رأيت فيما يرى الرائي زمرة جليلة من علماء البيان وأئمة اللغة الذين عاشوا في القرون الاربعة الاولى التي تلت الهجرة النبوية . . وقد ارتدى كل منهم زيا متباينا، وبدت عليهم جميعا سيما المهابة والجلال ودلائل الرزانة والوقار ، وتقدم احدهم يرفل في ثوب من الدييباج وصافحني معرفا نفسه : (أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ) قلت : حللتم أهلا ونزلتم سهلا يا صاحب (البيان والتبيين) وعالم (الحيوان) وهاتك ستار (البخلاء) وصافحنى الاخر مشيرا الى نفسه وهو يقول : ( ابو العباس محمد بن يزيد (المبرد). قلت : أهلا بالكاتب الكبير الكبير والاديب العظيم صاحب (الكامل) في اللغة والادب ، وتقدم ثالثهم بخطوات رزينة وصافحني وهو يبتسم ويقول في اعتداد : ( أبو علي اسماعيل بن القاسم (( القالى )) ) قلت : أهلا بصاحب (الامالى) وصاحب الحظوة الكبرى لدى خليفة الاندلس الاموى الثامن (عبد الرحمن الناصر) وعلى الرحب والسعة ايها العبقرى الفذ ، وصافحنى رابعهم وهو يقول : ( أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينورى . . ((ابن قتيبية))) قلت : أهلا بامام
اللغة والأدب . . مرحبا بصاحب (أدب الكاتب) و (عيون الاخبار) . وتقدم خامسهم في جلباب فضفاض وحلة ناصعة البياض وهو يقول : ( عبد الملك بن قريب الاصمعى) قلت: أهلا بالرااوية اللطيف الحصيف واللغوى الغنى عن التلقيب والتعريف والحافظ من العربية ثلثها . وأقبل سادسهم قائلا : (أبو زيد الانصارى ) قلت : أهلا بالمعين الدافق والنبع الفياض الحافظ من اللغة نصفها ! وتقدم سابعهم وقد علت هامته عمامة كبيرة وهو يومئ لى بتواضع جم . . قائلا : ( ابو مالك الاعرابى ) قلت : أهلا بالبحر الزاخر والروض الفاخر .. أهلا بدائرة المعارف وقاموس اللغة يا من تحفظ متون اللغة كلها وتجيد جميع مفرداتها !
هذا . . كما صافحت كثيرين غيرهم أمثال : أبى عبيدة وأبى بكر الخوارزمى وأبى عمرو الشيبانى والنضر بن شميل وابن السكيت والكسائى والفراء وأبى عمرو بن العلاء وأبى معد الكلابى والليث واللحيانى وأبي تراب، والاموي، وابن خالويه والازهري وابن منظور والفيرووز آبادى .. ورحبت بكل منهم بما هو اهله ، ولما تكامل جمعهم والتأم عقدهم . . أقبلت عليهم هاشا باشا وقلت لهم : سبحان الله .. كيف اجتمعتم وبين بعضكم وبعض عشرات السنين .. بل ان بعضكم لم يعاصر البعض الآخر ولم يعايشه.. ثم كيف تسنى لكم الاجتماع بنا، وبيننا وبينكم قرون ودهور .. وأحقاب وعصور ؟ قالوا : وفيم العجب .. أليس الله على كل شئ قدير ؟
قلت : بلى والله - ولكنى وايم الله لأوجس منكم خيفة ، وتملؤني الريبة .. وتذهب بي الظنون كل مذهب ! قالوا : وعلام الخوف
وما جئنا الا لنقاضيكم معشر أهل هذا العصر في تقصيركم بأمر اللغة ، واخفاقكم اخفاقا ذريعا بحمل اعبائها وصون امانة رسالتها ، وعدم تمكنكم من تطويرها بحيث تفي بالحاجة وتجاري روح العصر الذى تعيشون فيه وتساير الزمن الذى تحيونه .. وأسقط في يدي ، وارتج علي فلم أنبس ولم أفه لكوني أشعر بما يشعرون من تقصير ! ولكني عدت فتعصبت لعصري ووقفت أذود عنه التهم وأدرأ عنه التهجم . فقلت لهم : ما نوع التقصير الذى تنسبونه الينا وتتهموننا به؟!
