حسان وأبو سفيان

Share

ادب وتاريخ

الا ابلغ ابا سفيان عني                  مغلغلة فقد برح الخفاء

هجوت محمدا فأجبت عنه              وعند الله في ذاك الجزاء

هذا الشعر يقول شاعر النبي ( حسان ابن ثابت ) ردا على ( ابي سفيان ) فمن هو أبو سفيان هذا ؟

قد يتبادر إلى ذهن بعض الادباء والشداة ممن لم يقرأوا تاريخ السيرة النبوية قراءة واسعة ولم يتضلعوا من تراث الادب العربى القديم تضلعا وافرا : ان المقصود ( بابي سفيان ) هنا هو ( ابو سفيان بن حرب ) الزعيم الاموي المعروف بعدائه للرسول ( صلعم ) . وهو شيخ قريش ورئيسها في المعارك المعروفة في بدر واحد والخندق وغيرها .

ولكن الحقيقة التاريخية تخالف ما يتبادر الى الذهن لاول وهلة وتناقض ما يوحى به اسم ( ابي سفيان ) من اعتقاد انه هو المقصود بهذا الشعر . كما ان الحقيقة الادبية أيضا تقف الى جانب الحقيقة التاريخية وتساندها . وهذه الحقيقة الادبية هى ان ابا سفيان لم يكن شاعرا ولا عرف عنه الشعر لا في الجاهلية ولا في الاسلام : فاذا عرف هذا تبين لنا ان ( ابا سفيان ) الوارد في شعر حسان المذكور هو أبو سفيان آخر . فمن هو ؟

انه ( أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي الهاشمي ) . . معه

غزية بنت قيس بن طريف من ولد فهد بن مالك بن النضر ) . . وكانت كنيته هي اسمه . . ومع انه كان ابن عم الرسول  ( صلعم ) واخاه من الرضاعة فقد أرضعتهما حليمة السعدية - وكان الى جانب ذلك احد أربعة انفار يشبهون الرسول شبها كبيرا وهم ( جعفر بن ابي طالب ) والحسن بن على أبي طالب وقثم بن العباس بن عبد المطلب . وهو الرابع الا ان الله لم يشرح صدره للاسلام ولم يستجب له في أول الدعوة بل نصب نفسه نصيرا للشرك ومشايعا للضلالة . . وصدق الله العظيم ( انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) .

كان أبو سفيان بن الحارث ، قبل اسلامه معدودا من فحول شعراء قريش المعروفين . . وهم ( ابن الزبعرى ) . وضرار بن الخطاب . . وقد استخدم شاعريته في هجاء الرسول واصحابه دفاعا عن الشرك ومظاهرة له حتى تألم كثير : من كبار الصحابة حينما سمعوا شعره في الرسول فطلبوا من على بن أبى طالب أن يجيبه ويرد عليه . فقال لهم ان اذن لى الرسول فعلت : فلما استأذن على من الرسول في الرد على ابي سفيان قال له لست هناك . . ثم عرض قائلا : يمنع قوما نصروا رسول الله بسيوفهم ان لا ينصروه بالسنتهم ؟ فابتدر حسان بن ثابت قائلا : كأنك اياي اردت يا رسول الله ؟

قال : نعم . . ثم اردف يقول لحسان : ولكن كيف تهجوه وهو ابن عمى ؟ فأجابه اجابته المشهورة : والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين . فقال له الرسول : اذن فات ابا بكر فانه اعرف بانساب القوم

وعندئذ انبرى شاعر الاسلام يرج على شاعر الكفر بيتا ببيت وقصيدة بقصيدة . . ومن شعره فيه قوله :

وان سنام المجد في آل هاشم

بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

ومن ولدت ابناء زهرة منهم

كرام ولم يقرب عجائز المجد

ولست كعباس ولا كابن امه

ولكن لئيم لا تعق له زند

وانت هجين نيط ، في آل هاشم

كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

فلما بلغ ابا سفيان هذا الشعر ، قال : هذا كلام لم يغب عنه ابن ابي قحافة ولا شك في ذلك ، فان حسانا في هذه الابيات غمز ولمز وذكر آباء وأمهات لا يدرى من امرهن شيئا الا ما علمه اياه ابو بكر ( رضي الله عنه ) .

