحكومة وميولها واتجاهاتها والصحف والمجلات والكتب التى نطالعها والجماعات والأندية التى ننضم إلى عضويتها والدين الذي نعتنقه والمساجد التي تؤدى الشعائر فيها ، وبعبارة موجزة : جميع النظم والمعاهد والهيئات التى نحنك بها ونعيش فيها ، والثقافات التى وصلنا اليها ، والمناخ الذى يؤثر فينا .
ومن أهم الغرائز نفعًا للإنسان - الغرائز الاجتماعية - فهى تدفع بنى الإنسان إلى الاجتماع بعضهم ببعض ، وقد قال سقراط من قبل : الإنسان مدني بالطبع ؛ وأصوب منه أن نقول الإنسان اجتماعي بالطبع ؛ فالناس ميالون بطبيعتهم، مطبوعون بنزعاتهم وميولهم إلى الانضمام إلى صفوف الجماعات ، مسوقون الى التعاون معهم والدخول تحت سقفهم ويؤيد هذه النظرية المثل السائر القائل ) إن الطيور على أشكالها تقع (
واذا تتبعنا تاريخ هذه الغريزة منذ نشاة البشر علمنا أن مصدرها الخوف فقد كانت القبائل قديمًا تتألف وتتآخي ، ويتصل بعضها ببعض فى الفلوات أو الجبال أو الأدغال أو السهول والبطاح ومنعا لغزوات القبائل المعادية ؛ وهجوم الوحوش الضارية ، ولما تقدمت المواصلات وازداد عدد السكان وانتشر العمران أصبح الباعث على الاجتماع والتعاون الغرض الاقتصادى ، فالتعاون الزراعي والنقابات الصناعية ، وجماعات العمال ، كلها نتاج للحاجة الاقتصادية التى جعلت للغريزة الاجتماعية منزلة سامية بين الغرائز الاخرى ، وقد قيل فى الامثال "المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه"
وليس انطباق هذه المبادئ على الحيوان أقل منه على الإنسان ، فهو يتألم كثيرا إذا حرم الجماعة خاصة ، إذا كانت على شاكلته ومن فصيلته ، ولو أن العكس تحدث فى بعض الأحايين فيستأنس بعض الحيوانات بحيوانات أخرى ليست من جنسيته وقد وضعت إدارة حديقة الحيوان بالجيزة فيلا مع جمل ذي سنامين ذات مرة ثم فصلتهما بعدما قضيا سويا زمنا طويلا فكانت النتيجة ان الجمل أزعج مستخدمي الحديقة بجعجعته وتألمه ، ولعل الفيل قد ناله ما ناله رفيقه إلا أنه أقل تعبيرا عن إحساساته .
وذكر بعض علماء النفس أن قطة تعلقت بسلحفاة تعلقا شديدا فى منزل تم ماتت السلحقاة بعد عدة سنوات فلبست عليها الهرة أثواب الحداد وأكثرت من المواء والعويل والبكاء ، ثم صمتت صمتا ما بعده صمت وماتت غما وكمدا.
وقد ذكرت جريدة الأهرام واقعة حال عن عصفور اعتاد أن يتناول طعامه من الحب وهو على كف صاحبه ثم مات صاحبه فامتنع العصفور عن الطعام واستسلم للأحزان والأكدار حتى مات ، وقد صورته الجريدة وصورت صاحبه ورثاهما بعض الشعراء .
وكلنا يعلم كم يستولى علينا اليأس إذا ذهبنا لاستماع محاضرة او الى حفل لتكريم بعض الإخوان القادمين والراحلين ولم نجد من الحاضرين إلا القليل أو إلى مسجد من المساجد ولم نجد إلا نفرا قليلا من المصلين.
وكما ان الإنسان ميال بطبيعته وجبلته أن يهرع إلى مشاركة الجماعات التى تناسبه وتحاكيه ، مشاركة مادية فانه يسارع أيضا إلى مشاركة الجماعات مشاركة ادبية ، ولهذا فانا ننتظر رواج هذه المجلة ونجاحها بفضل تعضديد الأدباء لها وتشجيعهم للقائمين بأمرها .
وكما أن غرائز الغضب والقتال والحزن والضحك والحزن والبكاء والجوع والألم والفرح وحب النفس والعطف والرفق والقسوة والتناسب كما ان هذه كلها خليقة بالصقل والتعديل والتربية لتلائم حالة المدينة التى نعيش فيها كذلك الغرائز الاجتماعية ينبغى أن نرقيها ونهذبها ، فنكبحها إذا جمحت ونروضها إذا شردت ؛ ونستأنسها إذا استوحشت .
فقد قدمنا أنه يسهل علينا الاجتماع بمن هم على شاكلتنا جنسا ولغة وعقيدة ومبدءا ، واماني فكذلك بصعب علينا الاندماج فى عشيرة ليست على شاكلتنا والانضمام الى جماعة لا تمت إلينا بقرابة أو صلة والمشاركة الفعلية مع هيئة لا تتفق معنا قلبا وقالبا ومبدأ وعقيدة وجنسا ولغة ودما ولونا وعادت وآدابا :
فالغرض من تهذيب الغرايز الاجتماعية هو تعويد الأفراد والجماعات الذين ينتمون الى طائفة أو قببيلة أو جماعة معينة الاندماج فى سلك طائفة أخرى أو قبيلة أو جماعة تخالفهم مبدأ أو لغة أو جنسا او أماني والتغلغل فى أحشائها والاشتراك الفعلي معها كلما دعت الحاجة وقضت الأحوال دون ان تتنافر المصالح وتتباين وتنفرج مسافة الخلف بين الفئتين .
وليس الغرض من هذا أن نرمي بأنفسنا فى أحضان كل هيئة مهما كانت
أراؤها فاسدة ومبادئها منحطة ولكن الغرض أن نشاركهم فى حركاتهم التى لا تخالف أعز ما لدينا من المبادئ ونعطف عليهم حتى نستطيع أن نكسب عطفهم ايضا فى جميع المصالح المشتركه التى لابد لنا من الاشتراك فيها معهم اشتراكا فعليا بحكم الحاجة القهرية ومراعاة المقتضى الحال
من هذا يرى القارئ الكريم أنه لا خير في مدرسة تعمل على قتل هذه الغرائز أو إهمال تربيتها ، ولا خير فى منبر لا ينادي بتهذيبها وصقلها .
يقول بعض علماء التربية : إن الغرض من التربية إعداد الطفل للحياة غير أن النزعة الحديثة لا نرتاح كثيرا الى هذا القول لانه يخرج المدرسة من الحياة على الرغم من انها جزء من الحياة ، فالمدرسة هي الحياة ومزاولة المهن والصناعات هي الحياة أيضا ويجدر بالمدرس أن يعلم الطفل منذ ان تطأ قدماه المدرسة ؛ وهو ناعم الأظفار ، أن يكون عضوا فى المجتمع الإنساني وأنه قائم بدوره على مسرح الحياة
ويجدر بالأسرة ان تعاون المدرسة فى مهمتها ؛ فتقوم بدورها فى تهذيب غرائز الطفل حتى يعرف كيف يعيش بين أقرانه ومعاشريه أحسن عيشة . والله ولى التوفيق
