من ابى تراب الظاهرى الى العالم الفاضل الاديب اللقن ميمون النقيبة محمود الخلة الاستاذ الكبير الشيخ عبد القدوس الانصارى ابقى الله عليك نعمته ما اختلف الملوان وذر شارق وهطل من المزن سجم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد فلقد وقفت على الهامش الذي نشرته لكم جريدة " البلاد " بتاريخ ٢٠-١٠ - ١٣٨١ ه فرأيت أنكم أحسنتم فيه التحبير وأحكمتم فيه القول فكان منطقه مهذبا ولفظه مزوقا ولا يضادك في هذا الا من كان حظه أنكس وثمنه أبخس ، وانت المعروف لدينا بقوة الحجة ولزوم المحجة وصحة البرهان ووضوح البيان
الا انه وقع نظري على نص من كلامك أشكلت على استقامته وهو قولك : " وكلا التكليف والاداء ممثلان . . الخ " فكتبت اليك هذه الرسالة تعليقا على هذه الجملة وتفسيرا لمكان هذه العبارة من الاعراب ، وأنا أعلم أنه لا ينازلك الا مفلول ولايجادلك الا محجوج ولكنه العلم يقتضينا طلبه ان نبحث ونتدارس فى سبيله ، فاذا وجدت فى كلامي امتا فأقمه أو أودا فأصلحه فكلانا رضيعا لبان المعرفة ان فاتتنا مصة نولتنا ام العلوم حلمة ثديها بحنان . ثم ان رأيت فانشر كامل نص رسالتى هذه بمجلتك المنهل العذب فانها خير ميدان لمعترك الآراء واجمل بساط لمناقشتها . وما اخالك
تنبذ ما اكتب وراءك ظهريا .
أما وجه استغرابي للمقولة المذكورة فلاني قرأت قديما فى كتاب سيبويه نصه على لزوم اضافة ) كلا وكلتا ( للمثنى او ما هو فى معناه ولا تقع اضافتهما للمفرد اصلا ، واعرف أن البصريين والكوفيين أجمعوا على ذلك ولم يختلفوا وانما اختلفوا فى اضافتهما الى النكرة وفي كونهما مثنيين لفظا او معنى واذا كانا مثنيين على رأى أهل الكوفة فهل يستعمل مفرداهما وهما ) كل وكلت ( وكذلك اختلفوا فى اعرابهما حالة كونهما مضافين الى مضمر . هذا ولا اعرف بينهم خلافا فى كونهما يضافان الى المثنى او ما حكمه حكم المثنى سواء اكان مظهرا او مضمرا ويقول ابن مالك :
لمفهم اثنين معرف بلا
تفرق اضيف كلتا وكلا
غير انهم ذكروا جواز اضافتيهما الى مفرد معطوف عليه مفرد آخر فى الشعر خاصة ضرورة وهو نادر شاذ فكان الاعتبار فيه اعتبار التثنية المعنوية المجازية اذ العطف يدل على الجمع فاذا اجتمع مفرد ومفرد كانا اثنين ولم يجيزوا هذا الاستعمال فى النثر عند سعة الكلام أما الشاهدان اللذان اوردوهما فهما شاذان ولا يعرف قائلهما وحملهما بعضهم على جواز الامر فى الشعر دون غيره .
وها أنا ذا اورد بعض النصوص النحوية
معتمدا على مدوناتها الكبرى مختصرا بعض عباراتها خشية الاطالة وحسب مقتضى المقام
قال الرضى في شرح الكافية ) ج ١ ص ٢٨ ( ان المضاف اليه ) لكلا وكلتا ( يجب أن يكون مثنى اما لفظا نحو كلا الرجلين واما معني نحو كلانا ولا يجوز تفريق المثنى الا فى الشعر نحو كلا زيد وعمرو
وقال ابن هشام في المغني ) ج ١ ص ١٧٢ ( كلا وكلتا مضافان ابدا إلى كلمة واحدة دالة على اثنين اما بالحقيقة والتنصيص نحو كلتا الجنتين ونحو كلاهما ! او بالحقيقة والاشتراك نحو كلانا فان ) نا ( مشتركة بين الاثنين والجماعة او بالمجاز كقوله : ) قائلة ابن الزبعرى
ان للخير وللشر مدى
وكلا ذلك وجه وقبل
فان ) ذلك ( حقيقة في الواحد وأشير بها الى المثنى على معنى : ) كلا ما ذكر ( كقوله تعالى : ) لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ( فان وقولنا : مضافان الى كلمة واحدة احتراز من قوله : ) كلا أخي وخليلى واجد عضدا ) فانه ضرورة نادرة .