قالوا في دهشة: أولم تكتشفوه بعد ؟! ان كنتم لم تكتشفوه حتى الآن فذلك شر من التقصير نفسه فأنتم من قول الشاعر :
اذا كنت لا تدى فتلك مصيبة
وان كنت تدرى فالمصيبة اعظم
فتذرعت بالجهل وقلت لهم : أفلا أبنتم هذا التقصير .. وأفصحتم عن ذلك التفريط المزعوم ؟؟ قالوا : في عهودنا وفي العهود السالفة لنا ذكرنا نحن ومن سبقنا من علماء الكلام وأئمة البيان عشرات المترادفات للكلمة الواحدة وللمعنى الواحد حتى اتسع نطاق اللغة العربية وامتد تعدادها الى ثمانين الف كلمة ! فلقد ذكرنا ثمانين اسما للعسل . . ومائة وخمسين لفظا للقوة . . ومئتى اسم للخمر ومئتى اسم للحية . . وثلاثمائة وخمسين للهر . وخمسمائة اسم للاسد . . وخمسمائة اسم أيضا للسيف .. وألف اسم لفظة للبعير .. واربعمائة اسم للداهية !.. وعشرات المترادفات لغير ذلك من الكلمات ، ولم نكتف بذلك بل ذكرنا للكلمة الواحدة في كثير من الاحيان عدة معان ، وربما طرق سمعكم وبلغ وعيكم خبر أبي الاسود الدؤلى الذى نقط
الحروف العربية فصارت تامة بعد نقص . جلية المعنى بعد ابهام ، والخليل بن احمد الفراهيدى الذى شكل الحروف وأوجد علم النحو .. أما أنتم فماذا فعلتم ؟ لقد صمم في زمنكم كثير من الاوانى والمعدات فهل اوجدتم لكل آنية اسما بالعربية .. كما أوجد الاعاجم وذوو الرطانة اسماء لها ، ولقد اخترع في عهدكم كثير من قطع الآلات والمكنات والمستحدثات والمصنوعات والادوات وأنواع المعادن فما تمكنتم من وضع أسماء عربية لكل منها . وأوجدتم جامعات للتعليم . . ولكنكم عجزتم عن تعريب الاصطلاحات الطبية والهندسية والجيولوجية والتكنولوجية وغيرها من صنوف العلم وضروب الاختصاص بعكس ما كانت عليه جامعاتنا الزاهرة في بغداد وقرطبة وغرناطة وطليطلة التي كان يؤمها الافرنج ويسعون لتلقى العلم فيها من جميع انحاء اوربا ! ثم انكم وقفتم مكتوفي الايدى امام طغيان اللغة الانكليزية على العربية حتى باتت لغة التخاطب والنقاش(١) والجدل في المحافل الرسمية والدولية .. مع العلم بأن اللغة العربية اجدر واعرق واخلق واوسع مدى من حيث تعداد الكلمات ووفرة المترادفات حتى لقد قال الانكليز انفسهم عنها : (اللغة العربية تم لغة في العالم !) أفلا يدل هذا الجمود الذى منيت فيه اللغة في
عهدكم معشر أهل هذا العصر - على تقصير عن التجديد، وتقاعس عن التوسعة والشمول، وتخاذل عن وضعها في المكان اللائق بها ، في طليعة لغات سكان الدنيا ، كيف لا وهى لغة الفرقان المجيد ولغة النبى عليه السلام؟! ولقد استحدثت في العهود الاخيرة لعبة (كرة القدم) فرحتم تذيعونها في أجهزة اعلامكم مستعملين الالفاظ التالية : أوت .. فاول .. وينج .. جول .. باك .. سنتر هاف .. هافتايم !
