الانسان والتناقضات الحيوية
عجيب من الانسان أن يكره الالم . يكره الفقر . يتفزر من السآمة . يريد مرة ركودا عندما يروق له ، ويريد اخرى حركة عندما - تعجبه . لا يرى من الكون في صوره المتعددة الا ما هو لذاته وما يلائمه . يحسد المعافي - إذا هو مرض ، ويتمنى غنى الغنى اذا هو افتقر ، بل هو أكثر من ذلك : الغنى يريد أكثر من غنى من هو أغنى منه . والصحيح يريد اكثر من صحة من هو أصح منه . وهو حين يشيخ يتمنى حدة الشباب عند هذا أو ذاك ، وينسى واقعه حين كان في أحلى ايام الشباب والادراك . وذاك فى متاهات الطفولة . فهو الغنى لا يريد أن يرى العقير ، يشكر على ما أوتى من غنى ، ولا اقول يعطف .
بل يشارك في رأب صدع من لم يعط ذلك الغني وهو الصحيح لا يرى المريض حين يتأبط ألمه بين جنبيه ، ليحمد ويواسى ويساعد . ومن ذلك تبدو حركة التنافضات فى المجتمع . . تناقضات غير حيوية ليست هى قوامه بقدر ما هى معاول التناقض فيه ، ولا هي طبيعية بقدر ما هى تشوهات اصطناعية فى كيانه . . طبعا لا أحد مدرك يتمنى أن تعم فى الكون مقاييس المثالية الفضلى ، ولا أحد يحلم - مجرد حلم - بجمهورية أفلاطون حين تأملها وهو فى سبحة من سبحات الخيال . . التناقضات أمر معفول فى حد ذاته ، إذا كانت هى التناقضات الحيوية التى ما كانت الا نباتات طبيعية يفرضها واقع لا يكون فى بدايته سليما وان أريد له ذلك . فالشجرة - أى شجرة - يغرسها غارس لا يريدها الا هى ، ومع ذلك تزحمها نباتات اخرى بسيطة ، ولكنها مؤذية تمتص من غذاء الشجرة المرادة . .
تتغذى من غذائها حين يكون ، ويقف الفارس مشدوها متقززا . لا يريدها . . يكر هها . . يتأذى من نوعها ، ومع ذلك فهى التناقض الذى لا بد منه حين يفرض نفسه ولو كان غير مراد ولا محبوب . داء ينمو فى المنعطفات ، وان بدا صغيرا فى ذاته فهو الداء المؤذى فى تأثيره ، فما هو علاجه : انه الغارس حين يتفقد غراسه . . يحصد الدخيل عليها . . لا يكتفى بجذبه من أعلاه او وسطه بل ينفذ منجله فى أعماق النباتات الطفيلية . يستجر عروقها . . يميتها . . يلقيها على حافة الغراس ، ذاوية هشيمة ،
وهكذا دواليك . . دواليك . تلك سنة مألوفة ، تفرض تناقضا مألوفا ، قد يكون لمصلحة مدركة منذ البداية . وقد لا تكون كذلك ولكنها تدرك في النهاية وما حسبتها الا الدافع للعمل . ليد الانسان أن تعمل. ترى لو كانت أغصان الشجرة لا تنمو ولا تتكاثر . . أكانت تشذب وتصبح جميلة يرتاح لها النظر ويستطيبها الذوق ؟ انها مقاييس واحدة للتناقضات فى الكون ، وان اختلفت الانواع . .
الجهل مرحلة طبيعية :
لو لم يكن كذلك ما كان هناك تنافس بين الاجيال من أجل الخلاص منه . . الجهل وان بدا فى ذاته تشوها فهو حافز من حوافر الانسان يدفعه الى معاكسته بضده . نرى لولا التنافس فى التحرر من الجهل أيصعد الانسان الى متاعات الفضاء يلتمس أملا ويستكشف لغزا ؟ . والفقر هو الآخر تشوه فى مجتمع الانسان يثير له مشاكل تتكاثر وتنقص تبعا تنسبته ، هبوطا وصعودا. أناس يريدون الخلاص منه كحل لمشكلاتهم ،
يعتبرونه نقصا فى كيانهم . يجدون فيه مذلة ، وينزعجون منه وصمة ، وآحرون يرون فيه حلا لمشكلاتهم هم ينظرون اليه محققا لمبتغاهم ، لانه عقاب لاناس ، لانه يريحهم من كثرة التنافس . فهى الجماعات المتنافسة ، كلما تناقص عددها - كان ذلك رغبة أعضائها ، لان المجال قليل فيكسبون منه كثيرا . . بلا غرابة الفقر يريده اناس لآخرين مثلهم فى الجنس والنوع . يجدون فيه جسرا لغايات خاصة . . رواد النظريات ومحترفو السياسة . . أصحاب المآرب يرون فيه عاملا للاثارة . . للنجاح . . للكسب .