قال واجاز ابن الانبارى اضافتهما الى المفرد بشرط تكريرهما نحو كلاى وكلاك محسنان
وقال ابن يعيش فى شرح المفصل ( ج ٢ ص ١٣٠ ، كلا اسم مفرد عندنا معناه التثنية ولا يدل بلفظه على جنس ذلك المثنى فلزمت اضافته الى جنسه ليعلم نحو جاءنى كلا اخويك .
وقال في ) ج ٣ ص ٢ ( : ) كلا ( موضوعة لتأكيد التثنية وهي من الالفاظ المضافة التى يؤكد بها المعرف ومن لفظ مضاف يؤكد به المعنى يكون مضافا الى ضمير ذلك المؤكد وانما كان كذلك ليعلم انه له وممكن لمعناه فبذلك وجب ان تكون كلا مضافة إلى معرفة ومثنى لانه لا يؤكد بها الا ما هذه سبيله .
وان خرج عن سنن التأكيد بأن يكون مبتدئا نحو كلا اخويك جاءني او فاعلا نحو جاءني كلا اخويك فلن يخرج عن حكم التاكيد ومعناه ومجاز ذلك على اقامة التأكيد مقام المؤكد فاصله جاءنى اخواك كلاهما فلذلك لزم ان يضاف إلى المثنى .
الى ان قال : ويجوز التفريق في الشعر كأن تضيفه إلى اسم واحد ثم تعطف عليه اسم واحد ثم تعطف عليه اسما آخر بالواو نحو كلا زيد وعمرو ذن الواو نظير التثنية اذ كانت الواو لا ترتب كالتثنية فحمل الكلام في الشعر على المعنى نحو قوله
كلا السيف والساق الذي ضربت به
على دهش القاه باثنين صاحبه
وصار ذلك كقولك زيد وعمر وقاما كما تقول الزيدان قاما ولا يجوز مثله فى حال الاختيار والسعة الا ترى انك لا تقول كلا اخيك وابيك ذاهب ولو قلت كلا زيد وعمرو جاءنى لم يجز فى الشعر ولا غيره لانك كنت تضيف كلا الى مفرد مخصوص وانما يضاف الى اثنين و الى مفرد في معني التثنية أو الى لفظ مشترك بين التثنية والجمع فاعرف
وقال الزمخشرى فى المفصل ) ص ١٧ ( : وحق ما يضاف اليه كلا ان يكون معرفة ومثنى او ما هو فى معنى المثنى كقوله : ) قائله النمر بن تولت (
فان الله يعلمني ووهبا
ويعلم ان سيلقاه كلانا
قال ويجوز التفريق فى الشعر كقولك كلا زيد وعمرو
وقال الرضى في شرح الكافية ايضا ) ج ١ ص ٢٠٥ ( فى - جاءني الرجلان كلاهما - لفظة ) كلا ( موضوعة للاثنينية التى هى مدلول ) الرجلان ( صما وهو مع ذلك تأكيد فان قلت بل معنى ) كلاهما ( كلا لزيدين وكلا الزيدين هما الزيدان فمفهوم التاكيد مفهوم
المؤكد قلت هذا وهم لان التأكيد هو ) كلا ( المضاف فمعنى كلا الزيدين اثناهما الا انه لم يستعمل لفظ ) اثناهما ( والأثنان مدلول لفظ الزيدين ضمنا لا مطابقة .