محاكين بذلك مبتدعيها تقليدا أعمى لا يحتمل التجديد.. وليس له الا الانصياع لما يملى عليه .. وما لنا لا نستشهد بأحد كتاب عصركم حيث يؤيدنا فيما نقول ويوافق آراءنا فيما نرمى اليه وهو الشيخ ابراهيم اليازجى حيث يقول : (( لقد أفضت اللغة الى حال لو رام الكاتب فيها أن يصف حجرة منامه لم يكد يجد فيها ما يكفيه هذه المؤونة اليسيرة ، فضلا عما وراء ذلك من وصف قصور الملوك والكبراء ومنازل المترفين والاغنياء ، وشوارع المدن الغناء ، وما ثم من آنية وأثاث وملبوس ومفروش ، وغير ذلك من اصناف الماعون وادوات الزينة مما لا يجد لشئ منه اسما في هذه اللغة ، ولا يكون حظ العربي من وصفه الا العي والحصر وطى لسانه على معان في قلبه لا يتسنى له ابرازها بالنطق .. ولا يجد سبيلا الى تمثيلها باللفظ كأن المقاطع التى يعبر بها عن هذه المشخصات لم يخلق لها موضع بين فكيه . . وليست مما يجري بين لهاته وشفتيه، فعاد كالأبكم يرى الاشياء ويميزها، ولا يستطيع أن يعبر عنها الا بالاشارة ولا يصفها الا بالايماء ، ويا ليت شعري ما يصنع احدنا لو دخل احد المعارض الطبيعية او الصناعية ورأى ما ثمة من المسميات
العضوية وغير العضوية من أنواع الحيوان وضروب النبات وصنوف المعادن ، وعاين ما هناك من الآلات والادوات وسائر اجناس المصنوعات وما تتألف منه من القطع والاجزاء بما لها من الهيئات المختلفة والمنافع المتباينة . . وأراد العبارة عن شئ من هذه المذكورات)) هذه شهادة شاهد من اهلكم تصمكم وتدفعكم، ولقد اخترع في زمنكم آلات موسيقية فما زلتم متشبثين بأسمائها الاعجمية مثل : (بيانو) و (سبرانو) و (كونترباص) و (اكورديون) و (اكسليفون) و (فلوت) و (كرينت) و (كلرينت) وغير ذلك ، علي عكس ما كنا عليه نحن واسلافنا فلقد اشتققنا الكثير من المشتقات لتخدم ما احتجناه من صناعة الفرس وعلوم اليونان فما وجدنا في ذلك عناء ولا عنتا ، بل كان الاشتقاق هينا لينا ، منصاعا مطواعا ، اصبنا منه بغيتنا في يسر غير معسر .. ولو لم تحرق مكتبة قرطبة ولم تقذف في اليم مكتبة بغداد ولم تنهب مكتبة الاسكندرية لوجدتم في تراثنا اللغوى ما يدهشكم ولعلمتم اننا ذللنا اللغة بحيث وفت بجميع احتياجاتنا ومتطلباتنا وخدمت كافة اغراضنا على أكمل وجه . . ولو لم يكن ذلك صحيحا ، ما تم تعريب كتب الطب والحكمة ، والعلوم الرياضية ، والطبيعية ، التى نقلت عن اليونان والسريان والفرس في عهد المأمون . . لم يعجزنا اصطلاح ولا فت في عضدنا مسمى غريب الا وجدنا له في العربية ما يوازيه ويساويه ويعبر عنه في أجلى عبارة وأوضح كلمة وأفصح بيان ، بعكس ما أنتم عليه في عصركم هذا .. اذ ان كثيرا من المستحدثات والمخترعات ، والكثير جدا ، لا تحسنون التعبير عنه أو الافصاح بفوائده واغراضه ومراميه ، مع ان اللغة يجب أن تتجدد بتجدد حاجة العصر .