ومضت الايام ودار الفلك . وترامت الاخبار الى قريش ان محمدا وعلى رأسه كتائب الاسلام وفيالق الهدى ، تؤم مكة لفتحها وتطهيرها من الشرك والاشراك . وكان عام الفتح المشهور في التاريخ الاسلامي وفر من فر ولجا من لجا واستاءمن من استأمن . . وكان ابو سفيان الحارث ابن عم الرسول واخوه من الرضاعة ممن فر من مكة وخرج يلتمس النجاة فوصل إلى الابواء . . وترامي

الى ابن عمه ( على بن ابي طالب ) يستشيره كيف يدخل على الرسول وكيف يقابله وقد كان منه ما كان ؟ . . فقال له على : انت الرسول مواجهة وقل له كما قال اخوة يوسف ليوسف : ( تالله لقد اثرك الله علينا وان كنا لخاطئين ) فانه ( صلى الله عليه وسلم ) لا يرضى أن يكون احدا احسن منه قولا ولا ابرز منه عملا ولا اكرم منه خلقا . ففعل ابو سفيان ما اشار به عليه على فاستقبله الرسول بخلقه السمح وقلبه العطوف وحلمه الواسع يردد قوله تعالى : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) ثم وقف بين يديه ينشده قصيدته التالية معتذرا عما سلف منه من جفاء وعداوة وهجاء .

لعمرك اني يوم احمل راية

لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمظلم الحيران أظلم ليله

فهذا اواني حين اهدى فاهتدى

هدانى هاد غير نفسي ودلني

على الله من طردته كل مطرد

أصد واناى جاهدا عن محمد

وادعي وان لم انتسب من محمد

فلما سمع قوله ) صلعم ( : من طردته كل مطرد ، وهو البصير باسرار البيان العربى ومعانيه . استدناه وضرب في صدره منبها إلى جفانه في قوله استنكارا لكلمته وقال له : ) انت طردتني كل مطرد ( . . وكانت غلطة من الشاعر ياباها المقام ولفتة بارعة ممن دانت له الفصاحة وخضع له الكلام . . ومع ان الاسلام يجب ما قبله والحسنات تذهب السيئات . . الا ان ابا سفيان عاش حياته كلها وما يستطيع - رفع

طرفه الى رسول الله - خجلا وحياء منه لما سلف منه من قول . وما زال بعد ذلك ملازما للرسول يكفر عن ماضيه السئ بالمواقف المشرفة والنضال المجيد حتى كانت وقعة ( حنين ) فأبلى فيها بلاء حسنا وثبت ثبوتا عظيما ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله ، حتى فاء المنهزمون وعاد الاستقرار إلى صفوف المسلمين . ومضى يستقبل الإيام

ويستدبرها وهو موضع اكرام الرسول ومحل اعزازه حتى قال فيه : ( ابو سفيان من خير اهلي ) . . ولما توفي صلى الله عليه وسلم ، انطلق أبو سفيان يبكيه ويرثيه بهذا الشعر الحزين :

أرقت فبات ليلى لا يزول

وليل اخي المصيبة فيه طول

فاسعدني البكاء وذاك فيما

أصيب المسلمون به قليل

لقد عظمت مصيبتنا وجلت

عشية قيل قد قبض الرسول

واضحت ارضنا مما عراها

تكاد بنا جوانبها تميل

فقدنا الوح والتنزيل فينا

يروح به و يغدو جبرئيل

وذاك احق ما سالت عليه

نفوس الناس أو كادت تسيل

نبي كان يجلو الشك عنا

بما يوحى اليه وما يقول

ويهدينا فلا نخشى ضلالا

علينا والرسول لنا دليل

أفاطم ان جزعت فذاك عذر

وان لم تجزعى ذاك السبيل

فقبر ابيك سيد كل قبر

وفيه سيد الناس الرسول

رحم الله حسانا وأبا سفيان

اشترك في نشرتنا البريدية