أحسب أن غيرى - من ادباء البلاد وكتابها - أولى منى وأجدر بان يكتب تحت هذا العنوان الذي اختاره لي الاستاذ الانصارى . ذلك لان تقاليدنا الاجتماعية ، تفرض على كل احد - فرضا ذوقيا !! - الا يشغل الناس بالحديث عن نفسه او عمله ، أو ما يتصل بهما بسبب . فكيف حين يراد ان يكون الحديث للنشر ، وعلى أعين الناس ؟ !
وشيء آخر كان يجب ان يصرفني عن هذا الحديث . فقد آلقينا - وهذه حقيقة مؤسفة - أن نجيد الحديث والنقد والتوجيه ، حين لا يتصل بنا من أمر ذلك الحديث او النقد شيء ما ، فكل فرد منا يستطيع ان يتحدث عن " الصحة العامة واعمالها " ، أو " الاذاعة " أو " أمانة العاصمة والبلديات " أو " الشركة العربية للسيارات " أو أى مرفق من هذه المرافق العامة التى هى موضوع حديث كل كاتب ، والتوجيه فى كل ذلك حين لا يكون ذلك المتحدث طبيبا أو متصلا - صلة علم ومعرفة ودراية - بمرفق من تلك المرافق
ومن هنا كنت اوثر لغيري ان يتحدث عن الصحافة ليجيء حديثه فى الصميم ! تفيد منه الصحف ، وينفع الصحفيين .. ان كانت الكتابة - لا تزال - مما ينفع ويفيد ! ! ثم ما هى هذه الحقوق التى للصحافة ؟ فانا - شخصيا- لا أعرف ان للصحافة حقوقا أكثر من ان يهيأ لها الجو الذي تعيش فيه ؛ كأى كائن حي معترف بوجوده وقيمته ... وفيما عدا ذلك فان حقوق الصحافة تؤخذ ولا تعطى ؛ تؤخذ من القراء عن طواعية واختيار- في صورة عطاء مبذول نسميه تشجيعا من جمهور " الصحيفة " - وذلك عندما
يحس القارئ ان صحيفته تقدم له شيئا جديدا يلامس عقله أو احساساته وانفعالاته او تعبر عنه - بقلم احد كتابها - عن بعض ما يلوب بنفسه او يشغل حياته .
أجل .. عندما يرى القارئ ان صحيفته تعطيه شيئا ما - أى شيء - فانه حينئذ يشعر شعوراً ذاتيا بحاجته الدائمة الى تلك الصحيفة، وان فقدانها، أو احتجابها عنه ، يفقده شيئا عزيزا عليه .. شيئا يتصل بحاجاته الحيوية اللازمة له فيما يلزم له عادة من شئون حيواته الاخرى فى صباحه أو مسائه !
فهل فعلنا نحن معاشر الصحفيين شيئا من هذا ؟ سأترك القارئ وذمته ليجيب الجواب الذى يرتضيه لنفسه ..
أما أنا - واقولها بصراحة - فارى أننا لا نزال فى أول الطريق .. وأننا كثيرا ما نقف لنستأنف السير .. وقد يطول وقوفنا أحيانا .. لكن سيرنا لم يكن " على طول الخط " قط . . بل إننا كثيرا ما نسير " بالعرض " !
وما انكر ان مجتمعنا يكره الطفرة ، ويفضل السير البطيء على ارض صلبة يؤمن معها العاقبة من السير على ارض رخوة لا تؤمن معها العثار
والصحافة -فى كل بلد - هي المرآة الصادقة لما فى المجتمع وما هو عليه ذلك المجتمع . فان رأيت أيها القارئ مدا وجزرا فى صحافتنا فذلك لأن حياتنا - لقرب عهدنا بالنهضة الحديثة - لا تزال فى مد وجزر ستكون نتيجته - ان شاء الله - التركيز والاستقرار في كل مرفق من مرافق الحياة .
وما اريد ان اظلم غيرى ، فأنكر جهودا بذلت فى سبيل التطور الصحفى ، كلل بعضها بشيء من النجاح المؤقت . وما يزال بعضها سائرا فى طريقه . . ان صحافة بلادنا - فى رأيى - ما تزال تحبو . ولن تأخذ حقوقها الا حين تستطيع ان تخلق لها جمهورا ، والجمهور فى بلادنا لا يقرأ كثيرا ، وإن قرأ فإن الصحف ولا سيما المجلات مما لم يتعوده فى قراءاته .
وقد كان من الممكن ان تكون الصحافة فى بلادنا خيرا مما هي عليه اليوم ، لو لم يقف صدورها خلال فترة الحرب العالمية الأخيرة خمس سنوات انقطع فيها الجمهور عن صحفه المحلية وذلك معناه انقطاع تربية عادة لازمة لدى هذا الجمهور ، واعني بها عادة تتبع الصحف المحلية فى البلاد ، والبحث عنها فى الصباح والمساء ! فعودتها بعد تلك السنوات يعنى اننا عدنا إلى تكوين تلك العادة لدى القراء . وهذا ما يحتاج - ولا شك - الى زمن طويل لإيجاد جمهور للصحف . . ثم ان الصحف والمجلات
هنا، نجد عنتا شديدا من القراء الذين يبغون من الصحف هنا ان تقدم لهم صحافة لا تقل عن الصحافة المصرية التى تغزو السوق بآلاف الصحف والمجلات غير مقدرين فروق الامكان هنا وهناك . . وأكثر من ذلك طلابهم ان يكون فى صحيفتهم جميع ما في تلك الصحف والمجلات
واخيراً .. فان فتنة المادة - التى هى طابع هذا العصر - قد شغلت ذوى الاقلام الممتازة من الادباء والكتاب . عن مسايرة الحركة الادبية وتغذيتها كما كانوا يفعلون من قبل وقد طال انتظار القراء لتلك الاقلام.. وأحسب أنه سيطول اكثر واكثر ! ! ولئن لم تفسح الصحف والمجلات صدورها للاقلام الجديدة - على ما فيها من ضعف - فسيأتى يوم تعيش فيه البلاد على واردات الخارج - كما هو الشأن فى اكثر مقومات حياتنا ويومئذ - لا قدر الله - سيكون حديثنا- أو حديث من بعدنا- عن الصحافة . حديثا تاريخيا عنوانه " كانت هنا صحافة "
وبعد ، فهل كتبت ما اراد لى الاستاذ الانصارى ان اكتب فيه ..أم انى تركت لقلمي ان يتنفس عن بعض ما يحس ويشعر ؟ لا أدرى . . وكلما ادريه أنى اجبت رغبة الاستاذ الى الكتابة على غير رغبة منى ولا تهيئ نفسي للكتابة ولكنه واجب الزميل للزميل.. وتخفيف عن نفسي من بعض اثقالها التى تثقلها بها حقوق الصحافة . . وواجباتها.