قلت في دفاع لا يخلو من حنق : رويدكم يا هؤلاء .. فاتهامكم هذا لنا يتسم بالتحامل والتعسف والاجحاف .. فنحن في استعارة المسميات الافرنجية ما حذونا الا حذوكم . وما انتهجنا الا سبيلكم ، وما تعقبنا الا خطاكم ، فان نلم في هذا فأنتم باللوم اجدر وان نوصم بالتقصير ، فالسابق أدنى إلى الوصم من اللاحق .
قالوا : وكيف هذا ؟ قلت : ألم تأخذوا عن الفارسية مجموعة كبيرة من الاسماء ، كالسراويل والاستبرق والباشف والزنبق والتنور والسندس والبلور والنرجس والقرمز والفرسخ والزمرد والكوسج والطست والخوان والدولاب والميزان والجاموس والطيلسان والمغنطيس والمارستان ودوافج المسك والصولجان والصك والارجوان والنسرين والسوسن والجوز واللوز والآجر والجوهر والسكر والعنبر والبند والطنبور والقصعة والكافور والكوز والجرة والطبق والخز والديباج والياقوت والفيروز والكعك والفالوذج وصنجة الميزان والبستان والقرفة والقرنفل واللوزينج والفلفل والزنجبيل والصندل . وكثير غيرها ؟
* * * وهنا ضحك أعلام اللغة وأقطاب البيان ساخرين وقالوا : ان كنا قد أخذنا عن الفارسية القليل أو الكثير فليس عن وعي أو عجز أو تقصير ، ففي كتب اللغة غناء عن معظمها.. وانما جعلناها في الغالب مترادفات ليس الا ، فضلا عن ان ظروفنا كانت قاسية وصعبة إذا قيست بظروفكم الحاضرة المرفهة ، فكل شئ ميسر لكم لو اجتهدتم .. القرطاسية .. أدوات الكتابة .. الطباعة . . المواصلات ، وغير ذلك الكثير مما يمكن أن يخدم اللغة ويذلل أمامها العقبات لو
بذلتم الى جانبه القليل من الجهد والفكر .. أليس من العار أن تطلق على مؤهلاتكم الدراسية أسماء أعجمية فتقولون : (دبلوم) و (بكالوريوس) و (ليسانس) و (ماجستير) و (دكتوراه) ، مع أن من السهل جدا ايجاد مسميات تساويها وتحاذيها في لغة الضاد .
واستطرد علماء البيان وأئمة اللغة قائلين : ولقد تبرم بعض المنصفين من شعرائكم وامتعض لهذا التفريط وذاك التقصير في أمر اللغة وهو ( حافظ ابراهيم ) فأخذ ينعى عليكم ذلك التقاعس والخمول والعقود عن الاجتهاد في امر من اجل الامور ومن ابعدها اثرا واعظمها خطرا .. قائلا بلسان حال اللغة :
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
ومما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات ؟
أنا البحر في احشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ؟
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
ومنكم وان عز الدواء أساتي !
فلا تكلوني للزمان فانني
أخاف عليكم أن تحين وفاتى
الى أن يقول :
الى معشر الكتاب والجمع حافل
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فاما حياة تبعث الميت في البلى
وتنبت في تلك الرموس رفاتى
وأما ممات لا قيامة بعده
ممات لعمري لم يقس بممات
وهذا الاستاذ ((نولدكه)) أحد معاصريكم الغربيين يشهد لنا بسعة اللغة في أزماننا فيقول : ((انا ليتملكنا الاعجاب بغنى معجم
اللغة العربية القديم اذا ذكرنا مقدار بساطة الحياة العربية وشؤونها ، وتوحد مناظر بلادهم واطرادها - الى أن يقول - وليست اللغة العربية غنية بكلماتها فحسب ، بل بقواعد نحوها وصرفها ايضا ، فجموع التكسير وأحيانا اسماء الافعال كثيرة زائدة عن الحاجة)) .