وقال ابن عقيل في شرح الالفية ) ج ٢ ص ٥٢ ( عند قول ابن مالك :
مفهوم اثنين معرف بلا
تفرق اضيف كلتا وكلا
انهما لا يضافان الا الى معرفة مثنى لفظا ومعنى قال واحترز بقوله ) بلا تفرق ( من معرف أفهم الاثنين بتفرق فانه لا يضاف اليه ) كلا وكلتا ( فلا تقول كلا زيد وعمرو جاء وقد جاء شاذا كقوله :
كلا اخي وخليل واجدى عضدا
في التائبات والمام الملمات
وقال : ابن مالك في الكافية الشافية الكبرى ) ص ٥١ ( ما نصه :
مفهوم اثنين بلا عطف ولا
تنكر اضيف كلتا وكلا
وقال ابن الكاظم في الشرح ) ص ٢٠٧ ، ولا يجوز اضافة كلتا وكلا الى مفهوم اثنين بتفريق وعطف فلا يقال رأيت كلا زيد وعمرو والبيت المذكور من نوادر الضرورات .
وقال السيوطي في البهجة المرضية ) ص ١٠٥ ( ولا يضافان الى مفرد ولا لمنكر خلافا للكوفيين ولا لمفرق وشذ البيت المذكور .
وقال ابن هشام في اوضح المسالك ) ج ٢ ص ٢٠ ( مما يلزم الاضافة ) كلا وكلتا ( ولا يضافان الا لما استكمل ثلاثة شروط احدها : التعريف والثاني ، الدلالة على اثنين والثالث : ان يكون كلمة واحدة فلا يجوز كلا زيد وعمرو اما البيت المذكور فمن نوادر الضرورات .
وقال في شرح قطر الندى ) ص ٣٠١ ( انما يؤكد بكلا وكلتا بشروط احدها ان يكون المؤكد بها دالا على اثنين الثاني ان يصح حلول الواحد محلها فلا يجوز على المذهب
الصحيح ان يقال اختصم الزيدان كلاهما لانه لا يحتمل ان يكون المراد اختصم احد الزيدين فلا حاجة للتأكيد الثالث ان يكون ما اسندته اليهما غير مختلف في المعنى فلا يجوز مات زيد وعاش عمرو كلاهما الرابع ان يتصل بهما ضمير عائد على المؤكد بهما . وقال الدسوقي في الحاشية ) ج ١ ص ٢١٥ ( كلا وكلتا مثنيان معنى مضافان لفظا ومعنى الى كلمة لا كلمتين واما ما جاء فى الشعر فهو ضرورة
وقال العدوى فى فتح الجليل ) ص ٢٧٩ ( قوله : ) كلا اخي وخليلي الخ ( حيث اضيفت ) كلا ( الى اثنين متفرقين هو شاذ لان من شروط اضافتها ان يكون المضاف اليه مفهوم اثنين بدون تفرق .
وقال الجرجاوي في شرح الشواهد ) ص ٢٨٠ ( اضافية ) كلا ( لزوها إلى مفهوم اثني معرف بتفريق بالعاطف وهو شاذ لانه يشترط ان يضاف لمفهوم اثنين معرف بلا تفريق :
وقال السيوطي في الشواهد ) ص ١٨٨ ( قوله : ) كلا اخي وخليلي الخ ( لم يسم قائله استشهد به على اضافة ) كلا ( الى اثنين مفرقين شذوذا .
قال ابو تراب : وعلى هذا الوجه يتخرج المقول المذكور فى كلام الاستاذ الانصارى بجريدة البلاد عن مشروعات بلدية جدة حيث اضاف ) كلا ( الى " التكليف " وهو مفرد ثم عطف عليه " بالاداء " اما الخلاف فى ) كلا وكلتا ( هل هما مثنيان لفظا ام معنى فذهب الكوفيون الى الاول والبصريون الى الثاني ولسنا بصدد البحث فى ذلك وقد شرح المسألة الانبارى فى الانصاف ) ص ١٨٢ ( والبغدادى فى الخزانة ) ج ١ ص ١٢٦ ( هذا ما اردنا ايراده وكلام العلماء طويل الذيل فى ذلك اخذنا منه ما يتعلق بالمقصودة وتركنا النقل عن بعض المراجع الأخرى غير ما ذكرنا
لان فيها طولا وتكرارا واعادة لما سبق تفصيله وبيانه وفيه الكفاية ان شاء الله وهو اعلم بالصواب .