وتبقى هذه الرغبات متصارعة كل يحركها حسب غايته . والفقر هو الفقر ، داء ثقيل الوطأة على أناس . وان كان غير صعب العلاج ، فهو يعجب اناسا اذا كان لاناس آخرين ، ويبقى كما هو تثلم فى الكيان وتشوه فى الشكل . . والمرض هو ثالث الامرين - بالتشديد - فتاك يسعر حين تضعف المقاومة فى الانسان وفي البيئة . .
بفتك كأنه المنقذ ، من التكاثر السكانى ، وكأنه ميزان التعادل بين كميات الانتاج والاستهلاك فى دنيا البشر ، واذا كان هو المقلق للانسان فى حركاته وسكناته ، فهو هدفه فى المحاربة ، ظل ينتصر عليه بالخوف منه . جرب كل العقاقير ، وكل النباتات من عهد حالينوس وقبله إلى هذا الوقت الذى زرع فيه الأعضاء المنقولة او المصنوعة . .
ان ما عنيت قوله بايجاز هو: ان هذه الادواء الثلاثة تشوهات مفترضة أو هي تناقضات حيوية ليست سيئة بالمقياس الذى نتصوره لاول وهنة ، ولكنها تبدو أقصى تشوه يصاب به الانسان فى مجتمعه بل هى معايير جموده
وتبلده ومعايير اذاه ومشاكله ، ومعايير نهايته ، فى الوقت الذى يستسلم عن طواعية أو يسلم عن عسف لهذه الادواء . .
ومرة اخرى أقول : ليست هذه الادواء سيئة إذا كانت حافزا من حوافز الانسان تدفعه إلى معاكستها . . ليست سيئة إذا كانت تجد من يوجد مجال التعاكس ، ولا هى بالتشوه اذا وجدت من يحوله بمبضعه إلى حمال وتأنق ، ولكنها تظل كذلك اذا فقدت تلك الادوات وتبقى المشكلة تكمن فى وجود الفارس : هل يستطيع ان يحمل منجله وينفذه الى اعماق الطفيليات ويلقى بها على حافة الغراس لتبقى الغرسة المرادة خالية من الطفيليات المميتة ؟ ويبدر الى الذهن سؤال آخر : هل ثمة تناقضات حيوية أخرى غير تلك يعيشها الانسان ؟ وهل هى بارادته أو مفروضة عليه ؟ ويجوز لى أن أقول : ان التناقضات الحيوية كثيرة ، قد يصعب الحصر والتفصيل لها ، فالادواه الثلاثة الملمح اليها يقابلها أخرى طبيعية أكثر ما يقال عنها انها مفروضة عليه تبعا لسنة وجوده دون ان يكون له استطاعة في ردها أو غلابها ، فقد يعتبرها بعضه خصيصة
شوهاء ألصقها به القدر ، وهو لو خير فيها ما اختارها على أى حال . وقد يعتبرها بعضه خصيصة ملائمة لو خير فيها ما ابتغى غيرها كأفضل منها وهى لو وضعت تحت مجهر التعليل والتفلسف لوجد انها خصيصة جوهرية له ، أهم ما فيها انها لا تجعله على نمط واحد ، أو على صورة واحدة يملها فى جنسه . حين يراها فى نفسه . وأهم ما فيها كذلك تغيير رؤيته وتباين ذوقه .
بالسواد والبياض مثلا نقيضان لا يتقابلان فى الملامح ، وان بدا فى البلدان المتحضرة
ليوم تفارق يذهب الى القطيعة بين الجنسين ففيه بالمقابل تمازج بينهما فى اكثر الحالات ، فمن البيض عن يتعشق السود مع كره لقوه ومن السود من يتعشق البيض مع حقد على لونه وجنسه . ترى لو كان الجنس كله على لون واحد ايكون هناك تصارع تكون نتائجه غرس مبادئ وأسس يضعها الانسان كجزء من حضارته وتاريخه ؟ ! والقبح والجمال نقيضان وما كان للجمال ذلك التأثير والانجذاب لو لم يكن بجانبه قبح . . فالقبح هو موجد الجمال والمحبب اليه والقبح قد يرى الجمال فيجانب مقاييسه . .