كاتبكم المعاصر ( احمد امين ) ينعى عليكم ركونكم الى معاجمنا على الرغم من تطور عصركم فيقول : (( . . وحسب الامة فضلا أن تسمى ما تشعر به من الاسم والاسماء . . ولكن حسبها مذلة ان تتحضر وتتسع حياتها من جميع نواحيها ، ثم لا تريد الا أن تبقى - من حيث اللغة - في حدود الدائرة الضيقة التى رسمها لهم آباؤهم الاولون))(١)
ولما كانت اللغة هى صورة وجود الامة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها وجودا متميزا قائما بخصائصه - كما يقول مصطفى صادق الرافعي - فكيف يكون حال الامة اذا اهملت لغتها وتراخت عن تطويرها واستصغرت امرها ، يجيب على ذلك الرافعي نفسه فيقول : ( ما ذلت لغة شعب الا ذل.. ولا انحطت الا كان امره في ذهاب وادبار) .
وصمت اللغويون الافاضل أمدا وجيزا ثم استطردوا قائلين : لقد بلغ من سعة اللغة
في عهودنا ان اخذ عنا الفرس اسماء كثيرة وأضافوها الى لغتهم مثل : الكف ، الساق ، الفراش ، البزاز ، الوزان ، الكيال ، المساح. البياع ، الدلال ، الصراف ، البقال ، الجمال، القصاب ، الفصاد ، الخراط ، البيطار ، الرائض ، الطراز ، الخياط ، القزاز ، الامير ، الخليفة ، الوزير ، الحاجب ، القاضى ، الوكيل ، السقاء ، الشراب ، الدخل ، الخرج ، الحلال ، الحرام ، البركة ، العدة ، الحوض ، الصواب ، الخطأ ، الغلط ، الحسد ، المسلم ، المؤمن ، الكافر ، المنافق، الفاسق ، الحنث ، الخبيث ، المحراب ، الجبت ، الطاغوت ، السجين ، الغسلين ، الضريع ، الزقوم ، التسنيم ، السلسبيل .. وغير ذلك كثير .
واضاف علماء اللغة يقولون : أما أنتم فما بال كتبكم تزخر بألفاظ غريبة على العربية دخلية عليها غير مستساغة مثل : دكتاتورية ، ديمقراطية ، بيروقراطية ، فسيولوجية ، جيولوجية ، تكنولوجية ، برجوازية ، بويولوجية ، سيكولوجية ، فيزيائية ، تكتيكية ، أوتوماتيكية ، روتينية ، رومانتيكية ، باثولوجية ، الكترونية ، رومانسية ، اتيكيتية ، استراتيجية ، ميليشية ، كلاسيكية ، فوتوغرافية ، ميكانيكية ، ديناميكية ، امبريالية ، ايديولوجية ..
ألا ترون معنا انها اسماء شاذة مستهجنة بالنسبة للغة العربية ، فان زعمتم أنه قد تم لكم تعريبها كلها أو بعضها فما بال كتابكم لا يأخذون بما تعربون ولا يلقون بالا لما تترجمون ؟ وكأنكم في واد وهم في واد آخر ، فتجدهم دوما إذا خاضوا في موضوع علمي ، ملأوا أسفارهم بمثل هذه الالفاظ
الممجوجة التي يأباها الذوق العربى وينفر منها : البيوريتانية ، الراديكاليه ، الهيدروليكية ، الانثروبولوجيا، أوليجاركية، الميتافيزيقية ، البروليتارية . . وعشرات غيرها يتظرف ادباء بتمطيطها وفرضها على القراء فرضا . . ويحسبون انهم بذلك يحسنون صنعا ، فيا ترى ماذا يفهم القارئ العربى من أمثال هذه الالفاظ المستعجمة التى يستغلق معناها على معظم المثقفين فكيف بالقراء العاديين ، ولو نظرتم الى تاريخنا اللغوي لوجدتم اننا تحررنا من الالفاظ الدخيلة قدر الطاقة وجهد الاستطاعة، فنحن مثلا لم نأخذ عن لخم ولا عن جذام