حديقة الشيطان

Share

هل يبدو العالم شقيا او سعيدا فى هذه الايام؟ لقد اصبح - ولاشك - متمدنا بل وكان حظه من المدنية حظا وافرا اصاب به من اسباب الحياة ومتاعها - ما لم يحلم به العالم قبل اليوم

وصحيح أن بعض الأمم لا تزال متأخرة - أو هكذا يقال - فنظام المائدة - مثلا - لا يزال نظاما بدويا، أو هو - على الأقل فى طريقه الى نظام (الشوكة والسكين ..!؟) وكذلك نظام المدرسة ، والبيت ، والشارع ، وحياة الفرد، والحياة الاجتماعية بأسرها - فانها لم تتبلور فى بعض الأمم المتأخرة ، ولم تصقلها يد المدنية، كما صقلت سيقان النساء - مثلا ! - فى نظام الحياة ومدنيتها هناك ، ولكن الأمم المتأخرة يلوح أنها فى الطريق الى المدنية بحماس وشغف، بل وبأسف قوى على ما فات ويفوت من العمر قبل أن يفتح أمامها باب الفردوس.! . لقد كان هذا العصر - باختصار - عصر المدنية، فهل سعد العالم ؟

لن يكلفك الجواب على سوءال كهذا غير أن تستعرض العالم على الخارطة أو في ذهنك مجرد استعراض عابر سريع ، لتعثرا - ان امكن- على الامة أو الجماعة التى تعيش فى أى مكان من العالم، آمنة مطمئنة لا تنغص حياتها المشاكل، ولا تقض مضجعها عوامل القلق والتوتر الدائم .. فأين هي هذه الامة أو الجماعة، إذا استبعدنا من حسابنا من يحيون ويعيشون فى رؤس الجبال اوفى عزلة تامة عن العالم وأخباره إن أمكن ذلك !

اذا سلم بعض العالم من المشاكل . فلن يسلم من الاستعداد للعراك .. وان سلم بعضه من ذلك فقد يكون هو موضوعا للعراك من حيث يدرى ذلك اولا يدريه . . وان سلمت امة من الامم من كل شيء . فلم تسلم -على كل حال - من التوتر بحكم العدوى. وبحكم أن العالم لم يعد اجزاء كما كان بل كلا واحدا بفضل المدنية .. ولقد اصبحت متابعة الاخبار وحدها عامل شقاء مخيف فى هذه الايام .. وهكذا يلوح ان العالم بأسره يتخبط، كأنه سفينة يتخبطها البحر، وهي مع ذلك قد احتشدت فيها أسباب الترف والسعادة لمن تحملهم على ظهرها .. الى قاع البحر ... لا الى الشاطئ كما قد يظنون أو يتخيل الربان . . وهكذا يلوح - مرة اخرى - أن الإنسانية على مر العهود لم تصادف من أهوال الحياة ومتاعبها ما تصادفه اليوم فى الشرق والغرب وفى كل يوم من ايام مدنية القرن العشرين . . ومع الأسف إنها باسم المدنية وفي سبيلها تعيش هذه العيشة النكداء . . باسم المدنية لان أكذوبة السلام هى دعوى الجميع . . ولا تعيش المدنية وتحيا الا فى جو السلام أو هكذا يزعمون . . وفى سبيل المدنية ، لان الهدف -أولا وأخيرا - هو المجال الحيوى لأطماع الامم والشعوب فى توفير أسباب الرخاء والانتعاش الاقتصادى لكل منها ولو ترتب على ذلك انهيار امم اخرى أو ابتلاعها الى الأبد .

أفكانت هذه هي الضريبة التي يجب أن يؤديها العالم لتسعده المدنية ؟ وهل سيسعد بها بالفعل وفى دنيا الواقع .. أوفى دنيا الأحلام . ؟ .

لقد كانت هذه المدنية خداعا كبيرا لعقل الانسانية، ووهمها الضال .. وإلا فإن واقعها شيء آخر اذا استطعنا أن نرفع الغطاء عن مصائرنا، لنعرف حقيقة ما هناك.. فلقد اخذ الشيطان يبذر بذوره فى الارض ويتعهدها فى تاريخها وتاريخه الطويل معها . . حتى أثمرت هذه المدنية فكانت )حديقة الشيطان( ولم تملك الانسانية غير أن تعب من سحرها البابلي . . هناك فى اوروبا أو الغرب اولا . . وهنا أخيرا فى الشرق . وليس الأمر هناك . مثله هنا على العموم ، او - على الاقل - فى ميزان احساسنا بالغرب وجنايته على الشرق المسكين ، فلقد ألهب الاول خيال الشرق ، واندفع

هذا كالطفل يجرى وراء المدنية وفى أعصابه حماس قوي يحدوه نشيد الشيطان . . ومع الاسف مازال يتلو هذا النشيد ويردده رجال الفكر فى امم الشرق الحائر الى اليوم والى ما بعد اليوم ، فماذا كانت النتيجة ؟ هي بعينها التى كانت هناك . . انحلال فى الاواصر الانسانية كلها وخلق ما دى استحال معه الانسان الى عواطف ورغبات متحجرة ، تعيش فى حدودها فقط . وكان هذا الخلق المادى هو مفتاح كل شر وكل رذيلة فى العصر الحاضر ، ويكفى أن تبدأ معي من نهاية السلم او على الاصح - من بدايته لترى ان الانسان لم يعد اكثر ولا أقل من آلة تتحرك لحساب هدفها المادي وحده . ومتى اصطدمت الاهداف المادية ببعضها ، فقد تنمرت خلائق الطغيان والاستبداد ، والشعور بالذات وعوامل الشقاء الفردى . . ثم تتشقق المساوئ ، وترتفع فى طريقها لتكسح كل معنى روحي وكل خلق فاضل لعله من بقايا العهود المتأخرة كما نسميها .. ثم بالتدريج يتطور الخلق المادى ، فاذا هو مدار التعامل بين الامم وفى العالم بأسره ..

وهكذا أصبح الفرد يحيا ويعيش فى التراب للمدنية وباسم المدنية: فما يكاد يرفع رأسه الى السماء ليشعر بانه ، منذ كان والى الابد ، شىء ، تافه حقير . .

لقد آمنت الانسانية ببعضها ، ولم تعد تؤمن بخالق الانسانية الا ذلك الايمان التقليدى الموروث . او لعل هذا ما يرمز اليه واقع العالم ، فانه اليوم يجرى على سياسة عمياء لم يعد يحسب الاحياء فيها - كما يلوح - أى حساب للواحد الاحد . . فما يكادون يرتجلون افكارهم وتصرفاتهم الا على قاعدة أن الحياة أصبحت طوع أيمانهم ، كأنما الارادة الكبرى قد اسلمتهم مقاليد الامور.. فاذا أزعجتهم مفاجئات لم تكن فى حسبانهم لانها من تدبير خالق الحياة ، واذا فشلت تدابيرهم بعدها أو قبلها فان تجربة كهذه وعشرات مثلها . لا ولن يتحرك لها ضمير الانسانية التائهة فى (حديقة الشيطان) الا أن تصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا . .

اشترك في نشرتنا البريدية