١ - ادب الكلام وكلام الإدب :
الكلام الحق له قواعد تحدد مفاهيمه وترسم مدلولاته ، وله حدود تضبط غاياته ومراميه . . هذه القواعد والحدود اذا وجدت كونت ما يسمى بأدب الكلام ، واذا فقدت أدت الى انحراف الكلمة الذى يؤدى بالتالي الى سيطرة الببغاوية ، وبروز الديموغاجية ، ومن ثم تزول بالتدريج حضارة الكلمة وقيمتها الجمالية .
لذلك كان للكلمة ميزانها الدقيق وسلطانها القوى فى حياة السلف الأولين ، حيث كان يحسب لها - مقولة كانت أم مكتوبة - ألف حساب . . وكان قائلها يؤاخذ عليها بنقد لاذع أو توجيه يفهم منه معنى الانكار والمؤاخذة ، إذا خرجت عن مدمولها الخلقي
لقد كان صحب الرسول العربي ( ص ) يتحسسون مواضع الكلم فلا ينطقون الا بما يليق بكرامة الكلمة وعظمتها ، وكانوا يتحرجون حرجا بالغا من التفوه بما يخل بميزانها الخلقي الدقيق . كانوا لا يقولون الا خيرا أني كانوا ، وحيثما كانوا ، يؤيد ذلك ما جاء فى الآثار المنقولة عن صاحب
الرسالة من دعوة الى وجوب المنطق بالخير والتزام السكوت فيما عداه .
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت) (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ) .
واذا كان ذلك في الجانب الخلقي والروحى للحضارة العربية فله فى الأدب العربى بضروبه المختلفة شبيه ومثيل . .
فقد كانت الكلمة تلبس دائما مسوح الطهارة وشرف المقصد ونبل الغاية حتى تلك التى كان يقصد بها الهجاء ، ولو كان من ذلك النوع المقذع كانت تؤدى الغرض في أدب واحتشام . واذا كان قد وجد من شذ عن تلك القاعدة فما ذاك الا من باب الاستثناء ، والنزر اليسير
أما في عصرنا الحديث فلا مرية في ان للكلمة جبروتها وفاعليتها فى التوجيه والتأثير ، حتى باتت صلاحا ناجحا فى السيطرة على تفكير المجتمع بفئاته المختلفة . . يتمثل ذلك في الكلمة المنقولة عبر الأجواء ، والمنظورة ضمن القول المتنوع الوسائل ، ولكن الانسان العربي قد يقف برهة للتساؤل عن ادب الكلمة فى عالمه الخاص في العصر الحديث وسيري أنه لا يسعه الا أن يقول : أن السبب الرئيسى فى تدهور كثير من جوانب التربية العربية الحديثة - مرده الى انحراف الكلمة عن مجراها الاصيل ، وابتذال الحرف من أفواه الموجهين بها . أو بالاحرى الموجهين بابرازها في قوالب معينة تخدم أغراضا لا تؤدى الى نفع الذين يصيخون باسماعهم اليها ، أو ترنو انظارهم اليها فى كل صباح ومساء
أجل لقد هانت الكلمة علينا فهان كلامنا على غيرنا . . نقولها وعدا أو وعيدا تصريحا ، أو بلاغا . نعتقد أنها ستؤدى الى ما نريد . نريد الناس أن يسمعوها ليتعاطفوا معها . نريدهم ان يؤيدوها . أو حتى يرفضوها رفض المتجاوب معها . . لكنها تذهب ، وكانها لم تر ولم تسمع فلماذا ؟ لانها مبتذلة نكررها كثيرا نضخمها . نتغني بها وحدها . نفرغها من المضامين والمحتويات . . نعتقد انها كل شئ في ايدينا . ونحن بالمقابل نسمع الكلمة من أعدائنا وخلافهم . . نخاف منها إذا كانت وعيدا ، ونصيخ بأسماعنا لها إذا كانت تصريحا ، ونترقبها إذا كانت وعدا ، يكون لها فى نفوسنا اثر وفي آذاننا رهبة ودوى . . هي الكلمة اني قيلت لكنها تكون سلاحا فاتكا اذا قيلت صادقة في مواضعها ولأهدافها . وتكون جبنا وهزالا إذا قيلت في غير زمانها ومكانها
هانت علينا فهانت على غيرنا . سمجت وابتذلت في أفواهنا فمجت ونبذت من غيرنا . جعلنا القيمة لكمها ورنينها ، ولم نجعلها لكيفها وتأثيرها . . أفلا تستحق هذا المكان الذي وضعناها فيه ؟
ان العربي يستطيع أن يقول بملء فيه : ان الكلمة فى حضارتنا العربية الحديثة تحتاج إلى تاديب . تحتاج الى ادب يزيل عنها غشاوة الابتذال ويصقلها من غوغائية الشارع ، وببغاوية المتاجرين . . ادب يلبسها مسوح الخشوع والطمأنينة ويجللها برواء الثبات والسكينة ، حتى تتطهر من رجس العابثين ، وتزول عنها قترة المبتذلين المتاجرين بالحرف ، التائهين في حياة السفسطائية والغوغائية .
كلمات شتى
الانعام ليست هى ذلك النوع من لكائنات البهيمية وحدها ، بل هناك انعام اخرى قد تكون بهيميتها اكثر ، وحيوانيتها شرودها اصلف وأعظم . . حيوانات من وع اخر ، قد ترى الكلأ بعينها وتطؤه أخفافها وأظلافها ، فلا تأكل منه ولو ماتت وعا وهزالا، وترى الماء بعينها فلا تمد يه أفواهها ولو ماتت ظمأ ، ترى اليست هذه هي الانعام الحقيقية ؟
٣- كاظم الدجيلي شاعر عراقي زامل لرصافي والزهاوى وتعايشوا فى فترة عينة ، لكل منهم نظرة إلى الحياة تشابه ظرة الآخر . هذا الشاعر والفيلسوف جسد في شعره انعكاسا حقيقيا لبيئته فترته التى عاش فيها . كان يرى ان القوة ى كل شئ ، كأنه يعتقد فيها النجاة من كل ظلم ، والسياج من كل خوف . الاعتصام من كل ذل . يحب القوى ويطرب ذكره ، ويكره الضعيف ويحتقره ، لعله
يسرف في احترام القوة ، ويسرف في احتقار الضعف ، لكن عذره أن بيئته وظروفه كانت تمده بتلك الروافد من الافكار . . فاقرأ معي له هذه الابيات من قصيدته عن الحياة الاجتماعية لتجد فيها خلجات نفسه ونفثات تفكيره . . يقول :
حديثك عن غير القوى حرام
وسعيك في نصر الضعيف آثام
تحدث بمجد الأقوياء ففيهم
قعود باحكام الورى وقيام
يقدر مذ صار ابن آدم قوة
وما الكون الا قوة ونظام
إذا كنت بين العالمين اخا قوي
رعتك عيون الناس حين تنام
حمى الغاب بأس الليث من كل طارق
ولم ينج من فتك البزاة حمام
يقولون ان الحق من فوق قوة
وما الحق الا مدفع وحسام
الرياض