لمجاورتهم اهل مصر والقبط ، ولا عن قضاعة وغسان واياد لأنهم يجاورون اهل الشام حيث كان اكثرهم نصارى وكانوا يقرؤون بالعبرانية، كذلك لم نشأ أن نأخذ لغتنا الفصحى من تغلب واليمن فقد كانوا بالجزيرة يجاورون اليونان ، ولا حتى من قبيلة بكر لمجاورتهم للنبط والفرس . وكذلك عبد القيس وأزدعمان بالبحرين لكونهم خالطوا الهند والفرس لم نأخذ عنهم شيئا ، ومثلهم اهل اليمن خالطوا الهند والحبشة فما اخذنا عنهم ، ولا من بني حنيفة ، ولا من ثقيف وأهل الطائف لكونهم قد خالطوا تجار اليمن المقيمين عندهم ، حتى المذموم من لهجات العرب الاصيلة .. أبعدناه عن الفصحى ،
كالكشكشه في ربيعة ومضر حيث يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيئا، والفحفحة في لغة هذيل اذ يجعلون الحاء عينا ، والطمطمانية في لغة حمير التي تجعل لام التعريف ميما ، والعجعجة في لغة قضاعة حيث يجعلون الياء المشددة جيما ، وشنشنة اليمن التى تجعل الكاف شينا ، ولخلخانية اعراب الشحر وعمان ، وعنعنة تميم ..
الى هذه الدرجة بالغنا في الحيطة والحرص من دخول المذموم من اللهجات الى الفصحى ، والحيلولة دون تسرب الدخيل الى لغتنا العربية ما لم يطبع بطابع الفصحى تبعا لاساليب تعريبها .
وصمت فقهاء اللغة واساتذة البيان فترة . . وكان علي ، أن اقول شيئا - أى شئ - ادافع به عن العصر الذى اعيش فيه . . لكنى أصارح القراء بأننى حرت في أمرى وضاق صدرى . . فماذا اقول ؟ وبماذا أدافع ؟ أأقول : اننا عربنا الكثير وأسرد لهم قائمة بعض الكلمات التى تم لنا تعريبها ؟ أم أقول : اننا أنشأنا مجامع للغة العربية في بعض العواصم العربية ، وأعدد لهم بعض أعمال هذه المجامع؟ أم اذكر لهم المجلة الدورية (اللسان العربي) التى يصدرها المكتب الدائم لتنسيق التعريب في المغرب الاقصى والمنبثق عن (جامعة الدول العربية) ؟ أم أقول لهم أن بعض المجلات العربية كالمنهل والعربي وغيرهما قد خصصت صفحات للغة ، ولكني مهما أحصيت ومهما عددت من اعمال لغوية قمنا بها .. فسأبقى عاجزا عن الاجابة على السؤال الذى من المرجح أن يلقوه مرة اخرى : ما بال كتابكم لا يأخذون بما تعربون ولا يلقون بالا لما تترجمون وكأنكم في واد وهم في واد آخر ؟ .. ثم ما بال كتبكم قد حفلت بالانفاظ الدخيلة الشاذة التى يأباها الذوق العربي وينفر منها رغم كل جهود
التعريب التى تدعونها ؟ وكذلك ما لنا نرى اختلاف مجامعكم اللغوية في وضع المصطلحات العلمية وتعريبها حتى ليجد المرء تباينا واضحا بين كل منها ؟
عندها سألقي سلاحي مستسلما - والحسرة تأكل قلبى - مقرا بهزيمة زمانى ، معترفا بتقصير عصري . وناوشتني الحيرة برهة .. وامسكت عن القول والتفكير لحظات .. ثم فتحت عيني فلم أجد اللغويين الافاضل الذين كانت تتراءى لي اشباحهم وتكلمني أرواحهم .. فأسفت أن ذهبوا ولما استطيع أن أدحض حجتهم أو أبدد من أذهانهم الفكرة التى اعتمدت فيها ورسخت فى اغوارها وهى اننا .. مقصرون .. مقصرون .. مقصرون ..
الطائف - مدرسة الاشارة