والتنافر فى الطباع ، وتباين الامزجة والاذواق يبعدان السآمة ويطردان الملل ، ومرة أحرى لو كان الانسان يرى زوجته شبيهة به في الملامح والصفات اكان يتحبب اليها بالقدر الذى يتحبب اليها به فيما لو كانت تختلف عنه ؟ ثم ماذا يكون الحال لو كان الانسان يرى بنى جنسه ، وهم على شاكلته يشبهونه فى الطباع والصفات والقسمات ألا يسأم من النظر اليهم ؛ الانسان بطبيعته يميل الى الاشياء المتنافرة . فهو لا يحب أن يكون أولاده كلهم على نمطه وان كان يعتقد فى ذاته الحسين والجبال وحسن الصفات . .
الانسان بطبيعته ميال الى المتضادات في الأشياء يمتع بها حسه ، يجدد بها ذوقه ، يسلى بها نظره وخواطره . يرى حوضا من الإزهار ، فيه ازهار مختلفة فيقلب بصره في كل ازهاره لا في زهرة منه ويشم بالله ما وسعه الشم من جمعه . . يعجبه ساق هذه ورق تلك ، وورقة هذه وعبير تلك ، وعلم جرا . . ومن هذه المتضادات الطبيعية انطبق يتفنن فى عمه ونناجه يعمل الجمين ،
يرضي به أذوافا . يضع القبيح يرضى به أذواقا اخرى ، فهو المناقض فى ذاته . . المتضاد في طباعه وكينونته . تناقض وتضاد حتى في أخص الخصائص له . . وبالتالي هو المتناقص فى عمله ومقاييسه . . وكل ذلك من روافد مروره عبر التاريخ السحيق أبد الأيدين :
مثل له دلالة :
عندما تنتصب الانانية فوق هامة السلوك الانساني ينسى الانسان نفسه وان له شركة مع الآخرين فيما تجوز فيه الشركة تتحول ذاته بمشاعرها واحاسيسها إلى انانية حمقاء تريد كل شئ حتى وان كان في مخلب طائر يحوم في الفضاء ، وتنسى الاعتبارات والقيم . . تغوص به فى حمأة الوحل وتنزل به إلى متاهات الضياع . فما أقبح الانسان حين تتقمصه الانانية بسرابيلها السود ، وما أجهله وأضره بنفسه حين يجعل من ذاته طغيانا انانيا مقيتا . . انها مأساته . . نهايته مادة وخلقا وان طال به زمن ، وجادت له الاحوال .
لقد كنا نسمع في الامثال العامية المتداولة ان رجلين اتفقا على البحث عن طيور ثمينة فى مغارة بعيدة العمق مظلمة الجوانب سيئة الطالع ، أحدهما اسمه (( مقيط)) وهو مدار المثل كان حظه التعيس قد جعل منه أنانيا فجا ، لا يعرف الا ذاته ولا يشعر الا بمنفعته . . نزل إلى عمق المغارة ، ولما بحث عن الطيور الثمينة وجدها ولكن العدد قليل ، وكان شريكه يسأله في كل مرة عما إذا وجد شيئا ؟ فيقول له : نعم ولكن الطير الاول له .
والثاني والثالث لاخيه الأكبر ، والرابع لاخيه الاصغر . والشريك ينصت على مضض - ونسى منكود الحظ ان هذا الشريك هو العون الذي سيحتاجه ساعة ما . ولما هم بالتعلق بالرشاء سأله الشريك مرة اخرى عن حصته من الطيور ، فرد عليه بانه لم يجد له شيئا . . وعنا يعصف الغضب بالشريك فيمسك بالرشاء ويرمي به اليه فى نهجة ظلت مثلا له دلالاته : (( يا مقيط خذ رشاك ))وعاد راجعا ليبقى ((مقيط )) مع طيوره يهيم على وجهه في المغارة العميقة.
انها حماقة الانانية أنست ذلك الرجل ان نزوله وخروجه كان بفضل رشاء تمسك به قوة تقف على فوهة المغارة . . حماقة انسته نفسه ، وأنسته العلاقة مع الآخرين ، فمات ضاربا مثلا على سوء منقلب الأنانيين . .
آخر المطاف :
قال الرب تعالى:(وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتغرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )
وقال الرسول الكريم : (( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك)).
صدق الله العظيم ، وصدق رسوله النبي الكريم
( الرياض)

